• ×

04:51 صباحًا , الجمعة 7 مايو 2021

رواية (الأثير ) لـ (إإيمان بقاعي ) ( 2- 16 )

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 
..الحلقة الأولى (اضغط هنا)...وأخذَها من أفكارِها طَرْقُ أصابعِ حارسِ الموقفِ على زجاجِ السَّيّارةِ، ففتحَتْها، فسألَها إن كانَتْ بحاجةٍ إلى أيَّة مساعدة، أو إن كانَتْ تعاني دوارًا يمنعُها من القيادةِ، فهزَّتْ رأسَها نافيةً فشاكرةً، فمُغلِقَةً هاتفَها، ثم واضعةً إياه في حقيبةِ يدِها التي رمَتْها على الكرسيِّ الخلفيِّ، ثم أخرجَتِ السّيارةَ إلى الطّريقِ من الأشرفيَّةِ باتّجاهِ شارعِ الحمراءِ. ولم تشأْ أن تقطعَ سلسلةَ أفكارِها، فتساءلَتْ: ،وهل كانَ كلُّ ما تذوَّقَتهُ بالفعلِ هو الأطيبُ؟ وهل كانَت ستجيبُ وقتَها بغيرِ ذلكَ الحماسِ الحقيقيِّ الذي يجعلُ كلَّ ما يمرُّ تحتَ ألَقِ تجاربِنا الحديثةِ هو الأفضلُ؟

كانَت- رغمَ معرفتها به لسنواتٍ لم تصل إلى بدايةِ الخمسِ- في مرحلةِ اكتشافِ معالمِ شخصيتِهِ التي يجمعُ فيها بين الذَّكاءِ المرِحِ النّاقدِ المبني على ثقافةٍ مستمَدَّةٍ لا من تبوُّئِهِ فقط المراكزَ التي يسعى إليها بجهدٍ بعد نيلِه درجةَ الدّكتوراه في هندسة الدّيكور، بل من ثقافةٍ كتبيّةٍ لافتةٍ ترجعُ إلى أيامِ الطّفولةِ، إذ لا تسليةَ للأطفالِ الأذكياءِ والمراهقينَ، في ذلكَ الزَّمان،ِ إلا شراء الكتبِ والرِّواياتِ والبحث في صفحاتِها عن أسرارِ الحياةِ.

و إن لم تكن قد أجابَتْه فيما يتعلقُ بتجربتِهِ الطّفوليّةِ التَّذوّقيةِ تلك- سيستنكرُ جوابَها بالتَّأكيدِ، لا لأنه ديكتاتوريّ النّزعةِ؛ بل لأنَّ شخصًا رومانسيًّا لطيفًا مسكونًا بالمكانِ والزَّمانِ مثله، لا يمكن أن يُناقَش في حيثيّاتِ ما يتعلَّقُ بأزمنَتِه وأمكنَتِه وأشخاصِهِ، فهو نَزِقٌ في غير ما مظهرٍ خارجيٍّ واضحٍ، متطَرِّفٌ في غير ما عنْفٍ، لا يقبلُ رأيَ الآخر، كائنًا مَن كانَ، ما دامَ هذا الآخَرُ لم يعشْ تفاصيلَ ما عاشَه؛ وكانَ هذا سرٌّ من أسرارِ إعجابِها به، هذا الإعجاب الذي تحوّلَ- من جانبِها على الأقلِّ- إلى قصَّةٍ نابضةٍ أساسُها بُنيَ لسنواتٍ خمسٍ موقِفًا موقِفًا، فما كانَتِ القصةُ، في صيغتِها العاطفيةِ الجديدةِ، لتنسحقَ تحتَ عجَلاتٍ ما يُسمَّى بقصصِ الحبِّ التّقليديَّةِ؛ بل زادَتِ العاطفةُ المتأنيَّةُ الخطواتِ على الإعجابِ تفاصيلَ مدهشةً، سحريَّةً، منتظَرَةً وغيرَ مُنتَظَرةٍ، بعد سنواتٍ من الصَّداقةِ الصِّرفةِ التي وجدَتْ معها فيه إنسانًا لا يمكنُ استبدالُهُ الآنَ أو بعد عشراتِ السّنين؛ سَخِيَّ إيجادِ الوقتِ حتى لو كانَ قصيرًا، سخِيَّ التّجربةِ، وسخيَّ النّصيحةِ يقدِمُها من غيرِ أنْ يكونَ مُغْرَمًا بالحديثِ الطَّويلِ أو الجدَلِ، ممهِّدًا لنَيْلِ ثقَتِها، أثناءَ فترةِ بناءِ صداقتِهما، من خلالِ شرحِه الموجَزِ لمرةٍ واحدةٍ- إلا إن مَرَّ ذِكْرُ الموضوعِ كإشارةٍ عابرَةٍ فيما بعدُ- أوجاعَ وحدَتِه بعد أن هجرَتْه زوجتُه الجورجية بعد زواجٍ دامَ تسعَ سنواتٍ، عائدةً مع ابنتيْهِ الصّغيرتينِ إلى بلادِها جنوبيّ القوقاز من دونِ رجعَةٍ، تاركةً "بلادَ الحربِ" لأبنائِها من اللّبنانيين الذين "لا تمتُّ إليهم بِصِلَةٍ"، كما كانَتْ تقولُ، ولا ترى من أمَلٍ يُرجَى في تحسينِ وضعِ الشَّعبِ الذي يُساقُ من حربٍ طائفيَّةٍ ومذهبيةٍ مُقَنَّعَةٍ إلى أُخرى، وتاركةً- في الوقتِ ذاتِه- له البابَ نصْفَ مفتوحٍ إن شاءَ اللَّحاقَ بها.

وكانَ، رغمَ اشتياقِهِ للصّغيرتينِ، قد أنهى الحديثَ بطريقةٍ مفتوحةٍ على احتمالَيْنِ مُتأرجحَيْنِ يزيدُ أولُهما على الثّاني في نسبةِ احتمالِ تطبيقِهِ، نظرًا إلى تعلُّقِهِ غير المَرَضِيِّ بانتماءٍ لهويّةٍ لا يملِكُ غيرَها: البقاءُ حتى يستحيلَ البقاءُ!

وما عزَّزَ ثقتَها به قبلَ أن تستضيفَهُ إلى عالمِها الذي أوجَعَها ما وصفَهُ به صباحَ اليومِ، استضافَتُه إياها على مائدةِ أوجاعِهِ التي كانَ يستخرجُها من تاريخِهِ هو. وكانَ يربطُ بينها خيطٌ رفيعٌ ولكن شديد المتانةِ يتعلَقُ بفلسفَتِه القاتِمَةِ عن المَوْتِ، والتي يغلِّفُها، في كثيرٍ من الأحْيانِ، بمَزْحَةٍ أو ينهيها بضحكةٍ إِثْرَ دُعابَةٍ يوجِدُها ببراعَةٍ، إلا إذا تجاوزَ تَقَبُّلُ حالةٍ منها قُدْرَتَه الذِّهنيةَ والنّفسيَّةَ على الإذعانِ لها؛ عندها يختفي كلُّ اختباءٍ وراءَ أي مظهرٍ من المظاهرِ المرِحَةِ.

وإلى جانبِ سخائِهِ في طرحِ الحلولِ المتعلِّقةِ بها- أكاديميًّا فحياتيًّا- مكثَّفَةً، منطقيّةً، مختصَرَةَ الكلماتِ، لا تُقَدَّمُ إلا مرةً واحدةً أيضًا، متوقِّعًا- بثقةٍ لا تُكبَحُ- أن تنَفَّذَ؛ فإن لم يحدُثْ هذا، لم يعاتِبْ ولم يجادِلْ؛ كانَ أيضًا سخيَّ الاهتمامِ بالفتاةِ التي تسيرُ سيْرًا حثيثًا نحو أواخرِ العَقْدِ الثّاني من عمرِها، والتي تضعُ اللّمساتِ الأخيرةَ على رسالةِ الماجستير في كلّيّةِ التّربيةِ في موضوعِ نشوءِ مسرحِ "الماريونِتْ" في لبنانَ، حاملةً إليهِ في أولِ زيارةٍ في مكتبِهِ في كلّيَّةِ الفُنونِ باقةَ وردٍ أبيضَ، متوقعَةً أن تضيفَ دراساتُه المتخصصةُ في هندسةِ المسارحِ الدّاخلية والمنشورةُ في كتيّباتٍ أو دوريَّاتٍ أو محاضراتٍ أو في مجلةِ الجامعةِ إلى دراستِها ما يعزِّزُ بحثَها التّربويَّ ويضيفُ إليه رصانَةَ علومِ النّسبة والمقياسِ من خلالِ الشّكلِ والخطوطِ واللّونِ والنّقشِ والملمَسِ، وعلاقةِ كل هذا بالحركة ِالمسرحيةِ المتناسقةِ والمرتبطةِ ارتباطًا وثيقًا بنقطة التّركيز.

وكانَ لفَرْقِ عَقْدٍ ونَيِّفٍ من الزَّمَنِ العُمْرِيِّ والأكاديميِّ بينهما تأثيرٌ إيجابيٌّ عليها، ما جعلَها تتقبلُ نصائحَهُ في كل حينٍ، خاصّةً وأنَّه يجيدُ- رغمَ استعدادهِ للذَّهابِ إلى أقصى حدودِ المرَحِ واللّعبِ عندما يعطي أحدًا ثقتَهُ- تأديةَ دورِ "الأكبرِ" سنًّا، سواء من خلالِ مخاطبةِ طلّابِهِ والطّالباتِ وحتى النُّدُل في الكافيتيريا وعمال النّظافةِ في الجامعةِ بكلمة "عمو"، رغمَ أنه لم يتجاوز وقتَها الأربعينَ إلا بعامٍ أو اثنينِ. وإنْ خصَّها، من غيرِ أن يحيدَ كثيرًا عن موقعِهِ فَوْقُ بلقبِ: "عزيزتي" الذي- مع الأيامِ- تحوَّلَ إلى "غاليتي"، فوصلَ أخيرًا إلى مرحلةِ "الأغلى"!

ومن النّصائحِ تلكَ التي أسداها لها بعدَ أن قدَّمَ لها "لعبة ماريونيت" ذهبيَّةً صاغَها جوهريٌّ كما رسمَها له لتعلِّقَ، إلى اليومِ، مفاتيحَها فيها احتفالًا بنيلِها شهادةَ الماجستير التي تركا فيها الحضورَ بمجردِ أن انتهَتِ المناقشَةُ مُتَسَلِّلَيْنِ إلى ذلكَ المطعمِ "الأزنافوريِّ" الواقعِ على شارعٍ فرعيٍّ يطلُّ على كتفِ الرَّوْشةِ، حاملَيْنِ من ضيافَةِ الشّوكولا ما ملأَ جيبَ سترتهِ فيما اعتبراه "غنائمَ حربٍ" بدأ تقاسمُها بينهما عندما قشَّرَ الحبةَ الأولى مقرِّبًا إياها إلى شفتيْها، طالبًا منها أن تقضِمَ نصفَها "لا أكثرَ"، مُستبْقِيًا على النّصْفِ الثّاني ريثما تعطيهِ رأيَها، شرطَ أن تغمِضَ عينيْها كما يفعلُ الذّواقونَ العالميونَ الذين يعوِّلونَ على امتلاكِ الحواسِّ بوجهٍ كاملٍ من خلالِ التّدرُّبِ البصريِّ والذّوقيّ والشّمّيِّ والحَراريِّ واللّوني..، وكلّها من اختصاصِهِ الأكاديميِّ المبنيِّ على تذوقِ الفنِّ من كافةِ جوانبِهِ وصولًا إلى مرحلةِ الإبداعِ التي تميزُ مهندسَ ديكورٍ عن آخَر.

وبعدَ أن سمعَ تقييمَها، تناولَ حصَّتَهُ وأَغمضُ عينيه، وأَعطى تقييمَهُ، ثم انتقلَ إلى الحبة الثّانيةِ، فالثّالثةِ، فالرّابعَةِ إلى أن وصلَتِ البيتزا؛ فكفَّا عن الضّحكِ مُنتقلَيْنِ إلى اقتسامِ وجبةِ النَّجاحِ، طالبًا منها أن تقسمَ نصفَ رغيفِهِا المُعَدَّ بالخضارِ ونصفَ رغيفِه المُعَدِّ بمزيجِ الأجبانِ وتستبدلهما. فإن طابَ لأحدِهما طعمُ إحدى الوجبتينِ، يحق له أن يقسمَ الأنصافَ. وكلُّ هذا على وقعِ أغنية She لشارل أزنافور التي تتكررُ من غيرِ توقّفٍ، والتي همسَ في أذنِها وهو ينقل مفاتيحها إلى العلَّاقة الجديدة حرصًا على ألا تكسرَ أظافرَها:
أصرّي على الاحتفالِ بكلِّ ما تنجزينَهُ، سواء أكنْتُ معَكِ أم لم أكُنْ. وبدءًا من يومِ غدٍ، يجبُ أن تكونَ على طاولتِكِ رسالةُ الدّكتوراه التي ستتناولين فيها- كما سبقَ وبلَّغْتِني، تأثيرَ مسرحِ الطّفلِ بأنواعِهِ: مِن غِنائيٍّ، أو تِلْقائيٍّ، أو مدرسيٍّ تعليميٍّ...، على بناءِ شخصيتِهِ اجتماعيًّا وعلميًّا وفنّيًّا ولغويًّا وتربويًّا. وهو موضوعٌ جديرٌ، يا عزيزتي، بالاهتمامِ وإنْ كنْتُ لا أفقهُه؛ إذ لم أهتمَّ يومًا بالبحثِ عن تفاصيلِهِ، وإنْ سمحْتُ لنفسي بطرحِ اقتراحِ حَصْرِ بحثِكِ بالمرحلةِ الابتدائيَّةِ التي أكسبَكِ تدريبُ الأطفالِ فيها لسنواتٍ- كما نقولُ نحنُ أبناءُ الحربِ: في مدارسِ المِنْطقةِ الشّرقيةِ، فالغربيَّةِ- على الأداءِ المسرحيِّ خبرةً وشهرةً ستسهِّلُ عليكِ تناولَ تفاصيلِه، وستعطيكِ في المستقبلِ مركزًا أكاديميًّا يدعَمُ عملَكِ حتى لو قررْتِ ألا تدرِّسي في الجامعةِ.

- وخلالَ الأُسبوعِ التّالي، كانَت مراجِعُها قد وزِّعَتْ على ثلاثِ طاولاتٍ: في مكتبةِ الجامعة، ومكتبةِ المدرسةِ، والبيتِ.
.... يتبع
بواسطة : المدير
 0  0  293
التعليقات ( 0 )