• ×

04:32 صباحًا , الجمعة 7 مايو 2021

رواية (الأثير ) لـ (إيمان بقاعي ) ( 1- 16 )

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جازان نيوز - محمد المنصور : 
أنجزت الأديبة والكاتبة اللبنانية ، د. إيمان بقاعي ،روايتها القصيرة ، والتي تناولت فيها مظاهر اجتماعية ومآسٍ إنسانية في العاصمة "بيروت - تأثر معها لبنان بأكمله ، الذي يعاني من أوضاع سياسية واقتصادية ومالية متأزمة "، وزاد الطين بلة حادثة انفجار مخزن نترات الأمونيوم ،والذي أرعب سكان بيروت وقتل العشرات وجرح المئات ودمرت فيها آلاف البنايات ، وأضحى الألاف دون مأوى ترافق ذلك مع كوفيد19 ... مع لروائية اللبنانية إيمان بقاعي والحلقة الأولى ...من روايتها (الأثير )

وقفتِ السّيدةُ طويلًا أمامَ ذلك المبنى التّراثي المطليِّ حديثًا باللَّون الخمري الغامقِ، والمؤلَّف من أربعةِ طوابقَ عاليةِ السّقوفِ، والتي تطل شرفاتُها على الشَّارعِ العريقِ الغارقِ في حَضرة أشجارٍ دائمةِ الخضرةِ وعلى محلاتٍ معروفةٍ منذ عشراتِ السّنين؛ ومنها أشهر محلٍّ يصنعُ الحلوياتِ البيروتيةَ التّقليديةَ، والمقصود من قبلِ الذَّواقةِ من أبناء المدينة والسّواحِ ومن أبناء المدن الأخرى، والذي لم يؤثر انتشار جائحة كورونا على إقبال زبائنه عليه، فما خفَّ المبيعُ ولا تراجعَت جودَتُه.

ولو لم تكن واثقةً من أنَّ الذي تدعوه وحدَهُ- منذ ثلاثين سنةً- بـ"الأثير" ينتظرها في الطّابق الرّابعِ بناءً لموعدٍ أُجِّلَ لأكثرِ من سنةٍ من قِبلهما مداورةً نزولًا عند شروط الجائحةِ- ولم تكن قبلَ ذلكَ قد التقَتْهُ أصلًا لثماني سنواتٍ خلَتْ- لما تجرأَت على صعود درجاتِ المدخلِ السّوداء التي تقودُ إلى بيتِ المصعدِ القديمِ المُستبدَل بابه الأصليُّ ببابٍ حديديٍّ على شكلِ شبَكٍ لا يمكنُ حتى للجنِّ الأزرقِ أن يعرفَ أنه يحوي داخله مصعدًا صغيرًا ملبَّسًا بخشبٍ قديمٍ لامعٍ، والذي كان عليها أن تدخلَ من أحد بابيْه الزّجاجيينِ المؤطّرينِ بالخشبِ، بينما تخرج من الآخَرِ الذي يقابل البوابةَ الضّخمةَ الخشبيةَ الخضراءَ والمفتوحةُ نافذتها الزُّجاجيةُ على قضبانٍ حديديَّة رفيعة خضراء تدل على وجودِ أحدٍ في الدّاخِلِ.

وخطرَ لها- في غمرةِ وجودِها في هذا المبنى الموجع بصمتِهِ وفراغِ بيوتِه- أن تقرع الجرسَ مرةً، فإنْ لم يُفتَحِ البابُ، رمَتْ بالصّحيفة التي كتبَت فيها مقالًا عن آخر كتابٍ أصدرَه "أثيرُها" قبل خمسة أشهرٍ عن المسرحِ، وهربَت نزولًا على الدّرجِ، حتى لو كانَ عليها أن تؤجِّلَ رؤيتَهُ، وحتى لو كان عليها أيضًا أن تزيحَ من طريقِها الأشباح التي قد تخرجُ من البيوتِ المهجورةِ في الطّوابقِ الثَّلاثةِ القابعةِ تحتَ هذا البيتِ. لكنَّ البابَ فُتِحَ، فعدلَتْ عن فكرةِ الهروبِ، ودخلَتْ وقد تحولَت دقاتُ قلبِها من دقاتِ وَجَلٍ إلى طمأنينةٍ. ولم تستغربْ كيفَ بلحظةٍ انتقلَتْ إلى متهلّلةٍ، وكأنّها حظيَتْ فجأةً بكل أحلامِها.

ولكنها- هي التي لم تخرجْ من بيتِها منذ بداية الجائحةِ، ولم تقابلْ أحدًا خوف انتقالِ العدوى إليها- لم تعرفْ كيف تتصرفُ إزاء هذا الموقفِ، فاكتفَتْ بإزاحَةِ كِمَامَتِها القماشيَّة إلى ما تحتَ أنفِها، ثم أزالَتْها تمامًا ووضعتْها في جيبِ ردائِها، كي تستطيعَ أن تردَّ ابتسامتَهُ غير المغطّاةِ بمثلها. ولكنها شبكَتْ راحتيْها خلف ظهرِها خوفًا من أن تسبقها ذراعاها إلى عناقٍ طويلٍ، فمدَّ رأسَهُ إلى ظهرِها يتأمل تشابكَ راحتيها ضاحكًا، ثم أفسحَ لها الطَّريقَ مرحّبًا.

نظرَتْ إليه- بعد أن سلَّمته الصَّحيفةَ- وهي تحس بمشاعرَ متضارِبة كانَتْ قد درّبتْ نفسَها على تهدئتِها والتّركيز على إعادةِ برمجةِ تلك المعرفةِ التي انقطعَتْ سنواتٍ كاملة، اقتصرا فيها على متابعةِ أخبارهما الثّقافية بالحدِّ الأدنى ومن دون أي تعليقٍ.

وبدا مثلها مرتبكًا، رغم أنَّه تجالَدَ، فراحَ يشرحُ لها- باختصارٍ- عن صور كبارِ المسرحيينِ من كتّابٍ ومخرجين وممثلينَ مشهورينَ، عُلِّقَتْ رسومُهم المؤطَّرة حديثًا بأطُرٍ خشبية بنّيَّةٍ رفيعة يتخللها اللَّونُ الذَّهبي المعتّقُ. وما كانَ ليشرحَ جديدًا عما تعرفُه ويعرفُه مثقفو البلاد، لولا أن استعادَ تدريجيًّا بعضَ مرحِهِ، فراحَ يضيفُ آراءَه الشّخصيةَ النَّاقدةَ ويتبعُها بضحكةٍ من ضحكاتِهِ التي تحِبُّ، محاولًا كسرَ جدارٍ ربما كانَ قد بنيَ.

وعلى حائطٍ آخر في مكتبِهِ الذي أنارته شمسُ تشرينَ الدَّاخلةُ بدلالٍ من خلالِ النَّوافذِ الخشبيةِ الخضراءِ الكبيرةِ المفتوحةِ على مصراعيها، والتي أشعرَتْها بمزيدٍ من إلفةٍ، وقفَ يكمل شرحَ سِيَرِ بقية الشَّخصياتِ، مضيفًا تعليقاتِهِ الذَّاتيةَ السَّاخرةَ، ناظرًا بطرفِ عينيهِ إلى شفتيها اللَّتين اتَّسعَت ابتساماتها وتحوَّلَ بعضُها إلى ضحكاتٍ تذكرَتْ أنها لم تحظَ بها مُذْ لم يلتقيا.

ومع ذلك، ظلَّتْ تحسُّ إحساسَ الضَّيفِ الذي يزورُ مكانًا لأولِ مرةٍ، ويحظى بمضيفٍ وَدودٍ ولطيفٍ وأنيقٍ وأثيرٍ مثله. وما كرَّسَ شعُورَ الضَّيفِ والمضيفِ، دعوته إياها إلى إكمالِ الجولَةِ في البيتِ الكبيرِ الذي تحوّلَ- كما كل شيءٍ تلمُسه أناملُه- من بيتٍ مهجورٍ في بنايةٍ منسيَّةٍ إلى مكانٍ ينبِضُ بالحياةِ بتناقضاتِها. وكان في البيتِ غُرَفٌ مُغْلَقَة النَّوافذِ كأنها لم تفتَحْ مذِ انتقلَ "مركزُ الدّراساتِ المسرحيَّة الأكاديمية" إلى هذا المبنى قبل أربعِ سنواتٍ، وقتَ أصبحَ هو رئيسَهُ.

وقد غطّيَتْ جدرانُ الغُرَفِ كلُّها بمكتباتٍ خشبيةٍ قديمةٍ مُلِئَت كتبًا من الأرضِ حتى السّقفِ، ووسطَ كل غرفة طاولةٌ لا تشبهُ طاولاتِ الغُرَفِ الأُخرى شكلًا أو حجمًا، ولكنَّها كلُّها قد جُلِّلَتْ بغطاءٍ زيتيِّ اللّونِ، أو رماديّ، بدا واضحًا أنها فرِشَتْ حديثًا رغم ظهورِ تلك الغرفِ بمظهرِ المهجورةِ، المكتومةِ، المُمِلَّةِ، والمكدَّسَة كراسيها في زواياها وكأنها لم تُستخدمْ مرةً، على الرّغم من أنه أصرَّ على تسمية غرفةٍ بغرفةِ اجتماعِ المخرجين، وثانية بغرفة اللِّجان الفنِّية، وثالثة بغرفةِ السِّيناريو، ورابعة، وخامسة... ثم قادَها بسرعةٍ إلى غرفةِ المحاضراتِ المغلقَة شبابيكها أيضًا، حيث صُفَّ أكثر من مئة كرسيّ جلديٍّ تمتلئ كلُّها في المناسباتِ الثَّقافية، وتقابلها منصَّةٌ خشبيةٌ وطاولةٌ وكرسيانِ. وقبل أن ينتقلَ إلى وصفِ مكتبة القاعةِ، انخفض صوتُهُ، وطغى عليه نغم مرارةٍ:
- لطالما تمنيتُ أن تكوني، ولو لمرة، بين الحضورِ!

ولمِّا لم تجبْ إلا بربعِ ابتسامةٍ، أشارَ مغيِّرًا الموضوعَ بسرعةٍ بسّبابته إلى خزائنِ الكتبِ:
- وتضم هذه المكتبةُ، كما ترين يا عزيزتي الأغلى، معظمَ أمَّهاتِ كتبِ المسرحِ الأجنبيةِ والعربيَّةِ والمُعرَّبَة. ونحن نفسح المجالَ أمام الدَّارسين الأكاديميين لإنجاز بحوثِهم هنا، ونقدم لهم القهوة والشَّاي أيضًا. وأمسَكَ فجأةَ بكفِّها وقادَها إلى الشُّرفةِ المطلةِ على الشَّارعِ، مُشيرًا إلى هندسةِ البناءِ التي يحبُّها والتي اختارَ شخصيًّا انتقالَ مركزِ الدّراساتِ إليها، قائلًا إنَّه لا وجود لمبنى أثريٍّ آخرَ بمواصفاتِ هذا إلا مبنى في الشَّارعِ المجاورِ. شاكرًا الله أنهما نجَوَا من مجزرةِ تفجيرِ المرفإِ في الرَّابعِ من آب.

وعادَتْ لتُكْمِل معه جولةً سريعةً جدًّا، إحداها على غرفةٍ فوضوية مليئة بالأوراقِ والكتب المبعثرةِ، وجهاز كومبيوتر قديم، إلى جانبِ أكوابِ شايٍ فارغةٍ، قال إنها لسكرتير المكتب وهو يقوم بمهمةٍ خارجَ المكانِ اليوم، وأخرى لسكرتيرة المكتبِ، أكثر ترتيبًا ونظافةً. وهي لا تتواجدُ إلا مرةً في نهايةِ كلِّ أسبوعٍ.

وقبل انتهاءِ الجولةِ، أشارَ إلى سقيفتين كبيرتينِ متقابلتينِ في المدخلِ قائلًا إنهم- حفاظًا على الكتبِ الموجودةِ فيهما- يُبقون بابَيْهما مفتوحَيْن خوفًا من أن تتآكلَ أوراقُها بسببِ الرُّطوبة.

لم يبدُ مُنزعِجًا من أيةِ زاويةٍ من زوايا البيْتِ، رغم أنه مرَّ بسرعةٍ من قربِ المطبخِ الصّغير الذي لا تتجاوز مساحتُه مترين مربَّعين، قائلًا إنَّه "فقط لإعدادِ القهوةِ والشَّايِ؛ لأن مطبخَ البيتِ الأصلي قد حُوِّلَ إلى غرفة السّكرتير".

بعد تلك الجولةِ التي تاقتْ بعدَها إلى العودةِ إلى ضَوْء مكتبِه، عادا، فجلسَ وراء المكتبِ، وجلسَتْ قبالتَه على كرسيٍّ جلديٍّ.

ولما كانَت قد قررَتْ سَلَفًا منذ يومين، مذ ثبَّتا موعدَ اليومِ، ألا تتكلمَ عن أي شيءٍ يعنيها، بل أن تُصغي إليه، فقد اشتاقَتْ إلى سماعِ صوتِهِ ومراقبةِ عينيه عن كَثَبٍ؛ قالَ بضعَ جمَلٍ عن الاقتصاد، وبضعَ جملٍ عن السّياسةِ المتدهورةِ، وبضعَ جمَلٍ عن هجرة الشّبابِ من لبنانَ، ثم توسَّعَ في شرحِ ما مرَّ به من مشاكلَ صحِّية خلال "فترة غيابها"؛ فتألمَتْ لألمِهِ، وتمنَّتْ لو تعانقُ كفّاها كفَّيْه تضامُنًا؛ لكنها تذكَّرَت "لاءات" كورونا اللَّعينة. ولفتَتْها كلمةُ "غياب"، ولفَتَها أكثر قولُه إِنَّ ذلك الغِياب الذي دام سنواتٍ طويلةً كان "قرارًا قاسيًا".

اتسعت عيناها، وسكنَتْهما الدَّهشةُ، ولكنَّها لم تعلِّقْ! وشرحَ أنَّه "اتّخذَ" ذلك القرارَ "عن سابقِ إصرارٍ وتصميمٍ" عندما تأكد أن ظروفَها الصَّعبةَ كانتْ تزدادُ صعوبةً وتعقيدًا كلَّما طعنَت عمَّتُها المسؤولة عنها بالسّنِّ، وازدادتْ مسؤوليتها عندما أصيبَت بالألزهايمر، ما جعلَها لا تغادرُ البيتَ إلا إلى عملِها لتعودَ بسرعةٍ إليها، حتى إنهما قلما وجدَا وقتًا لشربِ كوب شايٍ في مكانٍ ما لسنواتٍ!

تضرَّجَت.وحاولَت أن لا تغضبَ قبلَ أن تستوعبَ بالضَّبطِ ما يقولُ. وعادَ فربطَ ظروفَها التي كررَ وصفَها بكلمَتي: "الصّعبةِ"، و"المعقدةِ" بسنتيِّ سفرِها وفقَ عقدِ عملٍ بعد نَيْلِها شهادةَ الدّكتوراه بعامٍ واحِدٍ، حصدَتْ فيهما النَّجاحَ الأكاديميَّ وشهرةَ الإبداعِ إذ حققَّتْ حلمَ الكتابةِ لأوَّلِ مرَّة، وهو ما لم تحقِّقْهُ خلالَ سنواتٍ في وطنِها الأُمّ. بيد أنه استدركَ أنَّ "قرارَه القاسيَ والمزعِجَ والموجِعَ" لا علاقةَ له بتركِها إياه وقتَ سافرَتْ، بل ذكّرَهَا أنه كانَ أولَ المحتفلينَ بعرضِ مسرحيتِها في تونس، وأوّلَ المرحِّبينَ بعودتِها بعد انتهاءِ عملِها. وذكَّرَها كيفَ عانقَها في اليومِ التّالي لعودتِها هامسًا بشغفٍ: "ما زلْتُ أحبكِ"!

واستمرَّتْ قصتُهما التي كانَتْ تعتقدُ- إلى ما قبلَ دقائقَ- أنها الأحلى في العالَمِ لسنواتٍ أخرى، إلى أن اكتشفَت للتَّوِّ أنها كانَتْ- من وجهةِ نظرِه- قصةً محاطةً بظروفٍ معقَّدةٍ؛ فاختفى بقرارٍ أُحادي لم تعرفْ عنه قبلَ الآن شيئًا، ولا تجدُ له وصفًا أصدقَ مِن وصفِ "جائر".

فكَّتْ تشابُكَ أصابعِ راحتيها، وأسندَتْ مَنْكِبَيْها إلى ظهرِ كرسِيِّها، محاوِلةً أن تتنفسَ بعمقٍ، ما أضفى عليها أثَرًا من شَجَنٍ شفَّافٍ. ولم تغفرْ له ظُلمَ اختصارِ سنواتِ قرارِه بقوله:
- على أنَّ صعوبةَ قصّتِنا وتعقيدَها، لا يُقارَنانِ، أيتُها الأغلى، بصعوبةِ الضَّجَرِ القاتِلِ الذي عشتُه من دونِ وجودِكِ.
ولم تستطعْ أن تفهمَ الجملةَ الثَّانية أيضًا، والتي أردفَها بالجملةِ السّابقةِ:
- لم أرَكِ، لكنكِ كنتِ داخلي، في كلِّ لحظةٍ.
وأخفضَتْ نظراتِها من دونِ أن تستطيعَ استحضارَ ابتسامةٍ حتى لو كانَت كاذبةً. بل شكرَتِ الله أن أمدَّها ببرودةِ أعصابٍ أطبقَتْ معها شفتيْها فلم تنبسا بحرفٍ تعليقًا.

واستغربَتْ أن ألحقَ جملتَهُ باتّهام مباشَرٍ:
- وأنتِ لم تحاولي الاتّصالَ أو السُّؤالَ عني أو حتى حضور أي نشاطٍ أقومُ به رغمَ أن الدَّعواتِ كانَت تصلُكِ كما تصلُ للجميعِ.
ولم تجِبْ إلا بكلمةٍ واحدةٍ وبصوتٍ خفيضٍ مكتومٍ:
- صحيح!
ولئلا تدمَعَ كما يحدُثُ عادةً كلَّما استيقظَتْ لتجدَ أنه لم يكن موجودًا إلا في حلمٍ ليليٍّ عابرٍ، وقفَتْ، فوقفَ، وأخرجَتْ من جيبِها كِمَامَتها ولبِسَتْها على عَجَلٍ، ثم سارَت بخطواتٍ هاربةٍ نحو البابِ، فرافقَها.
ولما حاولَت فتحَ البابِ، أبعدَ يدَها عن المَسْكةِ، ثم أزال الكِمَامَة عن وجهِها ووضعَها في جيبِهِ، وشدَّها إلى صدرِه بشغفٍ:
- ما زلْتِ تحبينني؟!

وقبل أن تستكمِلَ استغراقَها في عذوبةِ تبادُلِ تلك القُبلةِ التي شاركَت فيها بكلِّ حواسِّها لدقيقتين وبضعِ ثوانٍ، انتبهَتْ إلى أنها تقبِّلُ فارضَ العُقُوباتِ عليها، ففتحَت عينيْها بقلَقٍ ضبابيٍّ حالمٍ سُرعانَ ما تحوَّلَ إلى رفضٍ فاستنكارٍ دفعاها إلى اسْتلالِ كِمَامتِها من جيبِهِ على غفلةٍ منه، ثم فتحَتْ البابَ وانسحَبَتْ.

لم تنتبهْ إلى أنها كانَت ترتجفُ وهي تنزل الدّرجَ الكثيرَ المنعَطَفاتِ بسرعةٍ غير آبهةٍ للأشباحِ التي تتحركُ صعودًا ونزولًا بين الطّوابقِ وقد تقطعُ عليها الطّريقَ في حاجزٍ طيّارٍ كما كانَ يحدث أيام الحروب المتنقلةِ في هذي البلاد.

لكنَّها وصلَتْ بسلامٍ إلى المدخلِ، ثم غادرَتْه لتقطعَ الشّارعَ إلى حيث ركنَتْ سيارتَها، ملتجِئةً إلى علبتِها المعدنيَّةِ تلكَ ريثما تنسلُّ منها قُشْعريرةُ انفعالِها فتستطيع أن تقودَ سيارتَها إلى البيْتِ، وطبعًا من غيرِ أن تستمتعَ بأغنيةِ:What a Wonderful World التي رافقَتْها طوالَ رحلةِ المجيء؛ إذ فوجئَتْ أنها- بمجردِ أن سمعَت صوتَ لويس أرمسترونغ- شعرَت بالمَغْص؛ فأغلقَتْ فمَهُ واضعةً كِمَامَتها على مفتاحي الرّاديو، مفضِّلَةً أن تحاولَ إسكاتَ كلِّ ما يمكنُ أن يؤثِّر على محاولاتِ قيامِها المستميتةِ بعمليةِ غسيلِ دماغٍ يبدو أن نتائجَها المبنيةَ على نظريةِ أن السَّعادةَ ترفرفُ هنا وهناكَ وهنالكَ باءَتْ بالفشلِ؛ إذ ظهرَ زيفُها في أبهى حلَلِهِ اليومَ.

حاولَتْ- وهي تسندُ رأسَها إلى مسندِ كرسيّ القيادةِ- مراجعةَ حساباتِها بشأن الفرحِ الذي استيقظَ لحوالَي سنةٍ، مذ أرسلَ لها كتابَهُ الجديدَ عن "تطور الهندسةِ الدّاخليةِ للمسرحِ اللُّبناني" هديةً موقَّعَةً بعبارةِ "إلى الأغلى"، وهو لقبٌ يستحقُّ، منذ الآنَ أيضًا، التّوقُّفَ عندَه ومناقشَتَه وعدم قبولِه كمُسَلَّمةٍ بلا برهانٍ؛ فلا يؤخَذ على محْمَلِ الفرَحِ الذي أعادَ إليها، منذ سنةٍ، الأحاسيسَ القديمةَ التي عرَفَتْها معه مذ عرَفَته قبل حوالي ثلاثين سنةً ما تركَ فيها زاويةً من زوايا أمكنتِهِ البيروتيَّةِ القديمةِ التي شهدَتْ مراحلَ ولادتِه ومراهقتِه وشبابِه كما شهدَتِ الحربَ الأهليَّةَ فتحولَت إلى خطوطِ تماسٍّ مُدمَّرة، إلا وعرَّفَها بها؛ فكانَ يعطيها ذراعَهُ تتكئُ عليها، فيسيرانِ في الزّواريبِ بتأنٍّ وتمهُّلٍ ممزوجينِ بوجَلٍ.

وكانَ يهمِسُ بصوتٍ خفيضٍ شارحًا تفاصيلَ المكانِ المهجورِ، شأنه شأن مُرْشِدِ مُتْحَفٍ يضمُّ مجموعاتٍ قيّمةً من تُحَفِ الذِّكرياتِ التي لا تُعرَضُ إلا لمن يوثَقُ بقدرتِه على تقديرِ قيمتِها، مُصِرًّا أن تتذوقَ من عند كلِّ ما صمَدَ من محلَّاتٍ، كدكانِ (مُنْذِر)، بائعِ العصيرِ المتهالِكة جدرانِ دكّانِه، "أطيبَ عصيرِ برتقالٍ" عصرَهُ لهما بعصّارةٍ معدنيَّةٍ ثقيلةٍ تحتاجُ إلى جهدِ مُصارِعَيْنِ في كلِّ مرةٍ كان يكبسُ فيها نصفَ البرتقالةِ المُختارةَ من بين الحباتِ المتكوِّمة أرضًا في زاويةٍ فوق شرشفٍ قطنيٍّ ناصع البياضِ.

وأن تتذوقَ من عندِ بائعِ الأرز بالحليبِ في الشّارعِ الضّيّقِ الموازي ما لن تتذوقَ نكهةً كنكهته، ومن عندِ بائعِ الفلافلِ الذي يقول عنه إنَّه في قمةِ أدائِه المهني؛ وإلا ما نافسَ مطعمُهُ الصّغيرُ أرقى مطاعمَ العالمِ، وجذبَ أطفالَ حيِّ ما قبلَ الحربِ، تستحضرهم عيناهُ اللَّامعتان واحدًا واحدًا، وهو معهم، من متحفِ ذكرياتِه الثّمينِ، يقطعونَ الشّارعَ وقد خبأوا مصروفَهم الأسبوعيَّ لتناولِ أطيبِ سندويش فلافل ستتذوقُها الآنَ.

_ _ _ _ _ _ _ _
الحلقة(2) الثلاثاء 6 فبراير 2021 "إن شاء الله".
بواسطة : المدير
 0  0  450
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم