• ×

04:42 صباحًا , الخميس 14 نوفمبر 2019

الإمارات خلّدها الشيخ زايد في شِعره ونقلها للمستقبل.. فوق سماواتها تتزاحم العوالم وتطل لتطيل المدى

رقيم و دهاق أوطاننا العربية (2-3)..

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جازان نيوز - متابعات : 
كما درجت الجزيرة الثقافية ، (صحيفة الجزيرة) إمتاع وإثراء متابعيها بالجديد من تحقيقاتها كل يوم (سبت) ، وتناولت في حلقتها الثانية ، أدب وثقافة دولة الامارات العربية المتحدة الشقيقة، وحفلت الحلقة (2) من حلقاتها الثلاث ، بإضاءات على الحراك الثقافي بالامارات ، واستشهادات بقصائد رائعة تخلد التوجه الشعري ، وعناوين روايات وقصص ، وقراءت نقدية ، ورموز ونخب أدبية ، وعددٍ من القراءات الحصيفة عن ماضي وحاضر ومستقبل الأنشطة الثقافية ، والأدبية منها بوجه خاص ، وفيما يلي الحلقة 2 من التحقيق الصحفي ، الذي أعده محرر القسم الثقافي بـ "صحيفة الجزيرة " الأستاذ / محمد هليل الرويلي:

قبل أن يغيب الجدْي يا أعرابي, لنستحث السير دُلجًا من الليل علنا نصل «أم النار» أو على الأقل نكون قد ضمنا الوصول قريبًا منها أواخر أيام مارس. ساحرة هي كذلك مطلع «إبريل» فصل الربيع. فيها من الأسرار والمعجزات والملهمات ما جعل العالم يتحاشد يخطب ودها. أَتعلمُ يا أعرابي أن هذه «الأم» أصبحت لنا «أبًا». عاصمة تمسرحنا فيها كما تمسرحت الظبية فيها. نعم يا أعرابي هي اليوم عاصمتنا «أبوظبي».

لا ترهن عينيك إلى نجوم الثريا السبع فوق «سبع إماراتنا» المتحدة, فستجد غيرها الكثير فوق سماواتنا من الكواكب والأفلاك والأقمار في المجرة تتزاحم لتديم المدى وتطل من علياء فضائنا. لا تظن أن حديثنا هذا مبالغة, وأصدقنا القول يا أعرابي, هل شهدت أرضًا تتغزل بها النجوم؟!

لنمض خِفافًا إذًا, فما نحن بخابطي ليل نستهدي الموائل في إماراتنا, ولا حائرين نفكر كيف ننسلك سادري الخُطى. اعلم كذلك يا ابن الجزيرة أن الأرض أرضك والرضاب رضابك, اضرب برجلك فوق رمال صحرائنا الإماراتية لتضحي فتيت المسك كلمات متوجة فوق عروش تاريخنا وأصالتنا وحضارتنا وثقافتنا الأدبية والفنية.. ها قد وصلنا إلى «أبوظبي» صحبتنا نحوها رنات المزاهر وصوت الخلود يمثل أمام التاريخ إهداء للتاريخ العربي: هنا ملهم الأمة وصانع النهضة قائدنا الوالد الراحل الخالد «الشيخ زايد آل نهيان» حكيم العرب. قلت اصحبوني فمثله حقيق للتاريخ أن يخلده وندون في سيرته. فأوكلوا أمر الحديث لصاحبهم الذي قال:

من يطالع سيرة المغفور له - بإذن الله - تعالى الشيخ زايد آل نهيان، يجد أنه - رحمه الله - تعالى لم يكن فقط قائداً حكيماً لشعب الإمارات الأبية وصانعاً لنهضة دولتها بل كان أباً وملهماً للأمة جمعاء، إذ كان من أبرز القادة العرب، وأشدهم حكمة وبُعد نظر, إضافة إلى أنه كان مثقفاً محباً للأدب والفكر من جهة، والتراث والشعر العربي، وخصوصاً النبطي الشعبي من جهة أخرى. هكذا كانت استهلالية القول من الدكتور «أحمد عقيلي», ودونكم قراء «المجلة الثقافية» الجزء الثاني من المشهد في الإمارات.

البدايات والنشأة الخالدة

قال أستاذ النقد في جامعة الغرير الدكتور «أحمد عبد المنعم عقيلي»: إن الشيخ زايد آل نهيان - رحمه الله - نشأ في كنف أسرة مثقفة ومحبة للعلم, أرسله والده إلى معلم يدرِّسه تعاليم الدين وأصوله، ويحفّظه القرآن، كما كان ملازماً لمجلس والده يتعلم منه ويتثقف ويزداد خبرة ودراية ومعرفة بالعادات العربية، ومكارم الأخلاق، فتشكلت شخصيته، وتكاملت جوانبها وسمت، إضافة إلى الخصال الحميدة الكثيرة التي اكتسبها من أمه الشيخة سلامة القبيسي, وفوق هذا وذاك كان لمجالسته للحكماء وكبار السن الأثر الكبير في تعرفه على سير الآباء والأجداد وبطولاتهم وأيامهم الخالدة. كما كان مولعًا بالتاريخ والشعر ومهتمًا بقراءة التاريخ والاطلاع عليه، والوقوف على أيام العرب ومحطاتهم الخالدة، للإفادة من تجاربها وأخذ العبر منها.

وأوضح أن الدراسات والبحوث تؤكد أن الشيخ زايد آل نهيان محباً للشعر ومتقناً له ولفنونه وأدواته, امتلك موهبة وملكة شعرية عميقة تفوق شعراء زمنه، فجمع بين الإبداع الفكري والشعري، كما كان متذوقًا للشعر يحلله ويطلق حكمه النقدي فيه، إضافة إلى كتابته ونظمه للشعر بنوعيه الفصيح والنبطي من جهة والحكمة والقيادة الرشيدة، وبُعد النظر ورجاحة العقل في اتخاذ القرار من جهة أخرى, وهو الأمر الذي ندر تحققه لدى أي قائد أو حاكم.

زايد الشخصية الملهمة والأب الرائد

وأضاف «عقيلي»: قبل أن نتحدث عن المكانة الكبيرة للشيخ زايد آل نهيان -طيب الله تعالى ثراه- في عيون شعراء الإمارات العربية المتحدة والشعراء العرب، لا بد أن نقف على شخصية سموه الشعرية واهتمامه بالشعر ومحبته له، وكتابته الإبداعية له، إذ كان شاعراً ذواقة للشعر يتذوقه وينظمه ويبدع حروفه وصوره، وخاصة الشعر الشعبي النبطي الذي يمثل وجدان الأمة ويعبّر عنها، وقد كان للشعر في نفسه منزلة خاصة ومكانةً رفيعة، وعلاقته به علاقة خالدة تعود إلى أيام صباه، كان للبيئة الصحراوية دور بارز في طبيعة شعره، إذ نجد في إبداعاته الشعرية صنفاً مميزاً من الشعر، وهو ما يُسمى بشعر البادية أو (شعر الطرد)، وهو شعر أساسه وصف الفروسية والأمجاد والبطولات، وتمجيد الأخلاق والقيم العالية والمثل العربية الخالدة, أشار إليه الكاتب عوض العرشاني، في كتابه (حياة زايد), فقال «الشعر عند زايد دنيا جديدة من الأمجاد والبطولة والطموح والتطلع إلى المثل والقيم الرفيعة».

كما كتب الشيخ زايد شعر الطرد، وأبدع حروفه وعباراته، فأصبحت قصائده مشهورة متداولة على ألسنة عرب البادية، نذكر منها:

ويه باسم بسميه واتحف به لفراح

وعين حورا عديمه فيها الدعايا اصحاح

وقوله في موضع آخر:

عذلت نفسي عن هواكم

واقنعتها بللي لهم قد

ضافين ما صاروا شراكم

يروون ولهم دونيه حد

وأبعدت نفسي عن حماكم

ومن النكاده ريت لي بد

وأخلصت نفسي من عناكم

واليوم قلبي عنكم أبعد

في ربوة ما هو حذاكم

في شامخ أخضر ويسند

والشهد اضرب عقب ماكم

لي مدحن مكدر ومسود

مرفوض عذر من جداكم

ومحال نفسي صوبك اترد

وزاد: كما كان - رحمه الله - قارئاً نشيطاً عميق الفهم، يرى في القراءة طريقاً للإبداع، قرأ المعلقات السبع خصوصاً معلقة «زهير بن أبي سلمى» لما رأى فيها من معانٍ رفيعة كالاستقامة والترفع عن صغائر الأمور، ولعلّ من أبرز تلك الأبيات التي أعجب بها سموه، وكان يرددها قول زهير:

ومن هاب أسباب المنايا ينلنه

ولو رام أسباب السماء بسلم

ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله

على قومه يستغن عنه ويذمم

وجليٌّ ما نلمسه في هذه الأبيات من الفضائل والخصال العربية الأصيلة من فروسية وكرم وجود، وهي سمات سموه الخالدة التي حملها واتسم بها، فسموه الفارس الشجاع السباق إلى الخير دائماً، إذ لم يقصر ولم ينقطع جوده على بلده وأمته أبداً، حتى أصبح ذا فضل على الأمة جميعها.

منذ (اتحاد الإمارات عام 1971) ظهر الشعر عنوانًا رئيسًا في مرحلة التأسيس والبناء

شكل الشعر موضوعًا كبيرًا ورئيسًا في حياة المجتمع الإماراتي الذي تأثر بجماليات هذا الفن الأدبي التراثي الأصيل، تمامًا كما هو الحال مع جميع شعوب وقبائل العرب، لاسيما في منطقة الجزيرة العربية التي منحت المشهد أسماء شعرية عظيمة وكبيرة منذ العصور الأولى، ظلت حتى هذه اللحظة تحفر في ذاكرة القصيدة العربية وتقف في صفوف الشعر الأولى مدير تحرير مجلة بيت الشعر الشاعر «عبدالله أبو بكر» في هذا المحور تطرق لأهم الشخصيات التي أسهمت في بناء وتشكيل الأدب الإماراتي وعملت على دعم الحركة الثقافية في البلاد من خلال اهتمامها الخاص بالحركة الشعرية، وقال:

الشيخ زايد والشعر

منذ تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971 على يد المغفور له الشيخ زايد آل نهيان - رحمه الله - ظهر الشعر عنوانًا رئيسًا في مرحلة التأسيس والبناء. كان ذلك جليًا في أشعار وقصائد القائد ورجل الدولة الأول، الشيخ زايد الذي كان رئيس الدولة وشاعرها أيضًا، لم يترك مناسبة صغيرة أو كبيرة إلا وغلّفها برائحة الشعر، وكتب عنها بما تستحقه، وبما يناسبها قيمة ومكانة, موليًا الشعر والشعراء اهتمامًا خاصًا، فشاركهم في صناعة الحركة الشعرية الإماراتية منذ اليوم الأول لإعلان اتحاد الإمارات، عبر الكتابة أو استضافة الشعراء والاستماع لهم ودعمهم ماديًا ومعنويًا، من أجل استمرار الحركة الشعرية ونمائها واتساع دائرتها التي شملت جميع إمارات الدولة، من أبوظبي ودبي ثم الشارقة مرورًا بعجمان وأم القوين والفجيرة ورأس الخيمة.

تلا ذلك تأسيس المجالس الشعرية، لإتاحة الفرص أمام الشعراء كي يطلّوا على جمهورهم، لا عبر الحاضرين في تلك المجالس فقط، وإنما عبر شاشات «التلفزة» التي كانت تبث تلك القراءات في المجالس الشعرية، التي منها انطلقت معظم الأسماء الشعرية في الإمارات سواء في الشعر الشعبي أو في الشعر الفصيح.

ملامح شعرية واضحة وعمل

مؤسسي منظم

وأضاف: مثلما بدأت رقعة الشعر بالاتساع والتمدد عبر جغرافيا الدولة وفي جميع جهاتها, أصحبت مساحة الجمهور المحب للشعر في الإمارات تكبر وتتسع، وصارت للحركة الشعرية ملامح أكثر وضوحًا من السابق، وفي الوقت الذي كانت فيه دولة الإمارات العربية المتحدة تذهب باتجاه العمل المؤسسي المنظم في مختلف نواحي الحياة، فشهد جمهور الشعر ظهور المؤسسات الثقافية والأدبية التي وضعت الشعر على رأس أولوياتها، ونظمت عشرات الأمسيات والمهرجانات والأنشطة الشعرية العامة التي اتسمت بالعمل المنظم والمنهجي، في تلك الفترة تأسس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات (1984م) الذي ضم عشرات الشعراء من المؤسسين والمنتسبين للاتحاد، وكان يعنى حينها باكتشاف المواهب الشعرية وتقديمها للساحة الثقافية في الإمارات والعالم العربي، وقدم بالفعل باقة من الأسماء التي باتت مؤثرة اليوم لا في الساحة الإماراتية فحسب، بل وعلى امتداد المشهد الشعري العربي الذي احتفى كثيراً بشعراء من الإمارات، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: حبيب الصايغ، أحمد راشد ثاني، ميسون القاسمي، سالم أبو جمهور، عادل خزام، عبدالعزيز الجاسم، سلطان العميمي، إبراهيم محمد إبراهيم، وكريم معتوق. ومن جيل الشباب نذكر: شيخة المطيري، محمد نور الدين، نجاة الظاهري، سعيد عتيق القبيسي، طلال سالم، حسن النجار وغيرهم..

o منابر إعلامية ومنصات تتويج

وبين «أبو بكر» أنه في فترة الثمانينات والتسعينات، أصبح للحركة الشعرية في الإمارات منابر إعلامية كثيرة، أدخلت القصائد إلى مساحات جديدة، إذ توسطت القصائد الصفحات الثقافية في أبرز الصحف اليومية الحكومية والخاصة، وفي أحيان كثيرة رأينا الشعر ينشر في الصفحات الأولى والأخيرة من تلك الصحف، في إشارة إلى ما وصلت إليه مكانة الشعر في الدولة، وإلى ذلك الاهتمام الإعلامي الكبير بالشعر وتبني انتشاره والارتقاء به. ومن أجل ذلك، خصصت الكثير من الصحف عدداً من الملفات والملاحق الخاصة بالشعر والشعراء، وأصبح لكل شاعر شرفات متعددة يطل من خلالها على محبي الكلمة من الباحثين عن أثر المعنى والدهشة. إلى جانب ذلك صدرت مجلات ثقافية اهتمت بنشر مئات القصائد، وأتاحت الفرصة أمام النقد كي يسهم بدوره بتسليط الضوء على التجارب الشعرية، كما صدرت أيضاً مجلات مختصة بالشعر بشقيه الشعبي والفصيح، وحققت تلك المجلات نجاحًا منقطع النظير في الساحة الأدبية.

وتابع: أما خلال العقدين الأخيرين، فقد شهدت الساحة الثقافية والشعرية بشكل خاص، في دولة الإمارات العربية المتحدة، حراكًا واسعًا جعل من دولة الإمارات قبلة للمثقفين والشعراء العرب والعالميين، بعدما خصصت الإمارات عشرات منصات التتويج والتكريم، وأتاحت مئات الفرص لدعم المواهب الجادة والمؤثرة في مختلف الدول العربية.

لقد حظي الشعر على وجه الخصوص باهتمام واسع وبحصة كبيرة من هذا الحراك داخل الدولة، إذ تم الإعلان عن عشرات المسابقات والجوائز والفعاليات التي تستضيف الشعراء وتمنحهم فرصة الظهور والتألق والكشف عن إبداعاتهم أمام جمهور كبير يُقدّر قيمة الشعر ويحرص دائماً على متابعته، وتُقدّر أعداده بالملايين، ما أسهم في ظهور أسماء شعرية إماراتية تُبرز موهبتها، وتحصل على المراتب الأولى في مختلف الجوائز على مستوى الوطن العربي.

أول أكاديمية وأضخم برامج الشعر

وأكد «أبوبكر» أنه وبعد مرور ما يزيد على أربعة عقود من تأسيسها، وإعلان اتحادها، أصبحت الإمارات اليوم، ساحة الشعر الأجمل والأشمل في عالمنا العربي، فمنها ينطلق أضخم برنامج تلفزيوني للشعر الشعبي، هو «شاعر المليون»، وكذلك ينطلق أضخم برنامج شعري في الشعر الفصيح هو برنامج «أمير الشعراء» الذي يبث حالياً في موسمه الثامن.

وفي سابقة هي الأولى من نوعها في المشهد الثقافي العربي، أعلنت العاصمة الإماراتية أبوظبي، عن تأسيس أول أكاديمية للشعر (2007م)، التي قامت بتنظيم هذه المسابقات الشعرية الضخمة، وأسست لمجتمع شعري جديد، أتيحت له الفرص أن يستكمل سيرة القصيدة العربية، في وقت ظل يبشّر فيه الكثيرون بموت الشعر أو تراجعه في أحسن الأحوال.

لقد حظيت الحركة الشعرية في الإمارات بمساحة كبيرة جدًا من الأضواء، وما ذكرته هنا، لا يشمل كل جوانب الحراك الشعرية، إنما هو ملمح عام عنها. لكن وفي العموم، يمكننا القول إن ما تحقق حتى الآن، يكفي كي نقول إن الإمارات أصحبت اليوم وطن الشعر، والقصيدة الأجمل في عالمنا العربي.

الواقع النقدي في الإمارات العربية بين الواقع والمأمول

وأمام هذه التألق والنشاط الملاحظ الذي تشهده الأوساط الأدبية على مستوى التجارب الشعرية الخلاقة أو الأعمال السردية الإبداعية, هناك (حركة نقدية), نسلط عليها الضوء في هذا الجانب مع الناقد الدكتور «شعبان أحمد بدير» جامعة الإمارات, الذي أوضح: أن النقد الأدبي والفني في دولة الإمارات ما يزال - على الرغم من مرور عقود على البدايات - يسير بخطوات وئيدة جدًا عن حركة الإبداع المتسارعة التي حظيت بالكثير من المبدعين الذين أثروا الحياة الأدبية (شعرًا ونثرًا)، وبالعديد من الأعمال التي تنافس في جودتها على الساحة العربية. لكن الساحة النقدية الإماراتية جاءت على العكس من ذلك, تفتقد لهذا الثراء الذي يشهده هذا الزخم من المبدعين. وبين أن السبب في ذلك يعود إلى: تراجع الاهتمام بالثقافة النقدية التي تؤهل الناقد لهذا العمل التقييمي ما أدى إلى ضعف الذائقة الفنية والأدبية وقلة الأعمال النقدية الجادة. وأشار لما أكدته الروائية الإماراتية «نورة النومان» أن «النقد الحقيقي» هو ما ينقص الأدب الإماراتي: «لأننا لسنا ناقدين بالمعنى الحرفي، وليس لدينا نُقاد يقبلون النقد، وليست لدينا ثقافة النقد، وهذا هو المشاع لدى الكثير من الناس، ودولتنا حققت حتى الآن إنجازات كبيرة وعلينا التركيز في الأمر».

وأضاف الدكتور «بدير»: تقتصر الدراسات النقدية على نذر قليل من الدراسات والأبحاث والقراءات التي تقدم في المنتديات واللقاءات الأدبية التي تعقدها الصالونات والمجالس الأدبية لاسيما اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ودائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، لكنها محاولات في أكثرها تقتصر على المتابعات النقدية للمنتج الأدبي الحديث متمثلة في القراءات الوصفية للأعمال الأدبية, ولا تخلو من المجاملات التي تظهر محاسن الأديب ولا توجه بصائر الأدباء إلى الأمور التي يحتاجون معالجتها، مما يجعل المبدعين ينطلقون على سجيتهم الأدبية وليس على خلفية نقدية وثقافية رصينة.

وزاد: لقد حاول المبدعون الإماراتيون ملء هذا الفراغ بممارسة الكتابة النقدية؛ وتجلى ذلك في المقدمات التي قدَّم بها الشعراء دواوينهم مثل مقدمات الشاعر الإماراتي الكبير «مانع سعيد العتيبة» لدواوينه والتي هي بمنزلة إضاءات تعريفية بموضوع كل ديوان وما يدور في ثناياه من رؤى فنية ودلالات وضعها الشاعر في طيات دواوينه. كذلك الصفحات التي كتبها الراحل الدكتور أحمد أمين المدني في مقدمته لديوانه «حصاد السنين» الصادر عام 1968م, وكذلك مقدمته القصيرة لديوانه «أشرعة وأمواج» الصادر عام 1972م، لكنها في جملتها لا ترتقي إلى مستوى النقد الأدبي بمعناه المنهجي.

وتابع: كما أن هناك من الشعراء والكتاب الإماراتيين من وضع خلاصة آرائه النقدية في بعض الكتب التراجمية التي ترجمت للشعراء والكتاب، وهو جهد مشكور يحسب لصاحبه، لكن تغيب عنه الرؤى الإبداعية الخاصة بالمبدعين، وأبرز هؤلاء الشعراء الكتاب الشاعر أحمد محمد عبيد في مثل كتابه (معجم أدباء الإمارات - كشاف أدباء الإمارات)، كما أن له كتبًا أخرى في علم اللهجات والدراسات اللغوية والأدب الجاهلي، إلى جانب العديد من المقالات والندوات الأدبية، وهي في مجملها على ما تمثله من أهمية في اتجاهها، إلا إنها لم تصل لمستوى النقد باتجاهاته الحداثية.

ولا يغيب عنا في رصد عناصر هذا المشهد النقدي أن نعرج على بعض الدراسات الجامعية التي قدمها بعض الكتاب الإماراتيين واهتمت بنشرها إدارة الدراسات والنشر بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة تدور حول الأدب الإماراتي شعرًا ونثرًا، ومن بين تلك الدراسات: (توظيف السرد في الشعر الإماراتي المعاصر) للدكتورة سعاد راشد أحمد، التي ركزت في دراستها على البحث في المنجز الشعري الفصيح القائم على السرد، ودراسة الدكتورة زينب عيسى الياسي، التي جاءت بعنوان: (الشعر العربي المعاصر بين جملة الأدب وجملة الثقافة).

وكان لشعر مانع سعيد العتيبة أثر واضح في الحركة النقدية الإماراتية, إذ جذب العديد من الباحثين الإماراتيين لإجراء بعض الدراسات الجامعية حوله، ومن بين تلك الدراسات دراسة الباحثة موزة المنصوري (الصورة البيانية في شعر مانع سعيد العتيبة).

وبين الدكتور «بدير» أنه من أجل دعم النقد الأدبي في دولة الإمارات: فقد أطلق اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في فترة سابقة ناديًا جديدًا للنقد الأدبي, ذكر في تصريح له رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات «حبيب الصايغ» حول طبيعة عمل النادي الجديد والدافع وراء تأسيسه «إن مجلس الإدارة اتخذ هذا القرار رغبة منه في إضافة بُعد آخر لتجربة الاتحاد في مجال النشاط الثقافي والأدبي». كما أوضح أن ناديا الشعر والقصة في الاتحاد يهتمان بالجانب النقدي لكننا نحرص أن تكون الممارسة النقدية أكثر تركيزًا وتنظيمًا، وقد جاء القرار بإطلاق «نادي النقد» كخطوة عملية في هذا الاتجاه, معربًا عن أمله في أن يتمكن النادي من استقطاب جميع الطاقات وإتاحة الفرصة لها كي تمارس دورها بأقصى ما يمكن من الفاعلية.

وتابع: أما بالنسبة للنقاد العرب فقد انقسم اهتمامهم بالشأن الأدبي الإماراتي على اتجاهين:

الاتجاه الأول هو الاتجاه التأصيلي أو التأسيسي التي قام بها النقاد العرب من أجل حفظ الإبداع الأدبي، ومن أبرزهم الدكتور سمر روحي الفيصل وعمله المعجمي المحكم (الرواية العربية ومصادر دراستها ونقدها) والرواية العربية البناء والرؤيا، وهانم عباس (بببليوغرافيا شعراء الإمارات). أما الاتجاه الآخر فتجلى في المتابعات النقدية، وهو نشاط يهتم بالتركيز على الملاحقة الصحفية للنتاج الإبداعي وما يدور حوله من منتديات وأمسيات أدبية تهتم بتقديم قراءات نقدية مستمرة لهذا النتاج الإبداعي وتقديم عرض عام له. وأما المحور الثاني فهو المقصود من وراء مصطلح النقد، ونعني به القراءة المنهجية التي تتوجه إلى النتاج الإبداعي بهدف تفكيك بناه واستنطاق إمكاناته الخبيئة وإضاءة المسكوت عنه فيه، من خلل عُدة نقدية ومنهجية منظّمة، لإعادة إنتاج النص في ذهن القارئ. ومن تلك الدراسات كتاب (الخطاب الشعري الحديث في الإمارات- قراءة تطبيقية) للناقد العراقي الدكتور صالح هويدي والذي قدم فيه دراسة وصفية تحليلية للنتاج الشعري للشعراء الإماراتيين المحدثين أمثال: (سعد جمعة, خالد البدور, أحمد منصور, خالد الراشد, عائشة البوسميط, عادل خزام, إبراهيم الملا, هاشم المعلم) من خلال عرضه لبعض القضايا الفلسفية والأدبية مثل: الوحشة والخلاص, العدمية, سردية المشهد الشعري, جدل الذات والوجود).

ومن الدراسات التي دارت حول النقد الروائي دراسة الناقد الفلسطيني د. يوسف حطيني (في ظلال النخيل دراسات في الرواية الإماراتية)، والدراسات النقدية الجادة التي قدمها الناقد الأردني د. إبراهيم السعافين, ودراسة د. شعبان بدير (بنيات التشكيل الروائي في رواية الكاتب الإماراتي علي أبي الريش «قميص سارة», وهي در اسات نصية جادة تهدف إلى الخروج من نطاق الدراسات الوصفية إلى نطاق الدراسات الأسلوبية والتحليلية.

وختم «بدير»: إن الحركة النقدية في الإمارات تحتاج إلى الخروج من قوقعة القراءات والمتابعات النقدية للمنتج الأدبي إلى دراسات نقدية متخصصة ونقاد أصحاب خبرة في المناهج النقدية الحداثية كالدراسات السياقية والأسلوبية واللسانية والتداولية والدلالية. وأن تتبنى المؤسسات الثقافية والأكاديمية عقد المؤتمرات والملتقيات النقدية التي تدور حول المنتج الأدبي الإماراتي بمناهج وأدوات حداثية تخرج بالمبدعين من حيز الدراسات الكربونية والأطر التقليدية المعادة.
بواسطة : المدير
 0  0  413
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:42 صباحًا الخميس 14 نوفمبر 2019.