• ×

11:12 مساءً , الخميس 21 نوفمبر 2019

صحافة البردي جدران المعابد صاحبت فضل إحياء التراث وتنوع فلاسفتها

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الرياض - محمد هليِّل الرويلي : 
:
ارتبطت الثقافة بالصحافة ارتباطًا وثيقًا منذ بداية الوجود الإنساني متلازمة مع تطور الحياة الإنسانية، وكانت المعبر الحقيقي لما وصلت إليه البشرية من تقدم فكري، وكان المصري القديم من أوائل من عرف الحضارة والتقدم والرقي والتنظيم والسياسة والتوحيد والاقتصاد، نائب رئيس تحرير جريدة الجمهورية «مصطفى البلك» أكد «للثقافية» بأن الثقافة عنصر أساسي في رقي الحضارة المصرية، فكانت تنقل عبر رسائل تكتب على أوراق البردي وترسل لحكام الأقاليم المصرية لإخبار الشعب بها، بالإضافة للنقوش على جدران المعابد، وحجر رشيد الموجود حاليًا في أحد متاحف لندن دليل على أن المصري عرف الصحافة فحجر رشيد مرسوم ملكي نقش عام 196 ق.م صدر في مدينة منف وكان الهدف منه نشر هذا المرسوم في صحيفة رسمية ليعرض على الحكومة والشعب، وكانت هذه النقوش على الحجر أول صحيفة رسمية عرفها المصريون بجانب النقوش على جدران المعابد، ومرورًا بالعصور المتخلفة التي تلت العصور الفرعونية كانت هناك وسائل إعلامية مختلفة تعبر وتنقل ما يدور بداخلها من أحداث ثقافية واقتصادية وسياسية لشعوبها.

نابليون يستميل المصريين بمطبعة!

إلى أن جاءت الحملة الفرنسية لمصر عام 1798م بقيادة نابليون الذي قرر إنشاء مطبعة عربية فرنسية سميت بالمطبعة الأهلية وكان الهدف منها استمالة المصريين إليها من خلال المنشورات العربية والصحف مثل «كورييه دي ليجيبت» و«الريكار» وللأسف لم يحالفها الحظ ولم ير عددها الأول النور لرحيل الحملة الفرنسية عن مصر. وفي عام 1821 م أصدر محمد علي باشا والي مصر أمرًا بإنشاء المطبعة الأميرية في بولاق وبعد سبع سنوات في ديسمبر 1828 م صدر العدد الأول من الوقائع المصرية وكانت الصحيفة الرسمية للدولة، وكانت هناك مراحل تطور ثقافي تبعه ازدهار للصحافة المصرية.

• «أبونظارة زرقاء ومجلة يعسوب وعروة الأفغاني»

وتابع «البلك» وزاد عملية ازدهار الثقافة والصحافة المصرية في عهد الخديوي إسماعيل عام 1865 م، فشهدت هذه الفترة ظهور أنواع مختلفة من الصحف فبدا ظهور الصحف الخاصة مثل وادي النيل والكوكب الشرقي والأهرام وروضة الأخبار وأبونظارة زرقاء وشعاع الكواكب وصدى الأهرام ومصر وحقيقة الأخبار والوطن حيث بلغ عدد الصحف في هذا العهد 23 صحيفة إضافة إلى الوقائع المصرية التي كانت تصدرها الحكومة بجانب الجريدة العسكرية وجريدة أركان الجيش المصري ومجلة يعسوب الطب وروضة المدارس والنحلة الحرة، وعندما تم نفي جمال الدين الأفغاني أصدر في منفاه صحيفة العروة الوثقى وأتت بمثابة أول الصحف المعارضة التي عرفتها مصر.

وحول الصحافة السياسية ونشأتها أوضح «بلك» أن مصر عرفت الصحافة السياسة مع الخديوي «عباس حلمي الثاني» الذي تولى الحكم عام 1892م، كان الصراع بين جريدة «المقطم» التي دعمها «اللورد كرومر» وصدر العدد الأول منها في عام 1889م، وجريدة «المؤيد» التي أصدرها الشيخ علي يوسف، فكانت «المؤيد» تقف مع الخديوي في جميع قراراته في مواجهة الاحتلال البريطاني..

وأصدر مصطفى كامل باشا جريدة «اللواء» ذات الطابع الوطني لتحفيز الشعب المصري على رفض الاحتلال يوم 2 يناير 1900م، وصدرت صحيفة «الجريدة» التابعة لحزب الأمة عام 1907م، وكان شعارها أن مصر للمصريين. «حمارة منيتي» و«البعكوكة» و«السيف والمسامير» ساخرة

وذكر بأن التنوع الثقافي الذي يعيشه المصريون أدى إلى ظهور أنواع أخرى للصحافة المصرية منها مجلة «حمارة منيتي» لمحمد أفندي توفيق، الذي كان ضابطاً في الجيش المصري، وكانت ذات طابع هزلي ونقد لاذع ساخر سواء كان من شخصيات أو من أحداث، وظهرت مجلة «السيف والمسامير»، ومجلة «خيال الظل»، ومجلة «ألف صنف» لبدع خيري عام 1928م، ومجلة «الكشكول» لسليمان فوزي، ومجلة «الراديو» التي تحولت إلى مجلة «البعكوكة» فيما بعد لصاحبها محمود عزت المفتي، وغيرها الكثير ذات الطابع الساخر.في المقام الأول لرفع المستوي الثقافي لدى الناس من خلال تقديم مادة عملية واضحة ومبسطة.

دور الأدباء في الصحافة المصرية

وعن دور الأدباء والمثقفين في نشوء وارتفاع الخطاب الصحافي للمصريين قال «بلك»: إن الوعي الذي لعبه الأدباء والمثقفون في تعميق دور الصحافة أسهم في ازدهار الصحافة المصرية وانتشارها وارتبطت الصحافة المصرية بأسماء الأدباء على مر تاريخها مثل مصطفي كامل‏،‏ ود‏.‏ محمد حسين هيكل ود‏.‏ طه حسين‏،‏ وعباس محمود العقاد‏.‏ وعبدالرحمن الكواكبي‏، وأمين الرافعي‏،‏ ومحمود عزمي‏،‏ وفكري أباظه‏ ونجيب محفوظ وأحمد بهاء الدين وغيرهم من أدباء مصر ومنهم من أسهم في إنشاء الصحافة العربية.‏

الفكر الفلسفي المصري

إن الحضارة المصرية قد ظهرت فتية زاهية - على الأقل - منذ أواخر الألف الخامس قبل الميلاد، فهناك شبه إجماع عالمي على سبق الحضارة المصرية لكثير من الحضارات، وكان من أهم المصادر التي يعتمد عليها في التأريخ للفكر والدين المصري القديم (أوراق البردي، نصوص الأهرام، كتاب الموتى) وقد كانت لهم رؤيتهم الفلسفية الخاصة في المعتقدات وتفسير الكون ونشأته، والوقوف على ماهية الإنسان وطبيعته، ومحاولة الفصل بين العقل والقلب، وقد تطور هذا الفكر الفلسفي ليناسب العصر الحديث، فقد نشأ التفكير في علم الكلام والتصوف وأصول الفقه والأخلاق الإسلامية إلى ذلك أشار الباحث بقسم الفلسفة بجامعة الإسكندرية أحمد عبدالسلام كما أشار إلى أن الفكر المصري المعاصر لم يحظ بما يستحقه من اهتمام الباحثين رغم تنوع اتجاهاته ومراميه وكثرة رواده الذين قدموا إسهامات هائلة في شتى الميادين الفلسفية والعلمية والسياسية والاجتماعية واللغوية والأدبية والدينية والفنية بعد أن عشنا ردحًا طويلاً من الزمان وما زلنا ندور في فلك الفكر الغربي نعرضه أما بالترجمة أو النقل حتى تحولنا إلى مجرد نقلة تابعين بعد أن كنا متبوعين!

ويؤكد «عبدالسلام» أن خريطة الفكر الفلسفي المصري زاخرة بالمفكرين الذين يقف الكثير منهم على الكثير من القضايا المطروحة على الساحة الفكرية في وقتنا الراهن ومن هذه القضايا قضية البحث عن فلسفة توقظ الأمة من سباتها والبحث عن فلسفة يمتد أثرها إلى الشعب وإلى الجمهور، فلسفة تضع لنا مبادئ توقظ فينا الشعور الوطني وتنمى وعينا بمشكلاتنا وقضية أزمة الإنسان المعاصر في ظل الاكتشافات العلمية والتكنولوجية المذهلة التي تحققت في عصرنا، وقضية فساد العلم المعاصر في الأرض، وقضية الاعتقاد وعلاقته بالإنسان ودوره في بناء الحضارة الإنسانية، وقضية اللغة العربية والوقوف على سماتها الفكرية الأصيلة التي تؤثر في تكوين عقليتنا وتدبير تفكيرنا وتصريف أفعالنا وهداية سلوكنا وصياغة حضارتنا، وقضية العادات والتقاليد والسلوكيات الضارة التي تؤثر سلبيًا على واقعنا الاجتماعي، وقضية الفساد والعبث بالدخل القومي للبلاد، وقضية النهوض بالمجتمع وكيفية إصلاح أوضاعه.

محمد عبده أبرز الفلاسفة المصريين

كما يؤكد أن الفترة الماضية لم تشهد الاهتمام بالفكر العربي حيث شهدت الكتب الفكرية إهمالاً ملحوظًا لم يواكب نشاط الأدب الروائي الحالي. مشيرًا إلى أن من أبرز الأسماء الفلسفية المصرية الإمام محمد عبده الذي كانت حياته غاية في الثراء الفكري والنشاط الثقافي والاجتماعي فقد ترك لنا العديد من الآراء التي تجعله مجددًا من الطراز الأول ومفكرًا لا تخلو كتاباته من الروح الفلسفية، وليرجع القارئ إلى موضوع كتابه (الإسلام دين العلم والمدنية)، وإلي دراسته لمشكلات فلسفية وفكرية لا حصر لها كمشكلة الحرية ومشكلة الخير وإلى آرائه في مجال الإصلاح الأخلاقي وتفسير القرآن الكريم، وإصلاح الأزهر، وسيجد ذلك كله واضحًا كل الوضوح.

العيب ليس في التراث العيب في المنظور الرجعي

ويرى «عبدالسلام» أن آراء الشيخ محمد عبده تدلنا بوضوح على أن مفكرنا كان صاحب نظرة تجديدية، والمجدد ينظر دائمًا إلى الإمام وإلي المستقبل، وذلك على العكس من المقلد والذي ينظر إلى الماضي ويبكي على الأطلال، لأنه كان يدرك تمام الإدراك أن العيب ليس في التراث، ولكن العيب في النظرة إلى التراث من خلال منظور تقليدي رجعي لا يتماشى مع العصر، ونجد هذا واضحًا غاية الوضوح في العديد من الكتب والرسائل التي تركها لنا، ومن بينها مقالاته في العروة الوثقى، وحاشيته على شرح الدواني لكتاب العقائد العضدية للايجي، ورسالة التوحيد، وتقرير في إصلاح المحاكم الشرعية، والإسلام والرد على منتقديه، والإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، وحديثه الفلسفي مع الفيلسوف الإنجليزي «هربرت سبنسر»، وتفسيره لسورة العصر، وسورة الفاتحة، وتفسير جزء عم، وتفسير المنار الذي أكمله رشيد رضا، ودروس دار الإفتاء، إضافة إلى فتاواه.

بدوي اختلف وقال عنه طه حسين: إنه أول فيلسوف مصري

ويتابع «عبدالسلام» كذلك من أصحاب الفكر الفلسفي بمصر عبدالرحمن بدوي صاحب الرؤية الفلسفية المستقلة وهو الأديب المبدع والمترجم غزير الإنتاج ينقل للعربية من مختلف لغات العالم، وفلسفته هي الفلسفة الوجودية وقد أحاط بكل تاريخ الفلسفة وتعمق في مذاهب الفلاسفة وأثرى بدوي المكتبة العربية بعشرات المؤلفات والمبتكرات والمترجمات التي جعلته واحدًا من أغزر كتاب العربية في العصر الحاضر، وقد ألف أكثر من120 كتابًا منها خمسة مجلدات بالفرنسية وترجم نحو 100 كتاب لكبار الفلاسفة إضافة إلى مئات المقالات والأبحاث التي قدمت في مؤتمرات دولية باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والأسبانية، كما ترجم مجموعات قصائد شعرية، تبنى الوجودية وأسهم في تكوينها منذ كتب كتابه زمن الوجودية الذي حصل به على الدكتوراه. فاختلف بذلك عن النهج الفكري للمفكرين والأدباء المصريين في القرنين التاسع عشر والعشرين أمثال رفاعة الطهطاوي وأحمد لطفي السيد وطه حسين وأحمد

أمين وزكي نجيب محمود.

قال عنه الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي الذي شارك في لجنة الحكم على رسالته لنيل درجة الدكتوراه: إنه أول فيلسوف مصري. فقد كانت له رؤيته الفكرية الخاصة التي كوّنها انطلاقًا من تصوراته الوجودية. فقد تبنى الوجودية وأسهم في تكوينها منذ كتب كتابه «زمن الوجودية» كما كان هدفه من وراء كتاباته ومؤلفاته المتنوعة من الفكر الإغريقي وحتى الفكر الإسلامي وانطلاقًا من الفكر الوجودي تنوير العقول والارتقاء بالحضارة والفكر الفلسفي. وفي كتاب (سيرة حياتي) الذي يقع في جزأين كتب تاريخ حياته. وقد كان متأثرًا بأساتذته الفرنسيين في الجامعة فأحب باريس التي كان يدعى إليها كأستاذ زائر. وبمناسبة إحدى الدعوات للتدريس في جامعة السوربون في قسم كلية الآداب بقسم الفلسفة ومعهد الدراسات الإسلامية قرر أن يهاجر من مصر وذلك في 19 فبراير 1967، وبعد بضعة أشهر قام بالتدريس في جامعة بنغازي في ليبيا ثم جامعة طهران وجامعة الكويت. واستقر نهائيًا في باريس منذ عام 1982 إثر مغادرته للكويت ثم عاد إلى مصر ومات فيها.

الفلسفة الوضعية المنطقية لزكي نجيب

وهناك زكي نجيب محمود الذي ارتبطت به الفلسفة الوضعية المنطقية في الفكر العربي المعاصر، فهو فيلسوف، ومفكر مصري كان له دور كبير في نشر فكر الحداثة والتنوير والتقدم على الساحة الثقافية العربية ردحًا من الزمن.

وكان أستاذاً للفلسفة في جامعة القاهرة.. وقد ظهرت (الوضعية المنطقية) في أوروبا والغرب لكن ترويجه لها ظل محدودًا إلا أن هذا لم يمنع من ظهور تلاميذ له روجوا للوضعية المنطقية منهم الدكتور ياسين خليل أستاذ الفلسفة في جامعة بغداد، وفؤاد زكريا أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة.كما أنه كان له دور كبير في نشر فكر الحداثة والتنوير والتقدم على الساحة الثقافية العربية وفي سنة 1965 عهدت إليه وزارة الثقافة في عهد وزيرها محمد عبد القادر حاتم، قام بإنشاء مجلة فكرية رصينة تعنى بالتيارات الفكرية والفلسفية المعاصرة، فأصدر سنة 1966مجلة «الفكر المعاصر» ورأس تحريرها ومن خلالها حرص على الترويج للفلسفة الوضعية المنطقية ومع هذا دعا كبار رجال الفكر في مصر للكتابة فيها، وشارك هو فيها بمقال شهري ثابت تحت عنوان: «تيارات فلسفية».

ومن فلاسفة مصر فؤاد زكي وهو الرائد الثاني في الفكر الفلسفي المصري والعربي المعاصر وقد تميز فكره بنزعة تنويرية تحض على أعمال العقل والتفكير العلمي فى نواحي الحياة ولم تخل هذه النزعة التنويرية من اتجاه نحو نقد كل الصور السلبية في حياتنا الفكرية.

اتجاهات وأعلام الأدب المصري الحديث

إن لمصر دورًا رياديًا في الأدب شعرًا ونثرًا، فقد كانت ولا تزال أرضًا خصبة للإبداع والتألق الأدبي، فهي صاحبة الريادة في إحياء التراث، وهي أيضًا صاحبة الريادة في الاستفادة من منتج العقل الغربي، ولم تكن مصر – أبدًا – مستهلكًا سلبيًا لما ينتجه الغرب، بل كانت تقف والغرب سواء بسواء، وهذا ما يؤكده أستاذ النقد الأدبي والبلاغة في جامعة المنوفية الدكتور عيد بَلْبَع الذي يصف أيضًا المراحل المتفاوتة بين العقم والنضج التي مر بها الأدب المصري في العصر الحديث قبل أن تتبدل النظرة لأحوال الشعر في أواخر القرن التاسع ومن هنا كان البارودي بحق رائد الشعر العربي الحديث، ثم تبعه في ذلك أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وقد تزامنا مع ظهور أحداث كبرى سياسية وعسكرية هزت العالم العربي، فكان من نتائجها تغيرات متعددة في الحياة الثقافية جعلت الأدب يلوذ بجذوره العريقة فكان شعر البارودي وشوقي وحافظ كأنه امتداد للشعر العربي في العصر العباسي.

ومنها الاتجاه الرومنسي وهو مذهب أدبي ذو خصائص معروفة، استخلصت على المستوى النقدي من مجموع ملامح الحركة الأدبية التي انتشرت في أوروبا في أعقاب المذهب الكلاسيكي ويؤكد أيضًا: وإن كانت الرومنسية العربية احتفظت بثوابت الحرية والصدق والذاتية والتشاؤم وعاطفة الحب والالتحام الصوفي التقديسي بالطبيعة ومظاهرها المختلفة، أي احتفظت الرومنسية العربية بالمظاهر احتفاظاً تاماً غير أنها لم تُرفد بالجذور الفلسفية شأن الرومنسية الغربية.

غير أن الطور الأول من أطوار الرومنسية العربية والحديث «لبَلْبَع» لم يكن مكتمل النضج على المستوى الفلسفي على أقل تقدير، ونقصد به الطور الذي مثلته جماعة الديوان، لقد كان العقل حاضراً والذهنية بارزة في أعمال العقاد مثلاً، لم يُسلم نفسه للتهالك الذاتي الرومنسي تماماً شأن شعراء الطور الثاني ونقصد به شعراء أبوللو، ولذلك كان اهتمام جماعة الديوان بالأبعاد النقدية الخالصة المحكومة بالفكر والعقل أكثر حضوراً من البُعد الفني، أي أن الديوان كانت اتجاهاً نقدياً أكثر من كونها مذهباً أدبياً ومن الجدير بالذكر أن نسمي مؤسسي هذه الجمعة «جماعة الديوان».
نسبة إلى الكتاب الذي ألفه عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني، وثالثهم عبد الرحمن شكري.

وأضاف: وقد كان للحرية والصدق وجودهما الواضح في مواقف جماعة الديوان، ومن أظهر سمات الصدق في هذه مواقفهم رفض النموذج التقليدي والتمرد على الأساليب القديمة، فثاروا على نموذج القصيدة العربية التقليدية في نهجها وشكلها ومضموناً وبنائها اللغوي، ورأوا في المقطوعات الشعرية البديل الأوفق الذي تتعدد فيه القوافي، بل كتب شكري القصيدة المتحررة تماماً من القافية فيما سمى بالشعر المرسل.

وقال «بَلْبَع»: كما رفضوا أيضاً ما يُعرف بلغة الشعر أو القاموس الشعري، ودعوا إلى تحرير اللغة الشعرية من الهياكل الأسلوبية الجاهزة، ورأوا في ذلك منافاة لمبدأ الحرية في التعبير. أما جماعة أبوللو التي يرجع الفضل في إنشائها إلى الشاعر الأديب أحمد زكي أبي شادي (1892 ـ 1955م)، فيرجع الاسم لذي عرفت به هذه الجماعة نسبة إلى (أبوللو) المعروف بإله الشعر عند الإغريق.

وقد أعلن أبو شادي ميلادها في القاهرة في شهر سبتمبر عام 1932م مع بداية ظهور العدد الأول من المجلة التي تحمل اسمها، وقد صدر منها خمسة وعشرين عدداً. واختارت جماعة أبوللو أحمد شوقي رئيساً شرفياً للجماعة، وانعقد أول اجتماع لها في منزله (كرمة ابن هاني) يوم الاثنين 10 - 10 - 1932م، وكان ذلك قبل وفاته بأربعة أيام فقط ثم تولى رئاستها الشاعر خليل مطران (1871 ـ 1949م) الذي عرف بشاعر الأقطار العربية، ومن أبرز شعراء أبوللو أحمد زكى أبو شادي، وإبراهيم ناجى، وعلي محمود طه، وصالح جودت، في مصر، ومن شعرائها في تونس أبو القاسم الشابي، ومنهم في السودان التيجاني يوسف بشير.

ثم جاءت الواقعية يتابع «عيد بَلْبَع» وفيها فضّل الواقعيون النثر على الشعر لأنه اللغة الطبيعية للناس أما الشعر فبالرومانسية أشبه ولها أنسب. فاختاروا جنسي الرواية والمسرحيّة، ونالت الرواية النصيب الأوفى من أدبهم لأنها تتيح مجالاً واسعاً ومرناً للوصف والإفاضة والتحليل، وتستوعب أزماناً طويلة وتغطي أمكنة كثيرة وتتضمّن شخصيات غير محدودة. وأتت المسرحية في المقام الثاني ثم جاء الشعر في وقتٍ متأخر مع المدّ الاشتراكيّ.

من أعلام الأدب المصري

وتطرق « بَلْبَع» لعدد من أعلام الأدب المصري مؤكدًا أن أحمد شوقي يعد أفضل الشعراء العرب على مر التاريخ فقد لقب بأمير الشعراء، وله دور عظيم في النهضة الأدبية بجميع مجالاتها، له العديد من الدواوين الشعرية نذكر أشهرها وهو ديوان الشوقيات، وله عدة مسرحيات شعرية مثل مسرحية مجنون ليلى ومسرحية مصرع كيلوباترا ومسرحية عنترة، كما ألف بعض الروايات مثل الفرعون الأخير وعذراء الهند.

ووصف «بَلْبَع» توفيق الحكيم بأنه من أشهر الروائيين العرب وقد أبدع في الكثير من كتاباته الروائية والقصصية والشعرية، وله إسهامات بارزة في عصر النهضة العربية وله العديد من المؤلفات التي ترجمت للإنجليزية، ومن أشهر مؤلفاته مسرحية أهل الكهف ورواية الأيدي الناعمة وعصفور من الشرق، وقد حصل على العديد من الجوائز والتكريمات مثل قلادة الجمهورية في عام 1957 وقلادة النيل سنة 1975، بالإضافة إلى جائزة الدولة في الآداب.

وقال عن «طه حسين»: إنه لقب بعميد الأدب العربي، له إسهامات بارزة في تطور الحركة الأدبية العربية الحديثة، وكان من أشهر دعاة التنوير في الوطن العربي، من أشهر كتاباته رواية الأيام التي نشرت في عام 1929 وكتاب في الشعر الجاهلي، ورواية دعاء الكروان.

ويرى «بَلْبَع» أن «حافظ إبراهيم» كان منافسًا للشاعر أحمد شوقي الملقب بشاعر النيل وشاعر الشعب، لما يتمتع بموهبة إنشاد الشعر حيث أنشد في حفل تكريم احمد شوقي في دار الأوبرا الخديوية وكان يتميز بأسلوب الصياغة وتراكيب الكلمات بطريقة مبدعة، وقد كان له بعض الترجمات مثل رواية البؤساء لفكتور هوجو، ومن أشهر أعماله الديوان، وليالي سطيع في النقد الاجتماعي..

وهناك الأديب والشاعر مصطفى لطفي المنفلوطي والأديب رفاعة الطهطاوي رائد حركة النهضة في مصر والشاعر أمل دنقل والمتأمل لشعره وقصة كفاحه يستطيع أن يستشف بعضاً من صفات هذا الشاعر المتبتل في محراب الشعر، فأهم ما يميز أمل دنقل الحس العالي لذا وهنا أحب أن أشير إلى أن الكثيرين يعتقدون أن شعر أمل دنقل كان سياسياً فقط، غير أن شعر أمل الرومانسي يقترن دائمًا بتوهج لحظات الحب القليلة التي مر بها، والتي جعلته يدرك أهمية المرأة في حياته، ويخلص لها ويغفر لها زلاتها، ما ظل مقتنعًا بطيب عنصرها، ومؤمنًا بالإمكانات الخلاقة التي تنطوي عليها، ولذلك كانت المرأة التي أحبها هي الحضور الدائم الذي يمنح الحياة بهجتها، رغم كل عذاب الحياة، وكل إخفاقات الحب في الوقت نفسه.

واختم والكلام «بَلْبَع» بالشاعر أحمد رامي الذي سافر في بعثة فرنسية لدراسة اللغات الشرقية وفن المكتبات وبعد أن دخل الحياة الأدبية وأصدر ديوانه الأول، وكان صدور ديوانه هذا حدثًا أدبيًا في ذلك العهد حيث كان ديوانه لونًا جديدًا من الشعر اختلفت فيه المدرستان القديمة والحديثة، وفي عام 1925 أصدر ديوانه الثاني والثالث، ثم مجموعة ضخمة من الأغاني التي تغنت بها كوكب الشرق «أم كلثوم» التي يصل عددها إلى ما يقرب من مائتي أغنية.

كما كتب للمسرح أيضًا مسرحية «غرام الشعراء» من فصل واحد وترجم مسرحية «سمير أميس» كما ترجم «شارلوت كورداي» ليوتسار، وترجم «رباعيات الخيام» وعددها 175 وكانت أولي الترجمات العربية عن الفرنسية.
* * *
((لأنها مصر الاستثناء والتنوير وجيل الرعيل الأول من الرواد كانت بداية «رقيم ودهاق أوطاننا العربية» عبر نيلها الثجاج قراء الثقافية الأعزاء في الجزء الثاني نستكمل محاور المشهد الثقافي المصري ونتطرق لأزمة النقد المعاصر وندلف من باب الرواية والقصة))

image
بالتزامن مع صحيفة الجزيرة
بواسطة : المدير
 0  0  795
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:12 مساءً الخميس 21 نوفمبر 2019.