• ×

11:27 صباحًا , الخميس 14 نوفمبر 2019

عدم المساواة .. السر وراء عظمة لندن

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جازان نيوز - متابعات : 

من بين حالات التظاهر التي لا بد أن يُظهِرها المُعلّق هي أن الأحداث لها معنى. نحن نرى شكلا في الفوضى ودروسا شاملة في حوادث معيّنة. أخفقت أحزاب اليسار في بضعة انتخابات في أوروبا - باستثناء المكان الذي لم تخفق فيه - وهذا يدل على وجود "أزمة في الديمقراطية الاجتماعية". لا تخلط بين هذا وبين "أزمة الرأسمالية" التي نستأصلها من بعض الاحتجاجات ضد التجارة الحرة، والتزامات معاشات التقاعد غير الممولة في متجر تجزئة مشهور، وغيرها من المواضيع القليلة التي تقدّمها الأخبار. كل هذا إنساني للغاية. يحاول جنسنا البشري فهم العالم حتى عندما لا يكون هناك أي معنى.وفقاً لـ (الاقتصادية ).

انتخاب صادق خان لمنصب عمدة لندن ربما لا يعني شيئاً عن العِرق، أو الإسلام، أو الهوية البريطانية، أو أي شيء يتجاوز تفوّقه السياسي على الخصم، زاك جولدسميث، والميزة الحضرية لحزب العمال الذي يتبع له. كما لا ينبغي أن نربط فوزه مع منصب العمدة في نيويورك الذي يحتلّه بيل دي بلازيو، لتشكيل قصة رد فعل البلدية ضد عدم المساواة والثروة المُفرطة الطليقة. هذه كانت منطقة انتخابية تعمل على الطيار الآلي الحزبي. فاز خان على جولدسميث بالهامش نفسه - أكثر من 310 آلاف صوت - الذي حصل عليه حزب العمال ضد حزب المحافظين في لندن في الانتخابات العامة العام الماضي. كل رجل فاز بعدد أصوات أقل من حزبه في أيار (مايو) الماضي، بالمقدار نفسه.

الأمر المُفزع هو أن ناخبي خان على اليسار المعتدل يعتقدون فعلاً أن هذه لحظة يُمكن أن تنتعش فيها الآمال بحدوث منعطف حاسم ضد تجاوزات لندن في القرن 21، مع شكاوى مألوفة عن أسعار المنازل والتفاوت في الثروة، حيث سيتم تصحيح الأوضاع أخيراً من قِبل رجل يفهم الأمر تماماً.

أقل ما يدين به لهم هو الصراحة. من الممكن جعل تكاليف السكن في لندن ميسورة نوعا ما، لكن ليس من الممكن جعل لندن غير مُكلفة. طالما أن المدينة من الطراز العالمي، فإن الناس سيرغبون في العيش هنا على نحو يفوق إمكانية أن تصبح لندن قادرة على استيعاب الناس الأقل ثراء. بعضهم أثرياء، وكثيرون غيرهم هم من المهنيين ذوي الأجر العالي، وأكثر بكثير من ذلك هم من العمال ذوي الأجر المنخفض.

عدم المساواة والتكلفة العالية هما من مزايا المدن. عدم المساواة الكبيرة والتكلفة العالية جداً هما من مزايا المدن النخبة. لندن هي المكان حيث التفكير المحدود الأقل في العالم، إلا في الاعتقاد أن حدودها المالية القصوى فريدة من نوعها إلى حد ما، كما لو أن نيويورك وطوكيو معروفتان بالعقارات الخالية وسهولة دفع المال.

هذا نداء من أجل الواقعية وليس السلبية. ينبغي بناء مزيد من المنازل. حرمة الحزام الأخضر ينبغي أن تذهب إلى حيث ذهبت القيود القديمة التي كانت مفروضة على ناطحات السحاب. الكثافة المنخفضة التي تُميّز لندن عن غيرها من المدن الكبيرة لا يُمكن أن تنجو من ارتفاع عدد السكان إلى ثمانية أرقام. يستطيع خان استخلاص مساكن أرخص من بعض شركات التطوير، حتى إن كان تهديده بحجب إذن التخطيط إذا قاومت يُخاطر بمضاعفة قلة العرض. هذه وغيرها من الإصلاحات يُمكن أن تُخفف من مشكلة التكلفة. لكنها لن تستطيع تحويلنا إلى برلين، أو أي من تلك المدن التي تُحسد بسبب سهولة الاستخدام منخفض التكاليف من قِبل نوع معين من مُحبّي الدراجات الهوائية، كما لو أنها تلعب في دوري عدد السكان والثقل الاقتصادي نفسه الذي تلعب فيه لندن.

إذا أرادت لندن تحقيق الاعتدال الكبير، فإن ملاذها الوحيد هو الانسحاب من الطبقة العُليا للمدن. لقد فعلت ذلك بين نهاية الحرب العالمية الثانية ومطلع الثمانينيات، واستطاعت تحقيق مستوى معقول من المساواة وتكلفة المعيشة. تستطيع فعل ذلك عندما يكون عدد السكان لديك منخفضا. تستطيع فعل ذلك عندما تكون الأفكار ورأس المال الذي وراءها يُفضّل شواطئ بديلة.

إما النجاح الباهر مع التكاليف والضغوط، وإما حياة هادئة مقابل بيت بسعر رخيص. هذه، بصراحة، هي المقايضة. ليس هناك أي عار في أي من الخيارين، لكن كثيرا من سكان لندن الآن يتوقعون عودة إلى المدينة التي يُمكن الوصول إليها في السبعينيات دون المساومة على عظمتها وحيوتها في القرن 21. هذا يستدعي إلى الذاكرة المُدّخرين كبار السن الذين يشعرون بالاستياء من العوائد المنخفضة على أموالهم، على الرغم من الاحتفاظ بها في حسابات نقدية يتم تأمينها من قِبل الحكومة ومتاحة للسحب بعد إشعار ليوم واحد. ليس هناك حق في منح أسعار فائدة بدون مخاطر وليس هناك حق في إبهار العالم في مدينة بسعر منخفض.

فرص العمل في لندن، المُتاحة للناس من جميع مستويات المهارة، وعالم الحياة الثقافية الذي تحشره في المناطق الفردية، والتجميع الطائش الهائل للأشياء، كل هذا يتوقف على السلسلة الداخلة نفسها من الناس، والمال الذي يخلق فجوات هائلة بين الثروات ويحول دون أن يصبح كُتّاب الصحف الذين هم في الثلاثينات من عمرهم من الطبقات المالكة.

سكان لندن يتذمّرون الآن وسيتذمرون بعد أربعة أو ثمانية أعوام من تولي خان منصب عمدة لندن. لكن لنحكم على المدينة من التفضيلات المكشوفة، وليس فقط من التعليقات السائدة. لندن القديمة منخفضة التكاليف فعلت كل شيء، باستثناء إقناع الناس بالعيش هنا. أما لندن المُكلفة الجديدة فهي غير سعيدة للغاية من سكانها بحيث إنه سيكون هناك عشرة ملايين منهم قبل أن يتقاعد العمدة الحالي.
بواسطة : المدير
 0  0  2021
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:27 صباحًا الخميس 14 نوفمبر 2019.