• ×

02:42 مساءً , الثلاثاء 29 سبتمبر 2020

صورة للكتاب
محمد احمد حسن خليل

بطل لم يعش الحدث !!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تولد الأحداث منذ ولادة البطل وتكبر معه خطوة خطوة ، فهو صانعها وحامل لوائها متنوعة حسب مراحل الحياة
فمن أحداث براءة الطفولة وصفائها إلى تهور أحداث المراهقة وغموضها، ثم أحداث الشباب وخطورتها ، ثم أحداث الرجولة وحلمها ، وينتهي بأحداث الشيخوخة وعجزها .

كل تلك الأحداث التي خاضها بنفسه تشكل روايات جميلة في حياته يبتلع الزمن منها الأحداث الجزئية والثانوية وتبقى القيادة للأحداث الرئيسة التي تفرض حضورها على لسان بطلها ،كما فرضت بقاءها في ذاكرته يرويها وكأنها وليدة اللحظة ، يكرر روايتها دون ملل ، بل يشتاق لها وتحلو على لسانه ،حتى يتمنى عودتها ، ويتحسر على أيامها الحلوة والمرة ، يتلذذ بطعمها ،ويرتاح لأتعابها ، ويطمئن لخوفها.

تنهال الأحداث على بطلها عندما يصبح كهلا وبحاجة الآخرين إذ تكون خدماتهم له مفتاحا لماض جميل يرويه لهم ولغيرهم ألف مرة ومرة ، إنه ماض يحلو في لسانه بضمير المتكلم الذي ينقله إلى عالمه القوي أيام البطولة حيث يندمج معه ويتلبسه إلى درجة نسيان واقعه المؤلم فيندفع بدون شعور إلى تمثيل الحدث إذ يعود حينها إلى واقعه المؤلم المرير إنه على فراشه لا يستطيع الحركة أو خدمة نفسه يتغير لونه عندما ينسلخ عنه ذلك الثوب الجميل ويبقى مجهول المصير.

يظل البطل بين رحيل لماض جميل ، وعودة لواقع مرير، وأحداث بطولته تطير حدثا بعد حدث حتى تنتهي تماما ولم يبق في ذاكرته إلا اسما واحدا فقط يردده دون وعي ويناديه وهو ملتصق به إنها ابنته الصغيرة (زهراء) التي التصقت به من السنة الثانية منذ أول حركة لقدميها وهي رفيقته في كل مكان .

تكبر زهراء يوما بعد يوم وتكبر مساحة حبها في قلب أبيها ، عام جميل فيه احتلت زهراء قلب أبيها كاملا فهو الأب والصديق .
تدخل زهراء عامها الثالث الذي جعل أباها قلبها النابض وهي قلب أبيها النابض ، بدأ الأب يفكر في إسعادها وتوفير كل ما يستطيع لتكون أفضل فتيات عصرها صحة وتعليما ومكانة ، سأضاعف جهدي معها ،فهي آخر العنقود وكل شيء من الآن لها فإخوتها قد حصلوا على نصيب الأسد ، إنهم كبار مستقلون بأنفسهم ،وهذه البقية من العمر لزهراء.

تعيش زهراء مع أبيها أحلى الأيام وأجمل الأوقات لا تنفصل عنه ، وفي الشهر الرابع من عامها الثالث ، أصابت الأب وعكة صحية أدخلته المستشفى وفصلته عن قلبه ، تعبت زهراء وهي تبكي وتبحث عن قلبها ، ويتعب الأب وهو يبحث عن قلبه وفي اليوم الثالث تحمل الأم ابنتها وتذهب بها إلى المستشفى ، وقد أخذت درسا من مرض زوجها جعلها تفكر دائما في إيجاد الحل المناسب لوضع هذه الطفلة ، فأبوها لم يعد قادرا على تحقيق مطالبها .

تصل الأم وابنتها إلى المستشفى وتمنع زهراء من زيارة أبيها ، تصر الأم وتطلب المساعدة ، يتم استدعاء الأخصائية الاجتماعية وتشرح الأم معاناة ابنتها منذ ثلاثة أيام وسبب تلك المعاناة وأنها تريد حلا مناسبا .
تعدها الأخصائية الاجتماعية بمساعدتها وعرض الأمر على الطبيب ، تصعد زهراء إلى أبيها بمرافقة الأخصائية الاجتماعية ،وترتمي على أبيها بمجرد وصولها وتمرر يدها على جميع جسده مقابل ضمة حنونة ودموع غزيرة ،تلتصق زهراء بابيها وترفض الخروج بل النزول من على صدره ، تبكي الأم خوفا من القادم وتبكي الأخصائية من الموقف ثم تذهب إلى الطبيب وتخبره بما رأت ويأمر الطبيب بنقل الأب إلى غرفة خاصة فوجود ابنته عنده يساعده على التحسن.
بقي الأب وزوجته وابنته ثلاثة أيام في غرفتهم الخاصة بعدها أفاد الطبيب عجز الأب عن الحركة وأن تحسنه بطيء ويستكمل علاجه في المنزل مع مراجعة المستشفى.

عادت الأسرة إلى المنزل بعد عجز الطب عن العلاج ، وفشل المحاولات مع زهراء ، والأم يلفها صراع شديد يمزق قلبها ويشتت أفكارها يستمر الأب على فراشه يروي بطولاته السابقة وتستمر زهراء في نومها على صدره وعبثها بلحيته ،ويستمر فشل المحاولات لاشيء يغني زهراء عن أبيها الذي ضاعت كل أحداث بطولته ولم يبق في ذاكرته إلا اسم زهراء يناديها وهي على صدره والصراع يزداد في الأسرة ويعصف بكبيرها وصغيرها .


عجزت كل المحاولات الأرضية في زهراء ورخصت كل الإغراءات في عينها ، حتى جاء الحل السماوي الذي لابد منه .. ينقطع صوت ندائه ويده في شعر ابنته ويرتفع صوت زهراء بابا ـ فيشق الكون ويخطف قلب الأم ولكنه لم يصل إلى أبيها ، تحضر الأم بسرعة شديدة وتدخل الغرفة وتعرف أنه مات فتصيح وتنزع زهراء وقلبها يتكسر مثل كأس زجاجي تناثر على أرض صلبة.

يجهز الأب لمثواه الأخير وتحضر أسرته لتوديعه الأخير فتدخل الأم تحمل على صدرها ألف جبل وجبل إنها زهراء التي تشق نداءاتها الصخور الصلبة تقترب الأم من رأسه وتجثو على ركبتيها ثم تمرر يدها على جسده وتقبل رأسه ثم ترمي بزهراء على جثته وتقول لها قبليه فلن تجديه بعد اليوم إنه الرحيل الأخير أعرف أنك لا تسمعني ولكني أقول إن زهراء على صدرك إلى آخر لحظة لك بيننا وان لها رب رحيم أسأل الله لك الرحمة ولنا ولزهراء الصبر والسلوان ، رحلت يا أمان الأسرة رحلت وقد رويت لنا قصصا جميلة وكثيرة لكن رحيلك عن زهراء وعنا هو أكبر قصة صنعتها ثم رحلت لتترك لنا روايتها .

7

بواسطة : صورة للكتاب
 7  0  1445
التعليقات ( 7 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    10-30-2010 10:28 مساءً عبدالله المباركي :
    فكر متقد وروعة قلم وأسلوب متفرد تجلت في هذا المقال الذي تعجز الكلمات عن وصفه .

    يا أستاذ محمد خليل أخترت النافذة الصحيحة للظهور البهي لفكرك واسلوبك ـ كنت أتمنى أن لا ينتهي المقال عند حد فقد إسترسلت في قراءته بلذة ونهم

    ننتظر جديدك وجديد هذه الصحيفة الخصبة التي ما انفكت عن دورها في إبراز مثقفي المنطقة بما يستحقون ، فقد أكتحلت أعيننا بجمالها ، وأعتدنا منها كل ما هو جميل .. للأمام أيها الأحبة للإمام صحيفتنا الغراء ولا تلتفتوا لتلك الأصوات النشاز .

    آجاركم الله ـ إن الكلاب إذا رأت ذا نعمة ـ نبحت عليه وكشرت أنيابها !!
  • #2
    10-30-2010 10:30 مساءً فهمي معافا :
    جميل هذا المقال ويستحق صاحبه 10 نجوم
    أعطيه زاوية أسبوعية يابدران وعلى مسئوليتي
  • #3
    10-30-2010 10:44 مساءً ناصر العتيبي :
    لمثلك نقرأ ................
  • #4
    10-31-2010 06:29 صباحًا عارف :
    أقف احتراماً أمام هذه النافذة (النافذة إلى القلب)
    كم ننتظر منك الخوض استاذنا في جديد الساحة اكثر فقلمك يعبر عن شخص عظيم خلفه ,, كل التوفيق
  • #5
    11-01-2010 12:29 صباحًا أحمد المجممي :
    مقال يستحق فيه الأخ محمد الشكر والتقدير لرواية القصة يشكل ممتاز ومنمق ومرتب وحسن اختيار الكلمات الحساسة التي تجذبنا للقراءة مرات ومرات دون ملل
    وشكري الخاص لاتاحه الفرصة من قبل صحيفة جازان نيوز المميزة لاتاحه الفرصةلمثل تلك الكتابات الرائعة.
  • #6
    11-03-2010 12:22 صباحًا أبويزن :
    كماعرفناك ياأبامعاذ،إبداع بلاحدود،لكن تواضعك الكبير يخفيك دائما،إضافة إلى كثرة أعمالك.
    أحسنت أحسنت لا أحسنت واحدة أحسنت أحسنت بعدالألف مليونا
  • #7
    11-04-2010 09:45 مساءً يحيى السبعي :
    كم أنت رائع يا أخي الكريم، رائع في اختيارك للموضوع, رائع في خيالك الواسع, رائع في التأثير, لقد دمعت عيناي تأثرا, وخفق قلبي تحسرا, وخنقتني الغصة 0