• ×

12:27 صباحًا , الأربعاء 13 نوفمبر 2019

صورة للكتاب
صورة للكتاب

"أركون" يموتُ مجدداً

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

قبل أمد يسير، كان قريبا منا جداً، الأيقونة العالمية الفكرية: «نعوم تشومسكي»، آتياً زائراً لفلسطين، ومحاضراً في جامعتين هنالك. تم منعه من قبل سلطات الاحتلال. لم يمتنع. ألقى محاضرته عبر الهواء. زار الجنوب اللبناني. صافح أرامل الشهداء، وقبل وجنات بنيهم. وعاد على متن الطائرة، إلى أمريكا، البلد الأم، حيث كوخه وزوجه بانتظاره.

ما الذي يجعل من تشومسكي، عالماً، ومفكرا، رمزا، يقسم من وقته نصيبا، للعراق، وفلسطين، وما يجري في محيط كابول، وكراتشي، هو المهموم، بالألسنية، وقضايا اللغة. مع إمكانه الاكتفاء، بمنصب المثقف الأهم ربما، كما يطلق عليه كثيراً، على مستوى العالم. في لا ارتباط واضح بهذه القضايا الشائكة، والموحلة، من دين، أو لغة، أو اشتراك مأساوي. لربما وحده المصير، بلغته الأوسع، ما يجعل المثقف مهموما، وكاتبا، وآتياً، وعائداً، بما يحدث، ولما يحدث جاريا في العالم. وسيتذكر القراء الفاعلون، والمنفعلون الآن «سارماغو»، و«سونيكا»، و«يوسا»، و«جان جنيه» -6 أشهر في صبرا وشاتيلا-، و«سارتر» أحيانا-، و«فانون» دائماً-.

بدئياً، لنلق تحية كبيرة، لكل من ينشد وعياً، لهذا العالم. سواء أكان منتميا إلينا، أم لا. يحمل اسم محمد، أو لويس. أبيض البشرة، أم أحمرها. لا يهم النوع هنا، ولا اللون، ولا الطائف الفئوي، ولا الاسم، قدر ما يهم العطاء. ولهذا، شكراً، لكل باحث جاد، ومنصف، ومبدع، ولو كان مقلدا بحثا، بحتاً، ولا جديد واقعاً، ينسب إليه.

يرحل محمد أركون، في باريس. ويدفن في الدار البيضاء، هو الذي كان غريبا أكثر في الجزائر. إن على مستوى الحياة، أو الموت. ويبقى السؤال: لماذا يغيب المثقف العربي، المغترب جسداً، وشعوراً أحياناً، عن قضاياه. أين يمكن أن نجد حراكا، أو مستوى فعليا، من التأثير، أو التعاطف، أو النصرة المعنوية، لا المادية، مع عالمبفتح اللام والباب-، ينقسم إلى فئتين، يزعم مفكرو النصف الآخر منها، بنهايته، واقعا، تحت مجدهم وأسرهم ومنتهى أمرهم. بينما ينام المثقف الآخر، في قبو البحث، الذي يراه جادا وفعالا ومهما، وهو ما ينقص، لا الترحال ولا الدوار ولا الدوران والتوهان.

ثمة ناتج آخر إثر هذا الرحيل، آت من انشغال الذين لا شغل لهم. «العابرون» الواقفون على عتبات المقابر. موزعين تذاكر الرحيل، والتقسيم، والتفرقة، ليس في الدنيا كما كان، بل وحتى في الآخرة، كما لم يكن. المشكل الأكثر: أن يكون هذا التصنيف، آت من بوابة الضوضاء، لا الضياء، التقليد، لا التقييم، السائبة، لا الصائبة. وبهذا ينخلق لدينا جيل طفيلي، لا يكون مدعواً فحسب، بل ولا يكسب زادا حتى، في عصر تحددت فيه آليات الحضور، كما هو بالنسبة لأسس الغياب.

بالعودة، إلى أركون، وإلى المنهج المتبع لديه، يشكر أن كان باحثا. مؤلفا. أثرى المكتبة بمزيد من كتب نخبوية. لكن المثار الذي يتردد، وينتج الآن، ماذا يجري بخصوص القلق الناشئ عن عدم الوصول إلى هناك، ولا البقاء هنا. ما بين غرب يرى الملكي أكثر ملكية من الملك، وشرق يرى العربي أكثر غربية من المستعمر. لهذا، كانت كلمة أركون مرة -بضم الميم والقلب-، حين قال مرة، بما يعني خسرانه الشرق، في الوقت الذي لم يكسب فيه الغرب. وبالطبع، ليست هي علائم الباحث الجاد، غير الملقي أهمية لما يثار حوله، سوى غبار المخطوطات، قدر ما هي تأزيم ضائع، في عصر يتجذر أكثر، في وجه تعولمه. انظر بقية مفكريه، المعاصرين أو السابقين. تحديدا: «بنبي» مواطنه الأصلي، وكتاب «الاستحمار» للرائع الجاد، «شريعتي». والنهايات المختلة، للرائع الآخر: «معلوف». وستجد الفارق واضحاً، وناصعا.

هل تنقصنا «العودة إلى الذات» شريعتي مجدداً-. أم تفكيكنا أكثر أمام «الغريب». في مسح كامل وشامل، لكل «جملة وكلمة وفاصلة ونقطة» بالنص الحرفي كما يقول تلميذ أركون الأكثر قربا «هاشم صالح»، بالنسبة للقرآن والسنة، إثر حادث عرضي، حصل قبل تسعة أعوام من الآن. إن هذا يشبه أن تشرح خد ابنك أمام لطمة الغريب. حتى تنظر هل يشبه ما يوجد تحته بصمات كف الغريب، أم لربما ظلمت لطمته الحنون.

مجددا ودائما: تنهار أبراج العاج، ويبقى المثقف الأيقونة الرمز، ذلك المهتم بالناس، الباحث عن آلام الإنسانية، وشكواها، لا في بياض الورقة، بل حتى في حميم أتون المحرقة.


عبدالرحمن الجوهري

johary67@gmail.com


بواسطة : صورة للكتاب
 4  0  1277
التعليقات ( 4 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    09-19-2010 09:22 صباحًا علي :
    بحكم عملي الصحفي قرأت الكثير من المواد والمقالات عن أركون.. لكن لم أرى مثل هذا المقال في القوة والثقافة واللغة.. شكرا عبدالرحمن على هذه الوليمة
  • #2
    09-19-2010 09:40 صباحًا ابو رواف :
    السلام عليكم ورحمة الله

    مقال رائع جدا ولكن لي اختلاف معك عزيزي : صحيح ان اركون ملى الدنيا بفكره في جوانب معينة وكان رائعا فيها ولكن لاتنسى انه من دعاة حظر الحجاب وليس النقاب في فرنسا ... وانا اعتبرها اعتلال كبيرفي فكره وخصوصا انه موسوم بالفكر الاسلامي ..
    هل تؤيدني؟؟

    ابورواف- الولايات المتحدة الامريكية
  • #3
    09-19-2010 12:34 مساءً هند عشيري :
    إنت والله يا أستاذ عبدالرحمن من المثقفين اللي قلت عليهم ، الذين يشاركون الناس في كل شيء ، ولا يكتفون بالبقاء في أبراج العاج والمكاتب الجامعية. وهذا نقد مرة ممتاز لأركون. وصدقني أن هذا مصير أي مثقف يشوف نفسه أرفع من الناس. شكرا جزيلا لهذه التفحة الأدبية والفكرية.
  • #4
    09-19-2010 07:25 مساءً علي عصير :
    رائع جداً.
    الله يرحم الأركون
    ويوفق الجوهري


    [1]
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:27 صباحًا الأربعاء 13 نوفمبر 2019.