• ×

06:38 مساءً , الأربعاء 23 سبتمبر 2020

محمد المنصور الحازمي
محمد المنصور الحازمي

متى يتوسل الأمريكيون والأوربيون العرب؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بدراسة متأنية وواقعية بعيدة عن التأويل يتبادر إلى الأذهان تساؤلات مشروعة ومنطقية جول ازدواجية معالجة القضايا الدولية القائمة وسأتناول قضيتين إحداهما مزمنة والأخرى حديثة لو قيست بالأولى ؛القضية الأولى رفض إسرائيل منذ عقود من الزمن الانسحاب من الأراضي الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية واستكمال انسحابها من جنوب لبنان وإعادة الجولان لسوريا ، والآن ورغم القرارات الدولية، و انتهاء بالمبادرة العربية التي أجمع عليها العرب في قمة بيروت عام ألفين واثنين ميلادية ، وقرارات اللجنة الرباعية ومن ثم قيام إسرائيل بشن حربين على لبنان وغزة .

في وقت خيل للعرب بقرب التوصل لسلام على الأقل بعد انسحاب إسرائيل من قطاع غزة ؛ أتدرون لماذا لم تذلل الصعاب وتنجح كل المفاوضات مع إسرائيل ؛ السبب هو أن الطرف الوسيط أميركا والغرب لم يظهروا التزامات جدية لقناعاتهم أن العرب ليس لديهم ما يخيفون به اسرائيل ، ولتخلفهم التقني والصناعي والتعليمي ولا يمتلكوا نفس عناصر القوة التي لدى إسرائيل ، نتيجة أن البديل لفشل جهود السلام تقديم تنازلات لإسرائيل حتى يمكنهم من إقناع الدولة العبرية باستئناف جهود السلام .

القضية الثانية التي ظلت أميركا ودول الاتحاد الأوروبي مهتمة بها لا يقارن بقضيتنا العربية من ناحية درجة الاهتمام وأن الطرف الرئيس فيه هو إيران ؛ فعلى مدى ثلاث سنوات متواصلة أو أكثر باجتماعات متلاحقة ومواضيع مكررة حول برنامج إيران النووية ،وبعد عشرة أعوام من التهديدات الغربية والأميركية والاسرائيلية ، تتحول لعقوبات في الأصل يعلمون نها لن تثني إيران ولن تتضرر منها ، واتضح انها لم تتضرر منها بل ازداد نفوذها ، بالتزامن صعدت من نشاطاتها في المجال النووي ، مع وزيارات تفتيش لم تثمر عن الوصول لأسرار إيران النووية ، بل أن الوكالة الدولية للطاقة النووية لم تجزم بأي من تقاريرها بتوصلها لأي معطيات تنفي أو تثبت توجه إيران عبر برنامجها النووي لصناعة أسلحة نووية بل مجرد استنتاجات غير قاطعة ؛ فحواها أن الوكالة ليس لديها اليقين بنوايا صناعات عسكرية نووية ؛ بل أن البرنامج للاستخدامات السلمية .

ووفقاً للمعطيات التي لدى أميركا وحلفائها الأوروبيين غير ما لدى وكالة الطاقة الذرية التي ترفع تقاريرها عن المنشآت التي صرح لها الايرانيون ووافقوا أن تزورها البعثات المتلاحقة ، لو قورنت المعلومات التي لدي أميركا بما كان يشاع عن العراق حين هوجم لمجرد إشاعات ، لكانت هاجمت إيران لكنها لم ولن تهاجمها ما دامت لديها ضمانات أن إيران ليس بواردها مهاجمة إسرائيل أو قواتها الموجودة بالمياه الدولية بالخليج والبحر الأحمر وبحر العرب وإمداداتها النفطية لن تتعرض لها بسوء .

وبمعزل عن تقارير الوكالة الدولية التي مكثت شهورا طويلة وهي تتفحص كل متر مربع من العراق والنتيجة لم تعد خافية على أحد. مع الحالة الإيرانية أصبح الغرب وأميركا يقدمون التنازلات المتتالية لإيران التي تتظاهر بقبولها ما تلبث أن ترفضها وكلما بجعبة أميركا والغرب هو التلويح بتشديد العقوبات لذلك يتوددون للمفاوضات معها وما أن تبدأ المفاوضات إلى أن تنتهي والموقف الإيراني يعيدهم للمربع الأول ومهلة تلي مهلة ، إلى بدأت مفاوضات سرية اميركية إيرانية ، تقوم على مبدأ عدم نية أميركا بمهاجمة إيران ، والافراج عن الأرصدة المجمدة منذ احتجاز طهران للبعثة الدبلوماسية بسفارتها ، مقابل إطلاق يدها في سوريا مع وضع خطأ احمر بعدم العبث بالأمن الاسرائيلي ، وغض الطرف عن تدخلها عسكريا لكسر شوكة الثوار السنة في سوريا مع استمرار الاعلام والاعلام المضاد لتضليل العرب عما يحاك في الخفاء .

السبب في هذا التدليل لإيران والحاق سوريا بمنطقة نفوذها بالعراق يعود إلى انتهاج إيران استراتيجية قوة تتمثل بنفوذها عبر أذنابها بالمنطقة العربية ، وصناعاتها العسكرية التقليدية والمتطورة والقطع البحرية ، وصناعة طائرات بدون طيار ، وما تخطط له من امتلاك سلاح نووي يترافق مع قوتها الصاروخية وصناعاتها العسكرية المتطورة وتنوع ثرواتها المعدنية ووفرة المياه لديها ، وعناصر قوة ونفوذ في كثير من المناطق الساخنة من أذربيجان إلى العراق واليمن ولبنان وباستطاعتها تعكير مناطق أخرى .

فأميركا والغرب يحسبون ألف حساب لمن يمتلك القوة ويجهدون في إرضائه ، بعكس الوضع العربي الذي يتقوقع داخليا, وزاد تشرذما مع ما سمي بالربيع العربي ، ويختلفون على أبسط الأمور فنرى قرارات القمم العربية على هشاشتها وتكرارها ، لا تزال تمضي فترة طويلة لصياغة البيان الختامي ، وكأن البيان سيكون له صدى دوليا ، ومن جانب آخر ما أنجزه العرب بما سمي بالمبادرة العربية إن لم تدعمها قوة رديفة تضاهي قوة إيران وقوة إسرائيل لن يتحمس لها الأميركيون والغرب عموما، ودليل ذلك محاولات الالتفاف عليها بخارطة طريق واللجنة الرباعية للارضاء اسرائيل ومع هذا ضربت بها عرض الحائط.

و متى ما وُجِدَ لدى العرب دولة قائدة تتوفر على عناصر قوة أو وفقا لمشروع عربي موحد يضاهي المشروعين الإسرائيلي والإيراني ، بالإضافة للثبات على المبادرة العربية والتلويح كما أشار الملك عبدالله بقمة الكويت أنها لن تبقى تنتظر موافقة إسرائيل عليها.. بالطبع نستبعد شن الجيوش العربية حربا على إسرائيل كبديل لرفض إسرائيل وعدم جدية أميركا بتبنيها خاصة وهي لم تستطع حتى تمرير خارطة الطريق أو ورقة اللجنة الرباعية ، ومتى ما امتلك العرب بالمستقبل القريب عناصر قوة تعادل ما لدى إيران وإسرائيل لن يجدوا من الغرب واميركا بالخصوص أن تعمل بجدية واستمرارية لإقفال ملف الصراع العرابي الإسرائيلي... لاسيما وأن إسرائيل وإيران لم يخفيا عداءهما للعرب بل ويجسدان ذلك يوميا على أرض الواقع..

حان الوقت ليفكر العرب في تبني خطط استراتيجية تمكن لهم أن يحترمهم ويحسب لهم العالم حسابا وعن بلوغ هذا الهدف سيتحقق توازن الرعب وبالتالي سيضطر الغرب وأميركا بالذات لمراجعة مواقفهم التي يسرعون بها ما يحقق السلام بالمنطقة وبالتالي لن يستمروا في ممالأة إسرائيل وإرضاء إيران على حساب العرب وقضاياهم .وبحسبة بسيطة كم اجتماعا عقدته مجموعة 5+1 مع إيران خلال عشر سنوات على الأقل , بالجانب الآخر ،كم اجتماعا بخصوص القضايا العربية بغض النظر عن درجة الجدية والمتابعة والتغطية الإعلامية.

ينتظر المواطن العربي ، وعلى الأقل بالوقت الحاضر ،من دول الخليج وعلى رأسها السعودية أن تصحح علاقاتها مع بعضها البعض وتمضي بمقترح خادم الحرمين الشريفين بتصعيد مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست إلى اتحاد يشمل الاقتصاد والدفاع والعلاقات الخارجية كما هو الاتحاد الأوروبي، وأن تدرك قياداتها أن هذا الاتحاد ليس لأنظمة قائمة فتضع بعضها العصي في "الدواليب" بل عليها أن تدرك أنها دول من نسيج واحد ، شعبا وأرضا ومصالح مشتركة , وتبقى لكل دولة سيادتها ، ومع الصبر والتصميم على بلوغ الهدف المشترك ؛و ليس مستحيلاً الاتفاق على قيامه ، بل يحتاج إلى جهود مضنية تبدأ بالقناعة أنه لا يستوي وجود خلافات سياسية عميقة .

و مع آمال أكثر من خمسين مليون خليجي التي تتعشم وهي محقة ، ومع آمال الأجيال التي لم تأتِ بعد ، تستحق بناء مستقبل خال من الأنانية والفوقية وفقا إلى تبني خطط استرا تيجية تتضامن مع البعد المصري واليمني والأردني لتكوين لتشكل مظلة عربية رادعة بالمستقبل ، وتاليا يتوسع ليشمل استراتيجية عربية واحدة من المحيط إلى الخليج ، لكن كيف ؟ بنهضة صناعية مدنية وعسكرية ، وبحثية وتعليمية وتدريبية شاملة وما ذلك بمستحيل إذا ما نظر القادة للمستقبل البعيد ومصير الأجيال القادمة فهم المؤتمنون على مصيرهم .

ومتى ما نهضت خطط استراتيجية ليصل العرب لتوازن اقليمي مع اسرائيل وإيران ، عوضا عن التركيز على خطط تكتيكية ،والقضاء على التصرفات الأنانية المتمثة حاليا بأن تشذ دولة وتساهم اعلاميا ولوجستيا بدعم حركات مناوئة لأنظمة دول أخرى ، فإن لم ترضخ لرأي الأكثرية فلا بد من أن يكون الكي آخر العلاج ، ولكن لا نتمنى ذلك ،
والخاصرة الثانية بالجسد العربي النظام السوري بأن تشكل عليه ضغوطا عربية صرفة ، وذلك متى ما تحققت استراتيجية تنفذ على الواقع تتنهي النفوذ الايراني ؛ وسياسيا واعلاميا بما ويقنع إيران بأن لا تتجاوز حدودها ،وتجعل من اللاعبين الكبار بالعالم يحسبون للعرب حساباً كما هم يحسبون لإيران ولإسرائيل حسابا.

قد يقول قائل أن تلك أوهام و أحلام وأمنيات مستحيلة ؛ اذكرهم بواقع دول أوروبا الشرقية السابق والتي أنهت النفوذ الروسي على نصف القارة الأوروبية ، ومن جانب آخر سيكون على إسر ائيل ومن خلفها أميركا وأوروبا أنت تقرر تنفيذ الاتفاقيات والقرارات الدولية وسترضخ إلى ما يستند عليه العرب خلافا للوضع الحالي المترهل ، وإلا فالبديل تعلمه وتعلم أن توازن الرعب موجود .. بدون ذلك ستظل المنطقة تتلاعب بها الأطماع وفرض السياسات القائمة حالياً على تهميش القضايا العربية و الانغماس في العبث فيها إلى أبد الآبدين .

 0  0  1198
التعليقات ( 0 )