• ×

09:05 مساءً , الإثنين 28 سبتمبر 2020

صورة للكتاب
صورة للكتاب

مول صامطة العظيم !

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

مول صامطة العظيم !

حين تنقص المعرفة في كيان ما، يكون التغيير اجتثاثيا. وبين الجهل والاجتثاث، موازاة متذجرة. إذ كلما رقيت أمة، أو دعوة، أو رسالة، أو ثورة، كلما جاءت لتتمّم مكارمَ الذين سبقوا، وخير دليل، هذا القول العظيم من سيد البشريّة أجمع. الجاهل يخاف فيجتثّ، أو لا يعرف فيجتثّ أيضاً. والإنسان عدوّ ما يجهل.
والاجتثاث لا يعني البت الفكري أو القولي، أو الجانب المعنوي من الأمر، قدر ما يجيء أيضاً، في الجانب الحسي الماديّ. انظر إلى ما تفعله جيوش الغزاة البرابرة بأي مكان، تجد هذه المسحة الاجتثاثية، ثيمة كبرى، في كل اجتياح لها، على مستوى المكتبات، أرقى دور القداسة الدنيوية، في أي حضارة، انظر ما فعله الصليبيون في الأندلس، وما فعله المغول في العراق. المغول الجدد خصوصاً، وبيت "جبرا ابراهيم جبرا" أخيراً.

هذا المدخل، جاء به إلي، ما قامت به بلدية صامطة أخيراً، باغتيال بقايا تاريخ ممتد لعشرات الأعوام الطويلة، لما يعرف بـ"سوق الاثنين"، المكان المملوء بيعا وشراء وتاريخا وشجارا ونصبا ونهبا وحبا وودا وصراخا وهتافا وأشعاراً وإشهارا ومجمع لكلّ أمور القبيلة القديمة، والحديثة حتى أمر هذا المول الجديد.

لا لتعطيل التحديثات في أي مكان. بل إن جازان ينقصها عمر ضوئي كبير من التحديث، على مستوى الطرقات والبنايات والمخرجات والبنى التحتية والفوقية حتى. ولا لمنع أي تغيير إيجابي جميل، ولا للحول ضد إقامة أي مشروع يخدم المكان، أيا يكن هذا المكان، قداسة وتاريخا وعراقة. لكن لا لاغتيال حضارة يشاهدها جيل لا يعرف من أي جاءت وجاء.

يبدو الأمر شاعرياً للبعض، تافهاً، ومعوقا للتنمية. لكنه مبدئي ارثي متجذر للبعض الآخر. به يرى عيني أبيه العابر هذا المكان كلّ يوم سوق، وبه يرى ما باع واشترى عبر نصف قرن من عمره، وبه يرى جمالاً لا يمكن أن تطمسه أرقى أنواع التحديث الآتية جنوباً متأخرة بفارق أعوام كبيرة.

خذ نموذجاً للتحديث، للتسويق خصوصاً، للسوق القديم، حين يكون أنموذجاً لحداثة تفغر لها أفواه السائحين الغربيين خصوصاً، بوصفهم قاطنو بؤر الحداثة في العالم، سوق "واقف" في قطر. انظر إلى جماليات المكان القديم، تزهو وسط بنايات زجاج العالم الجديد. لا اجتثاث ولا استئصال. لا قطع لأرحام التراث المترع بالذكريات، ولا إبقاء لأكوام الغبار، وركام النفايات. تسويق مثاليّ في تحديث المدينة، وتخليد القرية على حد سواء.

السوق القديم في دبي مثلاً. السوق القديم في الرياض. نماذج مثلى، للإبقاء على التراث، بدلاً من الانصياع لقوة الرزم المطروحة في المناقصات، واجتثاث الجمال الموروث من المكان، لفرض الجمال المفروض على المكان والزمان.

إن مرأى "شيول"، يدك تاريخ مئات الأعوام، في عشرات الدقائق، مزر ولا يليق بأنظار الرجال المتعبين، أولئك الذين زرعوا هذه الأرض بأرواحهم، وسقوها بعرق جباههم.

ليقم السوق يابلدية صامطة، المول العظيم أقصد. ليستفد المقاول، والتجار الكبار، ووكلاء الماركات. وليذهب أصحاب البسطات، المواطنون الكادحون، أبناء المنطقة، إلى أرصفة جديدة ومجهولة، ليكونوا عاطلين، لأنّ العمالة الأجنبية، ستحلّ للبيع في الدكاكين المكيفة، ولأنه سيكون لنا سوق كبير وجديد، نباهي به المحافظات الأخرى. لكن من يعطيني إجابة لطفل يولد الآن، أو قبل عشر سنوات من الآن، يسأل عن امتداد هذه المدينة القديمة، وأين يوجد وسط البلد القديم، كما هو في كلّ مدن وبلدان العالم الحديث.


عبدالرحمن الجوهري - johary67@gmail.com

بواسطة : صورة للكتاب
 4  0  1738
التعليقات ( 3 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    08-09-2010 01:12 صباحًا م.موسى :
    أنيق كعادتك..
    التراث هو مايميز كل بقعة موجودة في هذا العالم, وبقعة صامطة يميزها هذا السوق الذي قد يكون في نظر البعض مجرد سوق يباع ويشترى فيه, ولكن لأهل صامطة أكبر وأرقى من مجرد سوق فهو تراثهم , منذ أن ترعرعوا وهم يشاهدونه فهو مماورثه لنا أجدادانا
    لكن هل تتوقع التغيير بهذا المقال؟ .. نتمنى ذلك .
  • #2
    08-09-2010 03:05 مساءً ابو علي :
    البكاء على الاطلال من صفات العرب0 اليس كذلك؟
  • #3
    08-10-2010 04:30 مساءً عادل :
    مبدع والله
    هذا المقال يحتوي على الثقافة والفكر والأدب.. مبدع يا أستاذ واتابعك دائما في عكاظ