• ×

02:00 صباحًا , الثلاثاء 29 سبتمبر 2020

ناقد
ناقد

!!خليل .. ومزمار الكلباني

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
كان لدى \"خليل\" كمّ هائل من أشرطة الكاسيت التي لا تحتوي سوى صوت \"المزمار\" لأشهر الزّمارين في المنطقة أمثال \" دعشوش \" و \" ومحه\" وآخرين من خارج المنطقة ومن اليمن الشقيق .
كان لا يعشق من الغناء سوى صوت المزمار!!

فإن كان خير صديق في الزمان \"كتاب\" فقد كان هذا القول لدى \"خليل\" محرف قليلاً [ خيرُ صديق في الليل \"مزمار\" يصدح بنغمة \"الحزينة\" والمرواح من [ روح : عاد لبيته من بعد غيبه ] وكثير من المسميات ذات العلاقة بالنوتة المزمارية لدى عشاقها لا يحضرني أسماءها الآن .

ظل خليل على هذا الحال زمناً طويل ، يصطحب مسجله وأشرطته \"المزمارية\" ليلاً بعد منتصف الليل ليحط رحالة في \"الخلاء \"وسط الوادي على مشارف قريته ، ويطلق بعدها العنان بأعلى صوت ، لمزاميره وزمّاريه ، حتى وقت متأخر من الليل .

كثير من أبناء القرية في ذلك الحين ، كان يروق له ذلك الصوت ويطربون له ،لكنهم لا يجرؤون على الذهاب إلى حيث يجلس خليل وحيداً ، فخليل لا يرغب أن يجالسه أحد ، ويفضل أن يقوم ببثه الأثيري \"المزماري\" ليلاً حسب هواه وليس حسب هوى من يجالسه .

قلة من الناس المتشددة ممن يرون أن خليل يقترف ما يعدونه مخالفة شرعية ، بسماعه للمزمار ،كانت تتأفف من تصرفاته تلك ، وتقذعه سراً وعلناً بنعوت مبتذلة منها على سبيل المثال لا الحصر ، هذا \"هبل\" [ مجنون] هذا فيه مَسْ ، داشر ..... إلخ

كُل ذلك لم يردعه عن هوايته اليومية [ الليلة] لكن إدمانه ، جعله ينصرف عن كل طموحاته المستقبلية ، شأنه شأن شباب الحي الذي اصبح منهم المعلم والمهندس والدكتور ، والعسكري والضابط .

عندما أحس خليل بأن مستقبله سيضيع وسيفقد الفرصة في الحصول على وظيفة توفر له لقمة العيش وتأمن مستقبله ، وبعد نصائح من أحبائه وأقرباءه ، قرر السفر إلى أخيه الضابط في جده لكي يبحث له عن وظيفة ، وبطبيعة الحال كانت الأولوية للأشياء التي سيأخذها معه في سفرته تلك [ مسجله ومزاميره [أشرطة الكاست ].

وغادر قريته في الرابع عشر من شهر شبعان 1406هـ متوجهاً إلى أخيه في جدة .
قدم شهر رمضان المبارك في تلك السنة ، وكان بجوار مسكن أخيه مسجد كبير يؤم الناس فيه قارئ قد وهبه الله حُسن الصوت والتلاوة الخاشعة المؤثرة .

فتأثر خليل كثيراً وأعجب بصوت القارئ ، وكان أول الحاضرين وأخر المغادرين في صلاة التراويح في ذلك المسجد .
غلب على قلب خليل حبه لذكر الله بصوت ذلك القارئ ، وبدأ حب سماع آيات القرآن الكريم بصوت ذلك الشيخ ، يغلب على جنونه بالمزامير وأصواتها ، فقرر تغير المادة التي تحتويها أشرطته بتلاوة ذلك الشيخ الذي لا يمل من سماعها خليل .

وفي تلك الليلة فكر بحمل جهاز التسجيل الخاص به ، معه للمسجد لتسجيل قراءات الشيخ على أشرطة المزامير [ أحلال وإبدال ] عرض الفكرة على أخيه فرحب وشجعه على تغير كافة ثروته \"المزمارية\" بالثروة الإيمانية .
حضر بصحبة أخيه وتقدم حتى وصل لمنبر الإمام ، بعد أن رتب كل شيء ، فقام بلف الشريط إلى بدايته ، لكي يأتي التسجيل الجديد على كل ما يحتويه الشريط ولا يبقى أثر للمزمار .

أنتظر ريثما بدأ الإمام في صلاة التراويح ، وتقدم لضغط جهاز التسجيل ، ومن عجلته وفرحته بالخطوة الأولى لم يتسنى له التأكد من قيامه بالضغط على الزرين معاً [ زر التسجيل وزر التشغيل ]
ومعروف أن بداية أشرطة الكاست تبدأ بمساحة بيضاء [ من دقيقة إلى دقيقتين ] يتبعها الشريط الممغنط والذي به أيضاً مساحة بسيطة فارغة .
وكبر الإمام وأمنوا المصلين ، ومع بداية تلاوة الشيخ للآيات ، صدح صوت المزمار في المسجد بكل قوته حتى غلب على صوت الإمام في داخل المسجد وفي الحي !!

توقف الإمام عن القراءة ، وخليل في موقف لا يحسد عليه ، فلا هو قادر على التقدم وإسكات المسجل ، ولا هو كذلك قادر أن يستجمع قواه العقلية لكي يهتدي إلى ما يفعل ؟؟
تقدم أحد المقميّن من الجنسية الباكستانية وكان قد رأى خليل وهو يضع المسجل ، وأخذ المسجل بعد إقفاله ، ثم قذف به أمام خليل متلفظاً عليه بالقول جازماً :[ إنتي مجنون ]
حمل خليل المسجل وخرج من المسجد مسرعاً أمام سُخرية الجميع ونظرات الاشمئزاز ، وبعض التمتمات من قبل بعض المصلين .
كان يتمنى لو تنشق الأرض وتبلعه ـ وهو في الطريق كان يفكر في أمر واحد وهو مغادرة جدة [ فقد ضاقت عليه جده بما رحبت ] لكنه لا يستطيع قبل عودة أخيه من المسجد ليأمن له طريق العودة .

وفي الوقت نفسه كان خجلاً من مقابلة أخيه الذي يعلم نواياه الطيبة ، وسوء الحظ الذي وقع فيه خليل ، لكن ما هون الأمر على أخو خليل أن أحداً من الحي لم يكن يعرف أن ذلك المجنون حسب وصفهم يمت لحضرة الضابط بصلة .

عاد الأخ للبيت وعاد خليل لقريته وغوايته بالمزامير بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من تطليقها للأبد .. لكن أصبح يسمعها بصوت منخفض وبحجرته متى رغب في ذلك ،حتى لا يكفره الناس أو يصفونه بالجنون مجدداً .

واليوم وبعد فتوى الشيخ المقرئ الكلباني بجواز الغناء والاستماع إليه بكافة إشكاله وأنواعه .

هل يحق لـ \"خليل\" وعلى ذمة الشيخ الكلباني في فتواه الجديدة ، رفع قضية ضد كل من أتهمه وعابه وتسبب في فقدانه وظيفته ، فقط لكونه عشق صوت المزامير ؟!!

ناقـــد


كرماً من هيئة تحرير الصحيفة [ لقد فقد بانر زاويتي \"شظايا\" ] وأرجو عمل بانر أخر والله يعينكم ويثيبكم .

بواسطة : ناقد
 9  0  1840
التعليقات ( 9 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    06-20-2010 02:56 مساءً هيمو :
    عودا حميدا لهذه الزاويه الجميله
    كلام جميل واسلوب نقدي راقي
    تحياتي لك ولقلمك الرااااائع
  • #2
    06-20-2010 03:14 مساءً المشرف صالح القيسي :
    سأضع تقييم بأعلى درجة لهذا الإبداع
  • #3
    06-20-2010 03:34 مساءً عبدالله الحقبــان :
    أخي الكريم ناقد كل الشكر والتقدير لشخصكم وفكركم و قلمكم لكم خالص تحياتي وتقديدري .
  • #4
    06-20-2010 05:05 مساءً الرياض :
    ياشيخ ناقد
    آسرني الأسلوب ، ناهيك عن الغاية التي تريد إيصالها ، فقرأت عشر مرات لجمال أسلوبك في التعاطي والطرح ، ومثلها للحفظ

    لم تعد جازان نيوز مسألة تجميع أخبار أو صناعتها بهويتها بل أصبحت تقدم لنا كتاب في قمة الروعة فكراً وفلسفة وأسلوب .
    أذكر منهمعلى سبيل المثال لا الحصر
    محمد المنصور ـ صالح القيسي ـ عبدالعزيز وجابر الريثي ـ على أحمد الحازمي ـ وفهد بن محمد ـ د. مدبش ... وأخرون لا تحضرني أسماءهم الآن فاليعذروني

    أقسم بالله أن لا صحيفة بدون كتاب مهما كانت أخبارها طازة وحصرية ، ولم أرى في الصحف الإلكترونية ما أراه هنا في جازان نيوز ـ صالح ـ فهد ـ ناقد سنظل نتظر جديدكم صباح كل سبت وأحد وأربعاء .


    متى تكتمل الرصة ياحسن البراق
  • #5
    06-20-2010 05:08 مساءً عبدالرحمن :
    عام 1406 ما قد وصل المد الصحوي المتنطع لمنطقة جازان وكان الناس يستمعون للمزامير والموسيقى والأغاني بكل أريحية ولا أحد يستغرب أو يستنكر على أحد سماع ذلك أو يصفه بالمجنون أو يحتقره ويحاصرة ولا أحد يتدخل في خصوصيات الآخرين...على العموم القصة رائعة
  • #6
    06-20-2010 08:10 مساءً hodaar :
    صراحة حزنت على الموقف المؤلم الذي وقع له في حده ، والمفروض كان يطخ الباكستاني بمطبق يقلب وجهه 0 كنت حاط نغمة الجوال عندي مزمار ، وكلما اتصل واحد بي زمر جوالي والناس تنظر لي وأنا مهمني أي منتقد ، مرة رايحين عمرة في رمضان فطرنا في الوسقة قدموني أصلي بهم وأنا في التشهد الأخير اتصل أولادي يطمنوا علي فزمر جوالي وأنا بسرعة سلمت وقفلت الجوال قال واحد من المأمومين كنت بولش يا خي وأنا مدري يوم سمعت المزمار 0 قلت له ليتك ولشت !! ضحكنا وخرجنا 0 نحن نحب المزمار هنا في جازان ولا يلهينا عن ذكر الله ، لكن البعض متشدد زيادة هم اللازم بس غاشني أن صاحبنا ما طخ الباكستاني بمطبق يخليه يرى إسلام أباد من جدة 0
  • #7
    06-21-2010 03:02 صباحًا إكة سبيت :
    القصه رائعه واكثر من رائعه ومغزاها نبيل

    لكن


    الكلباني يقول اسمع اغاني وزمر زي ما تبغى _مجازا _ لكن ماقال حتى في المسجد

    عموما الكلباني افتى ببصيرته والمؤمن اذا ما لقي من يفتيه فيستفتي قلبه



    لا عدمتك
  • #8
    06-21-2010 11:20 صباحًا ابوحسن :

    وقفت هنا وكلي اعجاب بروعة كتاباتك

    فعلا للابداع رجال وانت منهم ياناقد


    وكما ذكر اخي الذي رمزالى اسمه بالرياض انتم وقود جازان نيوز نجد معكم من الجمال

    مالا نجده في صحف لها من العمر اضعاف اضعاف هذه الصحيفة فإلى مزيد من النجاحات

    تحيتي لكم جميعا والى الأمام

    دمتم ودام ابداعكم

    علي يحي مدبش
  • #9
    06-22-2010 10:23 صباحًا أبو يحيى :
    رائع رائع رائع
    طرح راقي وأسلوب مميز
    ولكن ماذا حصل بعد ذلك لأخينا خليل ؟
    وهل مازال مع مزاميره ؟
    عموماً رأي الشيخ الكلباني لا يلزم به أحداً !
    ومن ابتلي بحب الغناء وسماعه لا يهتم بفتوى إباحة أو تحريم !
    والرفق ما كان في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه
    سعدت والله واستمتعت بمقالك
    فلك مني خالص الود والتحية