• ×

11:57 صباحًا , الإثنين 5 ديسمبر 2022

مهدي جدُّه حكمي
مهدي جدُّه حكمي

اُخْتُطِفَتْ لَمَى ؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لَمَى فَتَاةٌ وَسِيمَةٌ مُتَوَسِطَةُ الْجِسْمِ ، تَبْلُغُ مِنَ الْعُمْرِ ثَمَانِيَ سَنَوَاتٍ ، تَعشَقُ اللَّعِبَ مَعَ زَمِيلاتِها فِي الْمَدْرَسَةِ وَخَارِجِ الْمَدْرَسَةِ .

وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأيَّامِ - وكالمعتاد - اِسْتَأْذَنَتْ لَمَى مِنْ أُمِّهَا ؛ لِتَلْعَبَ مَعَ زمِيلَاتِها فِي الحَيِّ المُجاوُرِ .

غَرَبَتِ الشَّمسُ ، وَلَمْ تَعُدْ لمَى فِي الوقتِ المُحدَّدِ لَها !
أَخْبَرتْ أُمُّ لمَى زَوْجَها محمدًا بِأنَّ اِبْنَتَهُمْ تَأخَّرَتْ كثيرًا !

اِنْطَلَقَ وَالِدُهَا مُتَرجِّلًا للبحثِ عَنْهَا ، وأخذَ يَجُوبُ الشَّوَارِعَ شَارِعًا شارِعًا ، والْمَنَازِلَ مَنْزِلًا منزِلًا .

كَانَتْ لَمَى وَاقِفَةً عِنْدَ تَقاطُعِ طَرِيقِ السَّيَّارَاتِ ، شَاهدَها رَجُلٌ فوقفَ بِجانبِها ! ثُمَّ قالَ لَها : مَا اسمُكِ ؟
قَالتْ : اِسْمِي لمَى .
نَظَرَ إليْها نَظْرَةَ إعْجَابٍ وَحَدَّثَتْهُ نفسُهُ الأمَّارةُ بالسُوءِ أَنْ يَخْتَطِفَها !

قَالَ الرَّجلُ : أَنَا جَارُكُم أبو أحمدَ ، لَقَدْ أرسلَنِي والدُكِ للْبحثِ عَنْكِ !
لِماذَا تَأخَّرْتِ عَنِ العوْدَةِ يَا لمَى ؟
قَالتْ : إنَّ الطّريقَ مُزْدَحِمٌ بالسَّيَّاراتِ ولَمْ أسَتَطعْ المُرورَ .
قَالَ الرَّجلُ : هيَّا اركَبِي ؛ لأوصلِكِ إلَى منزلِكُم .

رِكبتْ لمَى مَعَ الرَّجُلِ ، وأخذَ يَسْألُها عَن أشياءٍ خاصَّةٍ بعائلتِها ، وفِي أثناءِ المُحاورةِ لَمَحَ جَوَّالًا فِي يَدِها ، فقالَ لَهَا : إنَّ جوالَكِ هذا قديمٌ ولا يليقُ بكِ أيتُها الحُلوة .
هَشَّتْ لمَي وقالتْ : لقدْ وعدَنِي أبي أنَّهُ إذا صُرتُ مُتَفوِّقةً ، سيذهبُ بي إلى السُّوقِ وسأختارُ الجوالَ الَّذي يُعجبُنِي .
قالَ الرَّجلِ : هلْ أصبحتِ متفوِّقةً ؟
قالتْ : بالتَّأكيدِ .
قالَ : سَأُحقِّقُ حُلمكِ الآنَ .
فَرِحتْ لمَى وقالتْ : شكرًا يا عمُّ .

أوْقفَ الرَّجلُ سيارتَهُ وقالَ لِلمَى : هيَّا مَعِي لتختارِي الجوَّالَ الذي تتمنيهِ .

نَزلتْ لمَى معَ الرَّجلِ لأقربِ محلِّ جوالاتٍ ، ثُمَّ اختارتْ جَوَّالًا وحاسبَ البائعَ علَى عَجَلٍ .

عَادتْ لمَى إلَى السَّيارةِ وَهِيَ فَرِحَةٌ مَسْرُورةٌ ، ثُمَّ قالَ لهَا : هلْ مِنَ المُمْكنِ أنْ تعطينِي جوَّالَكِ ؟
قالتْ لمَى : إِلَيْكَ ، فَلا حاجَةَ لِي بِهِ .

تَناوَلَ الرُّجلُ الجوَّالَ وقالَ لِلمَى : اُقْعُدِي فِي السَّيَّارةِ ؛ لأنَّ والدَكِ قالَ لِي : اشترِ عَشاءً قبلَ أنْ تأتيَ ، انتظرِي حتَّى أعودَ .

اِبْتَعَدَ الرَّجُلُ عَنْ مَرأَى لمَى ، ثُمَّ بَدأََ يبحثُ فِي جوَّالِها حَتَّى وَجَدَ اِسْمَ (أبي الغالي) ، فاتَّصلَ عليهِ !
رَنَّ الجوَّالُ عِنْدَ وَالدِها ، حَدَّقَ ، فإذا بِلمَى تَتْصِلُ ، فقالَ : أينَ أنتِ يَا لمَى ؟
صَمَتَ الرُّجلُ هُنَيْهَةً ثُمَّ قالَ : أأنتَ وَالِدُ لمَى ؟
قالَ : نعمْ .
قالَ الرَّجُلُ : لمَى عندي ! وَلَنْ تراها إلَّا إذا فَدَيْتَها بمليونٍ .
تلعثمَ محمدٌ ثُمَّ قالَ : اتقِ اللهَ يا رجلُ ...

أقفلَ الرَّجلُ الجَوَّالَ ، وأخذَ مِنْهُ الشريحةَ ، ثُمَّ وَضعَها فِي عُلبةٍ صَغِيرةٍ ، ثُمَّ غلَّفها بعازلٍ خاصٍّ ؟

ذهبَ الرَّجُلُ إلَى أرضٍ فَدْفَدٍ وحَفَرَ حُفْرَةً ، ثُمَّ وَضَعَ الشَّرِيحَةَ المغلَّفةَ فِيها ودفنَها .

اِصْطَلَى فُؤادُ أبي لَمَى ، وأخذَ يُصَفِّقُ بِيديْهِ ويحوقلُ ، ولمْ يُدركْ بنفسِهِ حتَّى وَقَعَ مغميًا عليهِ .

وَبعدَ بُرهةٍ ، رَنَّ جوالُ أمِّ لمَى مِنْ رقمٍ غريبٍ ، فَتحتِ الخطَّ ، فقالَ لها : السَّلامُ عليْكُم ، معكِ مستشفى المدينةِ ، هَلْ أنتِ زوجةُ محمدٍ ؟
قالتْ : نعمْ .
قالَ : زوجُكِ في الطوارئِ وهو بحالةٍ جَيِّدةٍ .

أَخْبرتْ أمُّ لمَى إخوتَها وإخوةَ زوجِها بِذلكَ ، تقابلَ الجميعُ في مُستشفى المدينةِ ، وشاهدُوا أبا لمَى فِي سُباتٍ يَئِنُّ ويَهْذِي ، حَزِنُوا عليهِ ودَعوا لَهُ .
خرجَ الكلُّ إلَّا زوجتَهُ أبَتْ وأصرَّتْ علَى البقاءِ مَعَهُ .

كانَ زوجُها يُوَشْوِشُ وَيُرَدِّدُ كلمةً ؟
ظلَّتْ مُصغيةً ومُنصتةً ؛ لتعرفَ ما يتفوَّهُ بهِ .

لَمْ تستطعْ التَّوَصُّلَ إلى تلكَ الكلمةِ ، فقامتْ أمٌّ لمَى وصلَّتْ ركعتيْنِ ، ثُمَّ رفعتْ يديْها تدعُو مُرَدِّدَةً : سُبحانَ اللهِ (عشرُ مرَّاتٍ) ، والحمدُللهِ (عشر مرات) ، واللهُ أكبرُ (عشر مرات) ، وقالتْ : اللهُمَّ يَا مُفَهِّمَ سليمانَ فهمنِي ويَا مُصَبِّرَ أيوبَ صَبِّرنِي ...

وبعدَ الدُّعاءِ فَطِنَتْ بفضلِ اللهِ ، وعرفتْ أَنَّهُ كانَ يُرَدِّدُ : لمى لمى ...
اتصلتْ بأخيها عمرَ وقالتْ لَهُ : هلْ ابنتي لمَى عندَكُم ؟
قالَ : لَا .
قالتْ : أرجوكَ ابحثْ عَنْها ، وإذا وجدتَها ابْقِهَا عِندَك حتَّى يتحسَّنَ زوجي محمدٌ .

وفِي أثناءِ حديثِها معَ أخيها رَنَّ جوالُ زوجِها ، فنظرتْ إليهِ ، فإذا باسمِ لمى ، فتحتِ الخطَّ وقالتْ : أينَ أنتِ يا لمى ؟
سمعتْ صوتَ رجلٍ يتكلَّمُ : أريدُ أبا لمَى لَوْ سمحتِ ؟
قالتْ لَهُ : أبو لمى مريضٌ وهو الآنَ في غيبوبةٍ .
ماذا تريدُ مِنْهُ ؟
قالَ : من أنتِ ؟
قالتْ : أنا أمُّ لمى .
قالً : جميلٌ ! لمى رهينةٌ عندي ولنْ تريها إلَّا بمليونٍ .
اعتُقِلَتْ لسانُ أمِّ لمى ووقعتْ جُثَّةً هامِدَةً علَى الأرضِ .

يَا لَلطَّامَّةِ وَيَا لَلْمُصِيبَةِ ، الإثنانِ مُغْمَى عليهِما ، ولا يعلمُ أحدٌ ما السببُ ؟

أعلمتِ المستشفى ذَوِيها بِما حَدَثَ لها .
حَضَرَ جميعُ الأهالي للإطمئنانِ عليها ، وقبلَ مغادرتهِم رَنَّ جوالُ أبا لمَى ، أخذَهُ عمرُ وفتحَ الخطَّ وسمعَ شخصًا يتكلم : هلْ أنتَ أبو لمى ؟
قالَ عمرُ : أنا خالُ لمى ؟
آمر يا أخي ؟
قالَ الرَّجُلُ : وأينَ هُوَ ؟
قالَ عمرُ : إنَّهُ في غيْبوبةٍ .
قالَ : وأمُّ لمى ؟
قالَ عمرُ : كذلكَ هِيَ في غيْبوبةٍ !

انصت قليلًا ثُمَّ قالَ : لمَى رهينةٌ عندي ولنْ تروْها إلَّا بمليونٍ .
زَمِكَ عمرُ وقالَ : اتقِ اللهَ يا رجلُ .
أقفلَ الرَّجُلُ الجَوَالَ .
احتدَّ عمرُ وأخذَ يُكَرِّرُ : إِنَّا للهِ وإِنَّا إِلَيْهِ راجعون ...

سألَ الحاضِرُونَ عُمرَ : ماذا حدثَ ؟
قالَ : إنَّ لمَى رهينةٌ عندَ رجلٍ مجرمٍ وقد طلبَ مليونًا .

اِحْتارَ الجميعُ وقالُوا : هذا عملٌ إجراميّْ ، ولكنْ لَا بُدَّ أنْ نَجِدَ حلًّا عاجِلًا ؛ قبلَ أنْ يفيقَ والداها .

ذهبَ عمرُ إلى شُرطةِ المدينةِ وأخبرَهُم بِما حدثَ للمى ووالدَيْها .
قالَ مديرُ الشُرطةِ : اِطْمأنّ ، ستصلكُم سالمةً بإذنِ اللهِ .

وبينما عمرُ واقفًا ، رنَّ جوالُ أبي لمى ، فقالَ قبلَ أنْ يفتحَ الخطَّ : أتوقَّعُ أنَّ هذا هُوَ الرجلُ المجرمُ ، فقالَ لَهُ مديرُ الشُّرطةِ : اعطني الجوالَ !
فتحَ مديرُ الشٌّرطةِ الخطَّ ، فإذا بالرَّجلِ يتكلمُ : مَنْ معي ؟
قالَ : أنا أخو أبو لمى ، وقد جهزنا لكَ المليونَ ، متى نتقابلُ لِأُسَلِّمَكَ المليونَ ؟

انبسطَ الرَّجلُ وقالَ : أحسنتم أحسنتم ، ضَعِ المليونَ في مكانٍ ، ووصفَ لَهُ الموْقِعَ ، وبعدَ أن تضعَهُ انصرفْ ، ثُمَّ بعدَ ذلكَ نتفاهمُ .
قالَ : حسنًا ، اتفقنا .

جَهَّزُوا حقيبةً مليئةً بالورقِ ، ثُمَّ قالَ مديرُ الشُّرطةِ : لا تقلقوا سيقعُ ذلكَ المجرمُ وسيلاقي جزاءَهُ .

ذهبَ مديرُ الشُّرطةِ بالحقيبةِ ، ثُمَّ وضعها في الموقعِ المحدَّدِ ، وفجأةُ رنَّ الجوالُ ، فتحَ الخطَّ فإذا بهِ الرَّجلُ يقولُ : غادرْ المكانَ أنتَ ومَنْ معكَ ، وإلَّا قتلتُ لمى .

استغربَ مديرُ الشُّرطةِ ! كيفَ رآهُ ؟ وكيفَ رأى مَنْ مَعَهُ ؟
قالَ : حسنًا ، سنغادرُ .

غادرتْ فِرقةُ البحثِ ، وأمرَهُم أنْ يَتفرَّقُوا ويُراقِبوا الموقعَ عَنْ بُعْدٍ .

وبعدَ أنِ اطمأنَّ الرجلُ بمأمنِ الموقعِ ، أرسلَ شخصًا لأخذِ الحقيبةِ .

اتَّجهَ ذلكَ الشخصُ إلى الموقعِ وأخذَ الحقيبةَ وانطلقَ ، فطوَّقتْ بهِ الشرطةُ وقَبَضُوا عليهِ ، وقالَ أحدُهم : لقدْ أمسَكْنا بِكَ أيُّها الخائبُ .
فلمَّا سَمِعَ الرَّجُلُ عَجِيجَ الشَّخصِ الذي أرسلَهُ فَرَّ واختفى بِسُرعةٍ .

أخذَتِ الشرطةُ ذلكَ الشخصَ إلى المركزِ ، وباتُوا يحقِّقُونَ معَهُ ليلةً كاملةً ! وفي نهايةِ التحقيقِ تبيَّنَ لَهُم أنَّهُ مُتَسوِّلٌ مِسكينٌ ومعروفٌ لأهلِ المدينةِ .
قالَ مديرُ الشُّرطةِ : لقد أفلتَ ذلكَ المجرمُ بدهائهِ ومكرِهِ لا وفَّقَهُ اللهُ .

وَمَعَ وقتِ الضُّحَى رنَّ الجوالُ ، ففتحَ مُديرُ الشُّرطةِ الخطَّ ، فقالَ لَهُ : لماذا خدعتني ؟ سأعطيكم الفرصةَ الأخيرةَ ، حَوِّلْ لي المليونَ على حسابي البنكيِّ !
قالَ مديرُ الشُّرطةِ : لكََ ما تريدُ ، ولكن اعطنا الفرصةَ لنجمعَ لكَ المبلغَ ، أرسلْ رقمَ حسابِكَ .

ذهبَ مديرُ الشُّرطةِ في *زيارةٍ إلى أقارِبَ لمى وقالَ لهم : لدينا خُطَّةٌ تاليةٌ وسنعرفُ موقعَهُ ونمسكُ بهِ .
قالوا : ما تلكَ الخُطَّةُ ؟
قالَ : سنطلبُ مِن اتصالاتِ المدينةِ التَّعاونَ مَعَنا .

لَمْ تَتَوَانَى الاتِّصالاتُ في التَّعاونِ مَعهُم ، فشَكَّلَتْ خُبَراءَ لمشاركتِهم في تحديدِ مَوْقعِ شَريحةِ الاتِّصالِ .

استطاعَ الخُبراءُ بالشَّراكةِ معَ شرطةِ المدينةِ تحديدَ موقعِ الشريحةِ ، فذهبُوا إلى الموقعِ ، فوجدوا أرضًا شاسِعةً خاليةً مِنَ السُّكانِ .
فقالَ مديرُ الشُّرطةِ : هذا واسِعُ الحِيَلِ وشاطِرٌ ولَنْ نستطيعَ التَّغلُّبَ عليهِ ، لكنْ هُناكَ محاولةٌ أخيرةٌ .

وضعتِ الشُّرطةُ إعلانًا يحثُّ الأهالي إلى التَّبرعِ .
أقبلَ جميعُ أهالي المدينةِ إلى التَّبرعِ ، وشهدتْ شُرطةُ المدينةِ يومًا حافلًا بالهِمَّةِ والتَّآزُرِ والتَّضامُنِ ، وبحمدِ اللهِ تجاوزتِ التَّبُرعاتُ المليونَ .

اتَّصلَ مُديرُ الشُّرطةِ بالرَّجلِ المجرمِ فإذا بجوالهِ مقفلٌ ، وقبلَ أنْ يضعَ الجوالَ في جيبهِ ، جاءَهُ اتصالًا من رقمٍ مجهولٍ وقالَ لَهُ : هلِ المليونُ جاهزٌ ؟
قالَ : نعمْ ، وسأودعهُ في حسابِكَ ؛ شَرِيطَةَ أنْ تسلِّمَني لمى فَوْرَ خُروجِي من البنكِ .
قالَ الرُّجلُ : اتفقنا .

ذهبَ مديرُ الشُّرطةِ إلى البنكِ ، وقبلَ أنْ يُودعَ المليونُ عرفَ أنْ الحسابَ ليسَ للرَّجلِ ، فاتفقَ معَ مسؤولِ البنكِ أنْ يجمِّدَ الحسابَ الذي سَيُودَعُ فيهِ المبلغُ ؛ حتَّى لا يستطيعُ أنْ يسحبَهُ بطريقتهِ ، ويتحتَّمُ على صاحبِ الحسابِ المجيءِ إلى البنكِ فيُمسكوا بهِ ، وبهِ يتوصَّلوا إلى المجرمِ .

أُودِعَ المليونُ في الحسابِ ، ووصلتْ رسالةٌ للرجلِ نَصُّها : تَمَّ إيداعُ المبلغِ ولكنْ لمْ أستطعْ أنْ أحوِّلَهُ إلى الحسابِ الَّذي أرسلتَهُ لي ، قالَ المجرمُ : وهذهِ الخُدعةُ الثَّانيةُ .

رَنَّ الجوالُ عندَ مُديرِ الشُّرطةِ ، فتحَ الخطَّ فقال له : كُفُّوا عنْ خِداعِي ، سأقتلُ لمى الآن !
قالَ لَهُ : لِماذا ؟ ألمْ تصلكَ المليونَ ؟ لقد أودعتُها لكَ بنفسِي ؟
قالَ المجرمُ : لمْ تصلني ، لقد تمَّ تجميدُ الحسابِ .
قالَ مديرُ الشُّرطةِ : غيرُ معقولٍ .
قالَ : رُبَّما أنتَ طلبتَ منهم ذلك !
قالَ : لا لا لا ، مستحيلٌ أن أفعلَ ذلكَ .
اعطني الفُرصةَ الأخيرةَ ، سأراجعُ البنكَ غدًا وسأعرفُ سببَ التجميدِ .

أقامَ مديرُ شرطةِ المدينةِ اجتماعًا طارئًا وسريًّا ، حضرَهُ قياديون واستشاريون من مُخْتَلَفِ القطاعاتِ العسكريةِ ؛ لحلِّ المشكلةِ .

بدأَ مديرُ الشُّرطةِ قائلًا :
لدينا مشكلةٌ عويصةٌ ، ثمَّ أخبرَهُم بكلِّ ما حدثَ ، وبعدَ ذلك قالَ :
المِليونُ رهنُ التَّصرُّفِ ، لكنِّي في حَيْرةٍ من أمري ، وأخشَى إن حصلَ ذلكَ المجرمُ على المليونِ ؛ فلربَّما سيطلبُ أكثرَ ، فمَا هُوَ الحلُّ في نظرِكُم ؟

حاولَ الجميعُ طرحَ الحلولِ ، ولكنَّ الوقتَ لم يُسعفْهُم في الخروجِ من المأزقِ ، فأجَّلوا الاجتماعَ إلى الغدِ .

أفاقَ والِدَا لمَى مِنَ الغيبوبةِ ، وأخبرَ مديرُ المستشفى الشُّرطةَ وأقاربَهُما بذلك ، فجاؤوا قَاطِبَةً مستبشرِينَ ، وطمأنَهُما مُديرُ الشُّرطةِ وقالَ لهُما : إنَّ لمى موجودةٌ وهي بخيرٍ وسلامةٍ وستعودُ إليْكُما قريبًا .

وفي الثُلُثِ الأخيرِ مِنَ اللَّيلِ قامَ والدا لمى يتهجَّدانِ ويبتهلانِ ويتضرعانِ رافِعَيْنِ أيْديَهُما ؛ يدعوانِ اللهَ ويأمّنانِ حتَّى سَمِعا أذانَ الفجرِ .

وبعدَ شُروقِ الشَّمسِ ، نزلتْ لمى مِنَ الشَّقَّةِ الَّتِي تَسْكُنُ فِيها معَ الخاطفِ إلى الصَّيدليَّةِ ! وقالتُ للصَّيْدليِّ : إنَّ جارَنا أبا أحمدَ مريضٌ ولا يستطيعُ أن يتحرَّكَ ، أرجوكَ اذهبْ معِي وساعدْهُ .

أخذ الصيدليُّ حقيبةَ الإسعافِ وأقفلَ المحلَّ ، ثُمَّ ذهبَ مَعَ لمَى إلى الشَّقَّةِ ، فوجدَهُ يتوجَّعُ ويتأوَّهُ ، وضعَ مقياسَ الحرارةِ تحتَ لسانهِ ، وبعدَ ذلكَ قالَ للمى : درجةُ حرارةِ جارِكُم مرتفعةٌ وحالَتُهُ صعبةٌ ، سأتَّصلُ بالهلالِ الأحمرِ .

وصلتْ سيَّارةُ الهلالِ الأحمرِ وأخذوهُ وذهبُوا بِهِ إلى المستشفى ، وكانتْ حالتُهُ حَرِجَةً ، حيثُ لم تنزلْ حرارتُهُ إلى المستوى الطَّبيعيِّ ، عَمِلَ الطاقمُ الطبيُّ ما يلزمُ ولكنْ دُونَ جَدْوَى .

وبعدَ صلاةِ الظُّهرِ جاءَ مديرُ المستشفى ؛ ليطمئنَّ على المرضى ، فوجدَ فتاةً صغيرةً واقفةً تبكي عندَ ذلكَ المجرمِ فقالَ لها : هل هذا والدُكِ ؟
قالتْ : لا .
فقالَ لها : أَهُوَ عمُّكِ أم خالُكِ ؟
قالتْ : لا !
استغربَ مديرُ المستشفى وقالَ لها : هلَّا أخبرتيني مَنْ هذا ؟
قالتْ : إِنَّهُ جارُنا أبو أحمدَ .
فَبُهِتَ وتعجَّبَ ، وقالَ في نفسهِ : فتاةٌ بعمرِ الزُّهورِ تأتي مَعَ جارٍ لهم !
فسألَها : مَنْ جاءَ بِكِ إلى هُنا ؟
قالتْ : ركبتُ مَعَهُ قبلَ أيَّامٍ ؛ كي يوصِّلَنِي إلى منزلِنا ، ولكنَّه كلَّ يومٍ يكذبُ عليَّ .
قالَ لها : ما اسمُكِ ؟
قالتْ : لمى محمدٍ .
قالَ لها : هلْ لديْكِ جوالٌ لأتَّصِلَ بأبيكِ ؟
قالتْ : كانَ معي جوالٌ ولكنَّ جارَنا هذا اشترى لي جوالًا جديدًا وأخذَ مِنِّي جوالي !

اِمْتَرَى مديرُ المستشفى ، ثُمَّ اتَّصلَ بالشّرطةِ وقالَ لهم : تُوجدُ عندنا بنتٌ في المستشفى اسمُها لمى محمدٍ ، لا تعرفُ أهلَها ولا مقرَّ سكنِهم .

انطلقتْ دورياتُ الشُّرطةِ مُسرعةً ، فلما وصَلُوا إلى المستشفى تقدَّمَهُم مديرُهم .
وجدَ مديرُ المستشفى في استقبالهِ ، فسلَّمَ عليهِ وقالَ لَهُ : أينَ الفتاةُ ؟

التقى مديرُ الشُّرطةِ بالفتاةِ وقالَ لها : هلْ أنتِ لمى محمدٍ ؟
قالتْ : وكيفَ عرفتَ ؟
قالَ لها : هل أنتِ لمى ؟
ابتسمتْ وقالتْ : أَيْوَا أيوا (بمعنى نعم) .
ابتهجَ مديرُ الشُّرطةِ واحتضنَها وقالَ : الحمدُللهِ الحمدُللهِ .

ثُمَّ بعدَ ذلك اتَّصل بخالِها وقالَ لَهُ : مَا هِيَ البشارةُ ؟
قالَ : بشَّرَكَ اللهُ بالجَّنةِ وعافاكَ وأسعدكَ في الدُّنيا والآخرةِ .
قالَ : لقدْ وجدنا لمى وهِيَ الآنَ معي .
سُرَّ عمرُ واتصل بأمِّ لمى ، فتحتِ الخطَّ فإذا بأخيها عمرً يقولُ : مباركٌ مباركٌ ، لقد وجدت الشرطة لمى .
نهضَتْ رافعةً يديْها تردِّدُ : الحمدلله الحمدلله ، فقال لها زوجُها : ماذا حدثَ ؟
قالَت ودموعُ الفرحِ تتساقطُ من عينيها : لقد وجدتْ الشُّرطةُ لمى .
فانتشى وتهلَّلَ وجهُهُ ، وسجدَ للهِ سجودَ الشُّكرِ ، حَمِدَ اللهَ فيهِ وشكرَهُ على عودةِ ابنتِهم الغاليةِ .

توجَّهَتْ دورياتُ الشُّرطةِ إليهِما ، حاملينَ معهم أجملَ الهدايا ، فلمَّا ضَافُوا اندسَّتْ لمى بينَهُم !
لكنَّ أمَّها شعرتْ بِهَا وظلَّتْ تُزَغْرِدُ وتَتْهَنَّفُ ، وتوجَّهتْ إليْها بإحساسِ قلبِها الذي لا يخيبُ ، فلمَّا رأتْها اِنْتَحَبَتْ وضمَّتْها وقالتْ : الحمدُللهِ الذي جمعَ بيننا ، الحمدُللهِ عددَ ما خلقَ ، الحمدُلله مِلْءَ ما خلَقَ ، الحمدُلله عدَدَ ما في الأرضِ والسَّماءِ ، الحمدُلله مِلْءَ ما في الأرضِ والسَّماءِ ، الحمدُللهِ عدَدَ ما أحصَى كتابُهُ ، الحمدُللهِ مِلْءَ ما أحصَى كتابُهُ ، الحمدُللهِ عدَدَ كلِّ شيءٍ ، الحمدُللهِ مِلْءَ كلِّ شيءٍ .

عمَّتِ الفرحةُ أرجاءَ المدينةِ ، وأقامُوا حفلًا فرِيدًا مميَّزًا بمناسبةِ تَخَلُّصِ لمَى وسلامتِها .

وفي نهايةِ الحفلِ وقفَ أبو لمى وقالَ : أشكرُكُم جميعًا على مشاركتِنا الفرحةَ ، ويعلمُ اللهُ أنَّنا مرَّيْنا بأسوأ اللحظاتِ ، لقد كانت أيامُنا مؤلمةً ومفجعةً ، وأسألُ اللهَ ألَّا يُريكم مكروهًا .

إِخواني وأخواتي :
العاقلُ مَنِ اتعظَ بغيرِهِ ، أحسِنوا تربيةَ أولادِكم وراقبُوهم ؛ فهم أمانةٌ في أعناقِكم ، وإيَّاكم أنْ تغفلوا وتتساهلوا في تركِهم ؛ ليذهبوا كيفما يشاؤون فتندموا .

وأخيرًا ، أشكرُكم كثيرًا لِمَا بَذلتُموهُ من أجلِ فداءِ ابنتي ، ومَا قدمتُموهُ سنبنِي بهِ جامعًا كبيرًا في وسَطِ المدينةِ .

فَرِحَ الجميعُ وحمدُوا اللهَ وشكرُوهُ على نعمهِ الَّتي لا تُحصَى ، وقالوا :
اللهُمَّ لا ترفعْ عنَّا غطاءَ سترِكَ ، ولا تبتلينا فيما لا نستطيعُ عليهِ صبرًا ، واجعلْ لنا مِنْ كُلِّ ضيقٍ مخرجًا ، ومن كلِّ همٍّ فرجًا ، وفي كلِّ دعاءٍ قبولًا واستجابةً .


بواسطة : ميرا فادي
 0  0  471
التعليقات ( 3 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    10-07-2022 08:28 مساءً عبده عيسى حكمي :
    قصه رائعه ومعبره شكرااستاذ مهدي*
  • #2
    10-07-2022 08:32 مساءً علي موسى حكمي :
    قصة جميلة من قاص مبدع.
  • #3
    10-08-2022 01:26 صباحًا محمدحكمي :
    ماشاء الله عليك