• ×

08:03 صباحًا , الأحد 22 مايو 2022

أحمد إسماعيل زين
أحمد إسماعيل زين

طقوس رمضانية .

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

يأتي رمضان من العام للعام ليطهر الأنفس مما حملته من أردان وأحمال طول العام ، وتحلُ لياليه باللقاءات والاجتماعات الأهلية والشبابية المعطرة بالذكريات الطفولية والشبابية العفوية تارة ، والمفرحة تارة ، والمحزنة تارة أُخرى ، والتي ـ الذكريات المحزنة ـ لن نحكيها ونوقظ بها الجروح النائمة فأغلب القلوب فيها من الهموم والأحزان ما يكفيها ، وسنكتفي فقط بذكر العفوية والمفرحة منها ونعود معها إلى ذاك الزمان الجميل.. أنا من عائلة تمتهن صيد الأسماك أب عن جد.. وبالتالي نتخذ من البحر لحاف ومن الشاطئ وسادة ، ومن الطقوس الرمضانية التي أذكرها ـ واختفت من الوجود نهائياً بالوقت الحالي ـ يوم الكرامة وهو يوم التاسع والعشرين ، أو يوم الثلاثين من شهر شعبان ، حيث نأخذ مواعين بيوتنا ـ طبعاً بتوجيه من أهلنا ـ والمكونة من سُفر الأكل وفت خبز التنور المصنوعة من سعف النخل ، والقدور المصنوعة من الألمنيوم والحجر المنحوت ، ونذهب بها للبحر ، أولاد وبنات لا يعكر صفونا شيء ، لغسلها برمل ومياه البحر حتى تعود وكأنها جديدة استعداداً لشهر رمضان ، وكنا ننشد أثناء ذهابنا بها للبحر ، وأثناء غسلها ، ونحن عائدون بها للبيوت ، بصوت موحد بهيج : (اليوم الكرامة.. وبكرة صياما).. تلك كانت فترة من فترات الطفولة التي انتهت بردم الساحل وتقفيله وجعله حكراً على الصيادين وعمال التحميل والتنزيل.. ومما أذكره من نزق بداية الشباب والصوم أن الأمهات بسبب غياب الإباء الطويل عن البيوت في رحلات صيد الأسماك هن من يعلمن الأبناء الصيام ببث روح التنافس بينهم بذكر عدد أيام الصيام التي صامها الابن بكل تفاخر في مجالسهن وبحضور وغياب الأبناء ، ولكن هذه الأخبار تنتشر في البيوت المتلاصقة انتشار النار في الهشيم وتدفع الجميع للصيام والاعتياد على الصايم المبكر.. ولكوني يتيم الأم من بداية الأشهر الأولى من عمري كانت عمتي شقيقة أبي وشقيقتي الأكبر مني المتزوجات هن من يقمن بهذا الدوري معي ، وأول تجربة صوم لي كانت في رمضان صيفي طويل النهار شديد الحرارة لا يوجد به ترفيه ولا رفاهية نعيش النهار من شروق الشمس حتى غروبها ، وأقصى موعد للسهر في لياليه هو بعد صلاة التراويح ، صمت ذاك الشهر الصيفي بكل تفاصيله إلى اليوم السابع أو الثامن عشر منه ذهبت بعد صلاة العصر لشراء ما يحتاجه البيت من مقاضي ورجعت للبيت لا أكاد أقوى على الحركة من شدة العطش وجلست انتظر أذان المغرب وطال انتظاري وقبل خمس دقائق من أذان المغرب تسللت خلسة لخزان الماء المثلج والمبخر بالمستكة للإفطار وملأت الكاس الخشبي الصغير المطلي بالقطران ـ (صحفة) ـ وشربته دفعة واحدة ، ولسوء حظي كانت شقيقتي الصغرى تقف خلفي وتراقبني في صمت حتى انتهيت ووضعت الكوب فوق الخزان أذن المغرب ، وحين سمعتها تقول لي : (ضيعت يومك بهذه الخمس الدقائق) ، كاد يغمى عليّ من الصدمة ، ولكنها قالت لي : (لن أخبر أحد بشيء إذا لم تكررها مرة أُخرى) ، ووعدتها ومن يومها وحتى الآن لم أفطر يوم واحد مر عليّ من رمضان دون سبب شرعي لفطره .
من 15 سنة ليست لي أيّ طقوس قرائية أو كتابية في رمضان ، ووجدت العديد من الأدباء يشاركوني هذا الصيام القرائي والكتابي الرمضاني.. من 15 سنة وجدت نفسي أبلغ الأربعين عام ، وأن رمضان سيعود في كل عام إلى أن تنتهي الحياة على هذه الدنيا ، وقررت أن أغتنم كل رمضان يمر عليّ بالتفرغ للعبادة وتأجيل كل الأمور الدناوية إلى ما بعد رمضان ، والحمد مرتاح ومستمتع بهذا القرار .
• كاتب وقاص سعودى.


بواسطة : ميرا فادي
 0  0  90
التعليقات ( 0 )