• ×

08:56 صباحًا , الأربعاء 8 ديسمبر 2021

مهدي جدُّه حكمي
مهدي جدُّه حكمي

آيبون آيبون

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

شَجَرَ الأمرُ بينَ طيورِ القَطَا .
تَضارَبَتِ الأهدافُ بينَهُم .
تأزَّمتْ واشتدَّتِ الأحداثُ .
انْقَسَمُوا إلى فِئتيْنِ .
بَغَتْ إحداهُما على الأُخْرَى .
سَعَوْا إلى تسوِيَةِ الخلافِ .
أخْفَقَتِ الفِئةُ المظلومةُ .
نظرتْ إلى النُّجومِ .
نادَى القائدُ عائدٌ :
مُعلنًا الهجرةَ الليليةَ .
أَتَتِ الطُّيورُ من كلِّ مكانٍ .
اِصْطَفَّتْ طُيورُ القَطَا ؛
اِسْتَعْدادًا لِلرَّحيلِ والنُّزوحِ .
تقدَّمَ بهِم القائدُ عائدٌ .
اِسْتدارَ نحوَهُم ثٌمَّ قالَ :
لقدْ كَثُرَ فِينا النُّفوقُ .
وأصْبَحنا من الوَيْلِ نَذُوقُ .
وقد أُسْلِبَتْ مِنَّا الحقوقُ .
هيَّا فلنرحلْ قبلَ الشروقِ .

انطَلَقُوا أفْواجًا أفْواجًا .
اِرتفعوا مُحلِّقِينَ في السَّماءِ .
مُودِّعينَ أرضَ العِزَّةِ والإباءِ .
اِسْتَعْصَى عليهِم الفِراقُ .
أخفَوْا ما بداخلِهم مِن حُرقةٍ .
تساقطتْ دُموعُهم كالمطرِ .
أصابتِ البُروقُ أبصارَهُم .
هَمْهَمَتِ الرُّعودُ في أفئدَتِهِم .
أحرقتِ الآلامُ مشاعرَهُم .
قالَ قائدُهم عائدٌ :
لا تيْأسُوا ، آيِبُونَ آيبونَ .
تنفَّسُوا الصُّعداءَ قليلًا .

أحسُّوا بهواءٍ عليلٍ .
تفاءَلوا بالخيرِ والأملِ .
أدركوا أنَّ هذِه إرادةُ اللهِ .
رفَعُوا أبصارَهُم إلى الأُفُقِ .
ليسَ لنا إلا أنتَ يا أللهُ .
شاهدوا كواكبَ مُضيئةً .
ونجومًا متناثرةً وهَّاجةً .
ونورًا مُحِيطًا بالأرضِ .
عَرفُوا أنَّ لَها مُدبِّرًا .

شَقَّ الصُّبْحُ بشروقٍ كَئيبٍ .
وَهَجَتِ الشَّمْسُ وهُوجًا .
نَزلوا في أرضٍ خَلاءٍ .
لا مَأْوَى ولا ماءَ .
لا نباتَ ولا زرعَ .
رانَ الكَرَى في أعيُنِهِم .
وجدُوا شجرةً يابِسةً .
لا ورقَ ولا ثمرَ ولا ظِلَّ .
وَقَفُوا عَليْها ثُمَّ سَبَتُوا .
لَمْ يستطعْ بعضُهُم المقاومةَ .
اِنْهاروا شاخِصةً أبصارَهُم .
ذُهِلَ المتبقونَ ذُهولًا .
قُذِفَ في قلوبِهمُ الرُّعبَ .
قالَ عائدٌ : هيَّا فلنبحثْ عن ماءٍ .
اُصمُدوا ولا تَيْأسُوا .

طارُوا في خِفِّةٍ وهُدوءٍ .
أعينُهُم نحوَ الأرضِ .
جفَّتْ ألسِنَتُهُم وحلوقُهم .
لَمحُوا بئرًا فَوْهاءَ .
اعتراهُم الأملُ والرجاءُ .
توجَّهوا مُسْرعينَ نحوَها .
صَرخَ عائدٌ : انزلوا بهدوءٍ .
لا تفعلوا شيئًا حتَّى آمرَكُم .
هَبَطُوا مُلتفّينَ حولَ البئرِ .
حَدَقَ قائدُهم بعيْنيْهِ .
هُناكَ ماءٌ ، هُناكَ ماءٌ .
فَرِحَ الجميعُ واستبشَرُوا .
لكنَّهُ لا يكفي الكلُّ .
حَزِنَ البعضُ وتناظَرُوا .
قالَ عائدٌ : سَيَكْفِينا إِنِ اقتصَدْنا .
لِيَرْتَشِفْ كلُّ واحدٍ مِنَّا رَشْفَةً واحِدةً .
وإنْ زادَ ارتشفنا الأُخْرَى .
أيًَد الجميعُ الفكرةَ .

نظَّمَهُم عائدٌ صفًّا صفًّا .
نزلتْ مجموعةٌ تِلْوَ الأُخْرَى .
تَقيَّدُوا بالتعليماتِ .
كان آخرُهم قائدَهم عائدًا .
نَزلَ ولم يجدْ قطرةَ ماءٍ .
أخذَ يحفِرُ ويحفِرُ .
قالَ أحدُهم مستغربًا :
لماذا تأخَّرَ قائدُنا ؟
نزلَ بعضُهُم فشاهدُوهُ يَحفِرُ !
ما بِكَ يا قائدَنا ؟
عَرفُوا أنَّ الماءَ قد نَفِدَ .
أَخذُوا يحفِرونَ مَعَهُ .
استغربَ المُتبقونَ تأخُرَهُم .
نزلُوا فرأوْهُم يحفِرونَ .
عرفوا أنَّ الماءَ قد نَفِدَ .
أخذُوا يحفِرونَ معَهُم .
أُجْهِدَ الجميعُ وأضنَوْا .
شَارفُوا على الهلاكِ .
هَوَى قائدُهم مغميًّا عليْهِ .
ليسَ في أيديهِم أيُّ حِيلةٍ .
لمْ يستطيعوا إنقاذَ أنفسِهُم .
رَفعُوا أبصارَهُم إلى الأعلى ؛
مُتضرِّعُينَ إلى خالقِهِم .
أحسُّوا بزلزالٍ من تحتِهِم .
فَزِعُوا فَزَعًا شَدِيدًا .
انبجَسَ الماءُ كالسَّيلِ .
انهالتْ دُموعُ الفرحِ من أعينِهِم .
حَمَدُوا اللهَ حَمْدًا كثيرًا .
نَضَحُوا على قائدِهِم من المَّاءِ .
اِسْتفاقَ مُرتاعًا كالمجنونِ .
لَمْ يُصِدِّق ما رَأَى .
نَغَبُوا حتَّى الريّ .

عادَ الأملُ مِن جديدٍ .
استشارَهُم قائدُهم مُسْتَفْهِمًا .
هل نَعمُرُ هذهِ الأرضَ ؟
أيَّدَ الجميعُ الفكرةَ .
لِنؤسِّسْ وطنًا مُسْتحدثًا .
لِنشيِّدْ صَرحًا شامِخًا .
لِنَكُنْ أُسْرةً واحِدةً .
لِنغرسْ المحبَّةَ قبلَ الشَّجرِ .
لِنتعاونْ ونتكاتفَ ونتآزرَ .
لِنتعاهَدْ على الأخُوَّةِ والإيثارِ .
لِيَكُنْ شِعارُنا المُساواةَ والعدلَ .

صَنعُوا دِلاءً للشِّربِ والسَّقيِ .
شَدُّوا الحِبالَ ورَبطُوها بِصخرةٍ .
شاركَ الجميعُ في بناءِ الأحواضِ .
أسقطوا الدِّلاءَ في البئرِ .
مَلَؤُوا الأحواضَ مِلئًا .
رشُّوا حولَ البئرِ .
أعادُوا السَّقيَ مِرارًا وتِكْرارًا .
أَخْصَبَتْ وَأنْبَتَتْ من كلِّ زوجٍ بَهِيجٍ .
اِهْتَزَّتْ مَشاعِرُهُم فَرَحًا وطَرَبًا .
عاشٌوا في سعادةٍ غامِرةٍ .

دارَ الزمانُ على الفئةِ الباغيةِ .
حلَّتَ عليهِم المصائبُ .
مُنِعُوا القَطْرَ من السَّماءِ .
أجدبتْ أرضُهُم سِنينًا .
اسْتُأْرِضَتْ منازلُهُم وأشجارُهُم .
سقطَتْ وأصبحَتْ كالهشيمِ .
قَلَّ الطعامُ ونَفَدَ الصَّبْرُ .
بَخِلَ الأغنياءُ مِنْهُم وتكبَّروا .
دَارَتْ بَيْنَهُمْ حُروبٌ طَاحِنَةٌ
أهلكَ بعضُهُم بَعْضًّا .
أصبحتْ أرضُهُم خاويةً على عُروشِها .
عمَّتْ أخبارُهم أرجاءَ المَعْمُورةِ .
كانوا عِبرةً لِمَنْ لا يَعتبِرُ .

وَصَلَتْ الأخْبارُ إليْهِم .
لَمْ يُصَدِّقوا ما سَمِعُوا .
ذَهَبُوا جميعًا ؛ لِلتَّأْكُّدِ .
وَصَلُوا إلى وَطنِهِم الأمِّ .
لَمْ يُصَدِّقُوا ما رَأَوْا .
تَكَثَّمَ قائدُهُم تَكَثُّمًا .
ثُمَّ أحنَى رأسَهُ مُسْتَدمِعًا .
ثُمَّ رفعَ رأسُهُ مُتَفَوِّهًا :
آيِبُونَ آيبونَ آيبونَ .
هذهِ أرضُ آبائنا وأجدادِنا .
سُنعِيدُ بِناءَها وتَشْيِيدَها .
سَنَبْذُلُ قُصارَى جُهْدِنا .
سَنعمُرُها بالحُبِّ والمودةِ .
سنعمرُها بالوفاءِ والعَطاءِ .
سنعمرُها بالإخلاصِ والتَّفاني .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* معاني الكلمات :

- آيبون : عائدون .
- شجر الأمر : تنازعوا .
- أخفقت : فشلت .
- النفوق : الموت .
- أفواجًا أفواجًا : جماعات .
- شَقَّ الصُّبحُ : طلعَ ، ظهرَ .
- أصابت البروق أبصارهم : كناية عن عدم رؤية أرضهم .
- همهمت الرعود : كناية عن صوت البكاء الكامن .
- وهجتِ الشَّمسُ : سَطَعَتْ أَشِعتُها بِقوَّةٍ .
- ران الكرى : غلبهم النعاس .
- فوهاء : واسعة الفتحة .
- تكثَّمَ : توقف واحتار .
- أضنَوْا : أصابهم الهُزال .
- انبجس : خرج وتدفَّق .
- نَغَبُوا : نَغَبَ الطائرُ : تناولَهُ بمنْقارِهِ .
- نضحوا : النضح هو الرش بالماء .
- أجدبَتِ الأَرضُ : انقطعَ عنها المطرُ .
- خاوية على عروشها : لا حياة فيها .
- نَفِدَ : بكسر الفاء أي : لم يبقَ منه شيء .
- نَفَدَ : بفتح الفاء أي : تجاوز الحد .
- اسْتُأْرِضَتْ : أكلته الأرضة .
- حروبٌ طَاحِنَةٌ : شَدِيدَةٌ .


بواسطة : ميرا فادي
 0  0  147
التعليقات ( 4 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    منذ 3 أسبوع 09:36 مساءً عبده حكمي :
    ماشاءالله تبارك الله ابداع حقيقي
  • #2
    منذ 3 أسبوع 03:42 صباحًا أبو فيصل الحكمي :
    فعلاً لا يوجد شيء أفضل من التعاون والتآخي وحسن الظن بالله
  • #3
    منذ 3 أسبوع 05:11 صباحًا احمد حسن :
    سبحان الله هو الرزاق العليم.
  • #4
    منذ 3 أسبوع 05:14 صباحًا احمد حسن :
    شكرا لك ابا مالك. فاختيارك الافكار وطريقه عرضها جذاب وشيق.