• ×

07:53 صباحًا , الثلاثاء 26 أكتوبر 2021

حظية خافي
حظية خافي

شاهد

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
القصة القصيرة التي فازت بالمركز الأول م في مسابقة شهر رمضان 1442هـ التي نظمتها ديوانية الأدب والثقافة .

لم تعتَدْ تلك العجوزُ يومًا على الضجيج حتى انتقل للعيش معها حفيدُها المشاغب كما سمَّته، فمنذ قدومه اعتادت على استقبال الاتصالات وطرْقِ الباب من قِبل المتقدمين بالشكوى.

ليلتها حصلتُ على دعوةِ صديقٍ اضطرتني لمغادرة المنزل وتركِ العجوز وحفيدها المزعج.
طمعنا معًا بوجود حاوية أفضل من حاويتي المعتادة، فعدتُ متأخرًا.

كانت اتعسَ اللحظات.. النوم خارجًا في تلك الليالي الباردة، فلَطالما تسلّلت عبر فتحات التهوية، والنوافذ، لأنها الأسهل للدخول.

شعرت بالبرد للمرة الأولى، نزلت إلى الأسفل، ووقفت على غطاء الحاوية ورفعت رأسي متأملًا المبنى الذي أمامي وأنواره تنطفئ واحدة تلو الأخرى، لم يتبقَ لي سوى إنارة أعمدة الشارع التي تنتصب في بدايته كخفير في نوبة حراسة ليلية، ظللتُ محدقًا بها وبحالها، كيف لها أن تتحمَّلَ كلَّ هذا البرد ليلًا، وحرارة الشمس نهارًا وكَأنَّها تؤدي طقوسَ الرِّضا، رؤوسها منكّسة دومًا للأرض، راضخة لما تقوم به، وربما تكون غير راضية أيضًا.

مرَّ بجانبِ الحاويةِ متشردٌ اعتدتُ رؤيتَه كلَّ مساءٍ هنا من نافذة المطبخ المطلّة على هذا الزقاق الضيّق.

اقترب منِّي أكثر، طِرتُ بعيدًا عنه إلى الجدار، وظللت أراقبه وهو يرفع الغطاء واضعًا بعض المخلفات كما ظننته، ثم جلس تاركًا وجهه باتجاه الشارع، مسندًا ظهره إلى الحاوية.

سرتُ قليلًا باتّجاهه فوجدتُه يتناول حبة موز، شعرتُ بقليل من الجوع، وحاولتُ الطيران حولَه لعلّي أقع عليها وأقاسمه.

طرتُ بشكلٍ دائريٍّ حول رأسه، ثم عدت محاولًا الوقوفَ عليها، ولكني لم أشعر إلا بضربة القشرة والموزة معها وارتطامنا بالجدار، خرجتُ من تحت القشرة، وجلستُ ألعق قدمي متألمًا لما أصابني.

بعدَها اهتزَّت الأرضُ تحت قدمي، وشعرت بسقوطه أمامي وعيناه مفتوحتان، طرتُ بعيدًا إلى الجدار وأنا أنظر إليه هناك... مَن ضربه؟

في البداية ظننتها العجوز التي في المنزل المجاور، فلَطالما اعتادت ضرب المتشردين لتصرفهم السيئ مع الحاويات.

لكن الملابس مختلفة، فهو يرتدي بنطالًا أسودَا، وهيئته مختلفة، بدا لي وكأنه ليس متشردًا، لمعت في يده سكين كبيرة، نظرت إلى صديقي الملقى على بطنه يسبح في دمائه التي لم تستطع ملابسه الرثة منعها من التسرُّب.

سارع ذلك الغريب إلى الحاوية منتشلًا منها كيسًا صغيرًا، رمى خلفه بالسكين، وركض مبتعدًا عنّا...

مكثتُ طويلًا على الجدار، ولكن صديقي لم ينهض، أظنه مات ، طرتُ فوقه ورحتُ أدبّ على وجهه، لكنه لم يحاول إبعادي، اقتربتُ أكثر من عينيه، كانتا نصف نائمتين.

طرتُ مرةً أخرى، وقفت على ظهره، حقًّا مرَّ بوقتٍ سيئ الليلة، انقضتْ ساعاتُ الليل الباردة، قُبيل الفجر حضرت مجموعة متشردين أخرى من فصيلتي، فلقد حصلت على غنيمتها، تركتهم معه. بعد أن وصلوا، ورأيت نافذة المنزل الذي اعتدتُ الدخول إليه مفتوحةً، فلقد استيقظتْ تلك العجوز التي أسكن معها، وبدأتْ يومها من المطبخ بإعداد الفطور، سارعت بالدخول والوقوف على أول نصف قشرة بيض وجدتها، فلقد كان المساء باردًا جدًّا، وأنا بحاجة إلى ما يدفئني الآن.

سمعنا صوت سيارة الإسعاف والشرطة تعجّ بالشارع، نظرت العجوز من النافذة وهي تتمتم، هكذا دوماً حال هذا الشارع، طرت بعدها، طرت بعيدًا في البيت، فلقد افتقدته طيلة الليلة الماضية، رغم يقيني بأن حفيدها مَن فعلها.

بواسطة : المدير
 0  0  214
التعليقات ( 0 )