• ×

06:24 مساءً , السبت 16 يناير 2021

سعيد مصلح السريحي
سعيد مصلح السريحي

حين قضيتُ رأس السنة في إيران

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
زرت إيران مرة واحدة، كان ذلك مطلع عام 2006،كنت عضوا في الوفد الإعلامي السعودي الذي زار طهران آنذاك وضم من بين اعضائه عددا من الزملاء الإعلاميين أتذكر منهم الدكتور عبد الله الجحلان رئيس تحرير مجلة اليمامة، والأستاذ عبد العزيز بن سعد الغامدي المدير العام لوكالة الأنباء السعودية رحمه الله، والأستاذ عبد الوهاب الفايز رئيس تحرير الاقتصادية.

وصلنا طهران ليلة رأس السنة، واستمرت زيارة الوفد أسبوعا التقينا خلالها بعدد من المسؤولين الإيرانيين، على رأسهم الرئيس الإيراني محمد خاتمي، إضافة إلى عدد من المثقفين والإعلاميين الإيرانيين، وكانت فترة رئاسة خاتمي تبشر بعلاقات جيدة بين السعودية وإيران آنذاك.

كتبت حين عدتُ سلسلة من التقارير الصحفية والمقالات تحت عنوان موحَّد هو "انحسار الشادور" والشادور هو الرداء الذي ألزمت ثورة الخميني النساء بارتدائه، وقد اتخذت من انحساره علامة على ما كنت أتوهمه من تراجع تعاليم الثورة أو تحرر الجيل الجديد من قوانينها الصارمه والمتشددة خاصة أن وصول الإصلاحيين أنذاك إلى الحكم كان يبشر بذلك.

كان من بين تلك التقارير السبعة التي نشرتُها في عكاظ آنذاك واحدٌ تحدثتُ فيه عن ليلة رأس السنة التي وافقت وصولنا إلى طهران، أعيد نشربعضه هنا بمناسبة رأس السنة، مستعيدا تلك الذكريات التي جمعتني بالزملاء في بلد اختلطت فيه الثورة بالثائرين على الثورة، وتجاور فيه المتدثرون بعباءة الفقيه ومن يرون في تلك العباءة اغتيالا للإرث الفارسي الحضاري العريق..

هنا بعض مما جاء في أحد التقارير التي كتبتها عام 2006 في صحيفة (عكاظ) عن تلك الزيارة:
---- ----- ----- ----- ----- ----- ----
انزوت على استحياء في بهو الفندق، إلى جوارها كانت تنتصب شجرة بلاستيكية توشحت ببعض المصابيح الملونة، كانت تلك هي اللوحة التي تحمل التهنئة بالعام الميلادي الجديد.

كنا ندلف إلى بهو فندق "آزادي" بطهران، كانت الساعة تشير إلى العاشرة مساء، وفي مواجهة المدخل الرئيسي للفندق كانت تلك الشجرة واللوحة الموضوعة إلى جوارها تؤكدان أننا وصلنا إلى طهران في ليلة استثنائية هي ليلة رأس السنة الميلادية الجديدة.

البهو كان مكتضا بالإيرانيين، رجالا ونساءً، ولم يكن من الصعب ملاحظة أن الأغلبية العظمى هم من جيل الشباب الذين التقوا على هيئة جماعات تتحلق حول كاسات الشاي، أو على هيئة لقاءات ثنائية بين شاب وفتاة لا يكاد يسمع أحد شيئا من حديث هامس يدور بينهما، فيما راحت أصوات الجماعات الكثيرة تجلجل في جنبات البهو.

في أحد أركان المقهى الذي يتوسط البهو كان عازف البيانو يدندن بعض الألحان الهادئة التي يستعيد من خلالها بعض سونيتات شتراوس حينا وموتزارت حينا آخر.

كان الشباب حليقي الذقون يدخنون التبغ بشراهة ويتحاورون بحماس، قلت للدكتور عبد الله الجحلان:
- ليتني أتقن اللغة الفارسية..

رمى بنظره إلى فتاتين تجلسان غير بعيد عنا وقد انحسر غطاء رأسيهما قليلا تاركا خصلات من الشعر تنسدل على الوجه..
- يا لهذا الجمال..

همستُ ولم أترك للدكتور الجحلان المجال للتعليق، اشرت إلى مجموعة من الشباب المتحاورين:
- لو عرفنا ما يتحاور حوله هؤلاء الشباب لتبينت لنا جوانب من مستقبل إيران.خلف مكتب الاستقبال في أقصى بهو الفندق كانت فتاة إيرانية تقف لإكمال تسجيل بيانات نزلاء الفندق وتحديد غرفهم، كانت تُحكم غطاء الرأس على شعرها فلا يكاد يبدو منه شيء.
كان الفرق واضحا بين غطاء رأس الفتاة العاملة في الاستقبال وغطاء أولئك الفتيات الجالسات في البهو يحتسين الشاي ويتبادلن الحديث، قال لنا مرافقنا:
- هذه الفتاة..
وأشار إلى الواقفة خلف مكتب الاستقبال، ثم أكمل:
- في موقع العمل وعليها أن تلتزم بشروط العمل التي تقتضي التمسك بغطاء الرأس.
قلتُ له:
- ولكنها لا تلبس الشادور؛ابتسم مرافقنا وآثر تجاهل ملاحظتي، ثم أشار علينا بالصعود إلى الدور السادس والعشرين حيث مطعم الفندق الذي سوف نتناول فيه العشاء.

حين غادرنا المصعد كانت موسيقى أغنية "البنت الشلبية" تغمر أرجاء الممر المؤدي إلى المطعم، ضحك عبد العزيز الغامدي وهو يقول:
- فيروز تنتظرنا..

ارتفع صوت المغني الفارسي، لم تكن فيروز، أخذت الدهشة عبد الوهاب الفايز:
- أغنية فارسية بنفس اللحن.؛ ثم أكمل: من أخذها من من؟حدّثه عن المقامات الفارسية التي وصلت إلى العرب عن طريق الأتراك، وكيف أن لحن "البنت الشلبية" يمكن أن يكون من الفلكلور الفارسي الذي تم تعريب كلماته.

حين رجعتُ إلى جدة سألت زميلنا جوزف حرب من قسم الترجمة في جريدة عكاظ، ويبدو لي أن الرجل، إلى جانب ثقافته التي يستمدها من اتقانه لعدة لغات، لبناني معتق، قال:
- الشلبي أعتقدها كلمة تركية الأصل وتطلق على من يزاول مهنة الحلاقة، كما أن كلمة الشلبية كلمة سريانية وتعني البنت الأنيقة النشطة.

سألته عن احتمال أن تكون الكلمة فارسية، خاصة أنها معروفة في العراق، فهناك عائلة الشلبي، أو الجلبي بتعطيش حرف الجيم، ولبدر شاكر السياب ديوانه الشهير "شناشيل بنت الشلبي"، اختصر جوزف حرب إجابته:
- يمكن.

كانت قاعة الطعام ممتلئة بالأسر الإيرانية، نسبة الشباب بدت أقل مما هي عليه في بهو الفندق، وبدت ملامح المجتمع المخملي المترف واضحة على ملابس السيدات، وبقيت الإشاربات غطاءً للرأس وإن كانت قد زادت انحسارا، وبدا الشعر الذي يتراوح بين الاسود الفاحم والذهبي المشقّر ينسدل على وجوه الجالسات خلف طاولات الطعام بعناية مقصودة.

كان صوت المغني، وهو يتنقل بين أغاني الفلكلور الفارسي يدشّن احتفالا واضحا ذلك المساء، تذكرت الشجرة الموشحة بالإضاءة ولوحة التهنئة الخجولة برأس السنة في بهو الفندق، قلت لمرافقنا:
- هل هذا الحضور احتفال براس السنة الميلادية الجديدة؟
تريّث قليلا وبدا مرتبكا وهو يقول:
- الليلة ليلة الجمعة وهي إجازة آخر الأسبوع ، حين كنا نغادر المطعم تأخرت قليلا، اقتربت من النادل وسألته:
- هل هذا احتفال براس السنة؟ لم يكن يعرف اللغة العربية ولم أكن أعرف اللغة الفارسية كذلك.


بواسطة : المدير
 0  0  799
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
+ إظهار التعليق
  • #1
    منذ أسبوع 12:31 صباحًا د.محمداحمدالمنشي :
    حديث جميل عن ايران؛ ذكريات وتوقعات جعلت من جملة المقالات... موضوعا ثريا اوضح ما كان متوقعا بالمشاهد... تغير بتلون السياسة... يا زميل اللجنة الثقافية العامة بجامعة ام القري. في سنوات تالق الانشطة الجامعية والاندية الثقافية والرياضية والثقافية .. وتسلم ايها القدير، علما وإعلاما