• ×

10:34 مساءً , الثلاثاء 11 أغسطس 2020

موسى بن حسين كريري
موسى بن حسين كريري

موسم الحج الإستثنائي وفن إدارة الأزمات ..التجربة السعودية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
حج هذا العام هو حج إستثنائي بكل ما تحمل كلمة الإستثنائية من معنى، وذلك نظراً لما تقتضيه المصلحة العامة، وتتطلبه الأوضاع الراهنة من إتخاذ إجراءات احترازية وتدابير وقائية مشددة على الصعيدين المحلي والعالمي نتيجة لجائحة كورونا التي ألقت بظلالها الكئيب على العالم بأسره مع نهاية العام الميلادي المنصرم ٢٠١٩م، ولازالت تواصل إنتشارها بين دوله إنتشار النار في الهشيم.

ونظراً لِعِظَمِ الخِطب وهَوُل الخطر فقد إرتأى صناع القرار الملهمون في هذا البلد المبارك، المملكة العربية السعودية، إتخاذ قرارات حازمة موفقة منذ بدء الجائحة كان لها بعد رحمة الله جَلَ في علاه أبلغ الأثر في التقليل والحد من خطر إنتشار هذه الجائحة والخروج بأقل خسارة ممكنة في الأرواح والمقدرات، الأمر الذي كان محط تقدير وإعجاب العالم بمنظماته ووسائل إعلامه المنصفة، كيف لا وكل ما أتُخِذ من قرارات وإجراءات كانت تهدف إلى حماية وحفظ النفس البشرية التي هي من أجَلِ مقاصد الشرع المطهر.

أن بُعْدَ النظر والقدرة على إستشراف المستقبل وفق المعطيات والمستجدات الراهنة، ووضع الأليات المناسبة للتعامل مع مجريات الأحداث كان له كبير الأثر في تجاوز التبعات المتعلقة بهذه الجائحة العالمية، بل وأظهر بجلاء مدى مهنية وأحترافية قادة هذه البلاد وصناع القرار فيها ممثلة في قائدها الملهم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي عهده الأمين، الأمير الأمل المجدد، محمد ابن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود.

إن إدارة الأزمات هي علم كغيره من العلوم مبني على مجموعة من الأسس والمبادىء والمفاهيم العلمية الخاصة به، التي تجمع بين العلم والفن في آنٍ معاً. ووفقاً لأدبيات علم الإدارة المعاصرة، فإن علم إدارة الأزمات هو علم إدارة التوازنات، و التكيف مع المتغيرات المختلفة، وبحث أثارها المترتبة في مختلف المجالات، والتغلب على تبعاتها بالأساليب العلمية والإدارية المتاحة، وتجنب سلبياتها، والاستفادة من إيجابياتها وفق المنهج الأمثل، لذلك فهي نهج إداري يقوم على الدراسة والبحث والمعرفة والتجارب المستفادة، والتخطيط واستخدام المعلومات والبيانات، والمقارنة بين البدائل كأساس لإتخاذ التدابير اللازمة والقرارات الصائبة.

إن وباء كورونا وما صحبه من تبعات ربما يكون هو التحدي الأصعب والأخطر في التاريخ البشري المعاصر، فقد كان بمثابة إختبار حقيقي لمدى كفاءة وتكامل المنظومات ذات الإختصاص بمعناه الشمولي، كما كان مقياساً لمستوى الوعي والمسؤولية الاجتماعية للأفراد والمؤسسات على حدٍ سواء. ولقد أثبتت المملكة العربية السعودية بحمدالله تعالى وتقدس للعالم مجدداً قدرتها على إدارة الأزمة المصاحبة لهذه الجائحة بكل كفاءة وإقتدار، بالرغم من خصوصية وقداسة المكان والزمان، وذلك من خلال إستعدادها المبكر وشروعها في إتخاذ قرارات إستباقية شجاعة وحازمة قبل أن يضرب الوباء أطنابه في أرجاء البلاد، وهذه الإجراءات بلاشك تدل دلالة واضحة على تميز هذه البلاد وتفردها في فن إدارة الأزمات.

أن المملكة العربية السعودية في تعاملها مع هذا الوباء قد أتبعت أعلى معايير الشفافية مُذْ أن كُشف النقاب عنه عالمياً، وذلك من خلال المؤتمر الصحفي اليومي الذي تعقده وزارة الصحة السعودية وبحضور كافة الجهات الحكومية المعنية لتسليط الضوء على أبرز المستجدات المتعلقة بهذه الجائحة، وتوعية المواطن والمقيم حول الإجراءات الوقائية الواجب إتباعها للوقاية من خطر الإصابة بهذا الوباء.

ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن من بين القرارات الشجاعة والحازمة التي إتخذتها قيادة هذه البلاد في وقت مبكر من ظهور الجائحة هو حظر التجمعات البشرية في الأماكن العامة، ودور العبادة، ومنع السفر إلى الدول التي ينتشر فيها الوباء، والإيقاف المؤقت لتأشيرات الحج والعمرة والزيارة، والتأشيرات السياحية حتى تتم السيطرة على هذا الوباء عالمياً، إضافة إلى تعليق الدراسة، والحضور الجماهيري للمناسبات الثقافية والفنية والرياضية حتى إشعار آخر.

وإنطلاقاً من حرص قيادة هذه البلاد حرسها الله على إتباع أعلى المعايير الصحية، وأدق الإجراءات الاحترازية، فقد تقرر إقامة شعيرة الحج هذا العام بأعداد محدودة جدًا، وقصرها على المواطنين والمقيمين من مختلف الحنسيات، وذلك حفاظًا على صحة وسلامة حجاج بيت الله الحرام، ولضمان تقديم أرقى الخدمات، وتوفير سبل الراحة لهم، ليتمكنوا من أداء نسكهم في أجواءٍ إيمانية وروحانية وفق الضوابط الشرعية والآداب المرعية.

إن خبرة المملكة العربية السعودية العريضة في التعامل مع كل الأزمات، واحتواء ومحاربة الأوبئة وعزلها يأتي من تجاربها الطويلة في إدارة الحشود الهائلة على مدى العقود الماضية، والحفاظ على سلامتها وأمنها، ولا شك أن التدابير المطبقة من قبل المملكة لرصد الإصابة بهذا الوباء عند المنافذ الحدودية، واحتواء أي حالة قد تظهر، هي موضع تقدير إقليمي ودولي وفقاً لبيانات الجهات الدولية المعنية بهذا الشأن.

إن ما قامت وتقوم به المملكة العربية السعودية إلى الآن في مواجهة هذا الوباء يُعَدُ بحق إنجازاً مشرفاً، ومدعاة للفخر والإعتزاز بقدرات الكفاءات السعودية الطموحة وتميزها في إدارة الأزمات بكل كفاءة وإقتدار، الأمر الذي عزز مفهوم الشراكة والتكامل والتناغم والتنسيق بين كل الجهات المعنية للوصول إلى القرارات الصائبة التي حالت دون حضور عنصر المفاجأة، وذلك من خلال خطة إستباقية شاملة ومحكمة بآليات تنفيذ واضحة، وأنظمة رقابة دقيقة وصارمة.

ختاماً، نسأل المولى جلت قدرته أن يُعَجل بزوال هذا الوباء، وأن يقيَ بلادنا والعالم من شره وويلات تبعاته، وأن يحفظ الإنسانية جمعاء من كل شر ووباء، وأن يشفيَ كل مصاب، وأن يرحم من قضى نحبه جراء هذا الوباء، وأن يسكنهم فردوس الجنان، وأن يلهم أحبتهم الرضا والصبر والسلوان.

بواسطة : المدير
 0  0  202
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم