• ×

03:39 صباحًا , الثلاثاء 20 أكتوبر 2020

إبراهيم الكوني *
إبراهيم الكوني *

حسّ الأفق وحدَس العمق

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
في الشطر الأول من وجودنا، نسعى في الأرض، مشدودين الى الأفق. وفي الشطر الثاني ننكفيء إلى أنفسنا، لنفتش عن حلمنا في عمقنا. فالنصف الأول من رحلة العمر نهبه للمدى، ونحن نهفو إلى البُعد البعيد. اما النصف الثاني من العمر فنرتدّ، لنغرق في صقيعنا، لننسج من هذا الصقيع فردوسنا.

قبل الاربعين نسلّم زمام أمرنا للدوّامة كي تطير بنا إلى ما وراء الآفاق، لأن الاحلام التي نهدهدها تسكن هناك، في المجهول المطويّ خلف الأفق، ونطوف طويلاً قبل أن نجد إسماً مناسباً للدوّامة.

الإسم الذي لن يكون غير الأهواء في الواقع، كأنّ الهوى استعارةٌ ماكرة من الهواء. الهواء الذي نتخذه مطيّة في أسفار طوافنا العصيّ، فنعوّل عليه كعهد، لنكتشف، في الشقّ الثاني من القسمة، كم خذلنا. ولكننا نأبى، في مطلع الرحيل، إلا أن نختلق للمطيّة نواةً، تصلح حُجّةً في السباق، فلا يهرع لنجدتنا سوى دمية تعزينا في محنتنا اطلقنا عليها إسماً غامضاً هو: العمل!.

في هذه المرحلة يغدو العمل في حياتنا قدس اقداس نعلّق عليه كل أمل في خلاصنا. نختطّ الاخاديد في الأرض، أو نعجن الطين لنشيّد البنيان، او نحترف رتق الجلود لنصنع للعابرين المهووسين بالآفاق أمثالنا، أحذيةً، أو نلتحق بأضرابهم فنلاحق في المدى الأنعام. أي أن نفعل كل ما من شأنه أن يؤمّن لنا الفرار من أنفسنا، والإلتحاق بركاب المهاجرين الحالمين بأن يعثروا على ضالّتهم الضائعة خلف الآفاق؛ لأن لا معنى لوجودٍ لا نلاحق فيه ضالّة مّا، حتى إذا عدمنا وجود الضالّة، اختلقنا الضالّة. ولا نكتشف إلا بعد فوات الأوان أن فرارنا لم يكن في الواقع سوى فرارٍ من أنفسنا، أما الضالّة التي نطاردها، فلا تسكن الآفاق، ولكنها تتخفّى فينا، وما فرارنا عبر المدى، سوى فرار من الطريدة التي تسكننا.

تتلاحق في دنيانا الأيام، تماما كما تتلاحق في لهاثنا عبر المدى، قبل أن يتكشّف القناع عن الدمية، لنجد أن المطيّة التي اعتمدناها في الرحلة تعويذةً ليست في حقيقتها سوى صلاتنا التي عاهدنا أنفسنا أن نترجمها في حرف ما أطلقنا عليه مجازاً إسم: العمل، ولكنها ضربٌ من روتين، نصّبناه في مسيرتنا معبوداً.

الروتين لا يخيّب ظنوننا بسبب الملل، ولكن لأنه باطل اباطيل بما أنه تكرار، لأن كل تكرارّ تلقين، وكل تلقين تجديف في حقّ النواة التي استودعناها مطيّة الهوى، أو الهواء، على حدّ سواء. فهنا تبدأ الشكوك. فما حسبناه، في بداية الرحلة، فحوى، أو نواة، او رسالة، تلعب في مسيرتنا دور صلاة تروي ظمأنا الى البُغية، الى العروة الوثقى، الى الله، تتبدّى ظلاً بائساً قد يصلح بأن يعبّر عن نفسه كسلطة، ولكن هيهات أن يُعلن عن نفسه كرسالة، لأن الروح الرسالية وحدها تستطيع أن تستنزل في حقّ العمل هوية الصلاة، سيّما بعد أن أيقنّا بأن كل عملٍ شقوة، ما خلا من نَفَس الصلاة: الصلاة ليست في هويّتها كشعيرة دينية، ولكن الصلاة في صيغتها الأعظم شأناً، أي الصلاة في صيغتها الوجودية.

ففعل "صلّى" في اللغة البدئية التي استعارت منها جلّ اللغات مفاهيمها الدينية والوجودية، إنما تعني "إستقامَ".

ما معنى استقام هنا؟ استقام هنا بالمدلول الأخلاقي بالطبع، وليس مجرد الإستقامة البدنية. وأحسب أن الوقفة، في بعدها البدني، التي يتخذها كل من شرع في تأدية صلاة، هي بدورها درسٌ يترجم استقامة المسلك الأخلاقي في المقام الأول، والإستقامة في وقفة القامة تحريضٌ على المفهوم، وتأكيدٌ للمدلول الروحيّ في الطقس الديني. والعمل، أيّ عمل، هو نشاطٌ ديني ما حرصنا على معاملته كدرسٍ أخلاقي، لا لبُعده النفعيّ وحسب، ولكن لأنه وحده يستطيع أن يهب حياتنا معنى، ويعزّينا في محنة وجودٍ سيخلو من أي معنى فيما لو عدم الصلاة. وهو ما يعني أن العمل إذا كان صلاةً في الواقع التجريبي، فإن الصلاة أيضاً عمل، لأن التأمّل، أو منزلة التجلّي، هي أيضا إستغراقة عمل ثريّ أنتج عبر التاريخ كنوزاً سخيّة استطاعت أن تحسن لأخيار، وتجير أناماً كثيرين من صنوف الآلام.

وعلّ البرهان على هذا التماهي القدسي بين هذين المفهومين يتحفنا به نداء الآذان في واقعنا الإسلامي: فالمؤذّن عندما يردّد بأعلى صوت مع حلول ميعاد كل صلاة: "حيّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح!"، فإنه يعني حرفياً فحوى النداء الذي يزاوج بين الصلاة وبين الفلاح (أي العمل) كأنهما وجهان لعملة قدسية واحدة. وعندما يحثّنا على القيام في كلمة (حيّ)، التي تعني "هيّا"، فإنما يحثّنا على ممارسة الصلاة بوصفها عملاً، وممارسة العمل بوصفه صلاةً. ولكن يبدو ان استيعابنا للدرس في هذا المستوى يقاس بمدى استعدادنا لاستحضار مواهب الشقّ الثاني من القسمة الغيبية التي جعلت الوعي بهذه الغنيمة حكرا على تلك الفئة التي اجتازت عتبة الاربعين، وحلّت ضيفاً على المنزلة الأخرى التي كفّت منذ أمدٍ بعيد عن مطاردة الضالّة في المدى، والإلتفات إلى العمق، لتستبدل الحسّ بقرون استشعار جسيمة، كما هو الحال مع جناب الحدَس!.

فصلاة الحرف، في يقين عرّابٍ مثل "كانط"، هي مجرّد صفقة مع الربّ غايتها استجداء أمنية. أما إذا حكّمنا ناموس الروح التي تحيي، فإن القياس في الصلاة إنما يكمن في سيرة المُريد الأخلاقية. أي في صيغة نشاط الإنسان اليومي، في علاقته بأغيارٍ هم في الواقع كلهم ذوو قربى، إذا حكّمنا في حقّهم منطق الشراكة في وجودٍ هم فيه جميعاً أغراب، بغياب حبٍّ هو أنبل صلاة. إنها تلك الحزمة النفيسة من المباديء الجوهرية التي تغنّى بها الكاهن "آنهي" في مصر القديمة، مبثوثةً في وصايا "كتاب الموتى"، التي اعتمدها العهد القديم في حرف الوصايا العشر، لتعتنقها كل الديانات كركيزة تنصّب السلوك العملي الخيّر رأس مال الإنسان في هذه الأرض. وما النداء في صوت المؤذّن إلا دعوة للمصالحة بين الشقّين القدسيين (الصلاة والعمل)، وتحريضٌ على اعتمادهما كشقيقين، لأننا لا نفلح في استعادة فردوسنا الضائع في المدى، ما لم نسكن قليلاً لنرتحل عمقاً، فنشتري، بتحكيم الحدس، ضلال الحسّ، الذي لا يعترف بغير الحرف ديناً. ذلك أن العمل، إذا كان صلاة حسّ، فإن الصلاة عمل حدسٍ. وبالقدر الذي ينصّب فيه الحسّ نفسه على الواقع قاضياً، فإن الحدس يستجير بالضمير كي يستعير من جنابه صلاحيّات الترجمان!.

*كاتب وقاص ليبي

بواسطة : ميرا فادي
 0  0  288
التعليقات ( 0 )