• ×

01:44 مساءً , السبت 28 نوفمبر 2020

صالحة حكمي
صالحة حكمي

احتفائيَّة بشاعر مثابر

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لا أذكر أول كتاب طالعتُه، ولا أول قصيدة غيَّبتني قسرًا عن هموم الحياة.. ففي رحلة الأدب تختلط الإبداعات لتشكل وعيًا جديدًا، وترتبط الأحرف بقارئها ارتباطَ الرضيع بأمه، حتى يستحيل الفصل بين عمل وتأثيره، إلا بالمفاضلة الجزافيَّة، والألفة العابرة!

جُلّ ما تسعفني به الذاكرة، أنه كان من أوائل الكتابات التي هضمتُها (طالبةً كنتُ يومها)، مجموعة قصصية بعنوان (ذاكرة الدقائق الأخيرة)، فكان لتدفُّق تيار الوعي، وكسر الإيهام، والتداخل الزمني، أثره في افتتاني بالكتابة، وإذا بي بعدها مباشرة أنصرف إلى ديوان شعر بعنوان (وردة في فم الحزن)، ومنه عرفتُ كيف ترتدي السهولة ثوب الامتناع، والبساطة أُبَّهَة الإمتاع، فإذا كاتب المجموعة هو هو شاعر الديوان، وإذا في الغلافين معًا يبرق اسم (حسن حجاب الحازمي)، ذلك الاسم الذي عشتُ حتى استويتُ في عالم الأدب فرأيت ربى جازان وهي تردِّده، نداء أمٍّ لابنها البارّ، فكأنما هو على تواضعه وريث فنون الإمارة، يده من يدها، وعطاؤه يشبه عطاءها، وإذا صدح فكأنما هو وسوسات حليّ الزهر التي تزيِّن به نحرها، وحزام الماء الذي يمنطق جيدها.

لعله أكثر أدباء المملكة الذين كُتب عنهم، وحُلِّلت أبياتهم، وسلِّط الضوء على ما خطُّوا، فكان خليقًا بالجوائز التي تسعى إليه، ولم يسع يومًا إليها، إذ إنني أشهد له، وأقسم غير حانثة، أنه لم يصنع بيتًا لأجل تصفيق، ولا كتب قصة بهدف الإمتاع المجرّد من القيمة، بل كانت كتاباته تفاعُلَ ذاته الشاعرة مع أوجاع أمَّتِه، فكأنما كان يَرَاعُهُ موكولًا بالجروح يوقِّع عليها اسمه، فأينما يتألم عربي يتأوَّه القلم، ومتى ما تشردت أسرة أو غرق لاجئ، اندفع في نوبة كتابة حارَّة تحمي آلافًا غيرهم من الضياع، وتعيد الإنسان إلى منظومة القِيَم، وتنفِّره من أفعاله، فإذا الذي يرتكبه الضالّ يتحرج منه، وإذا بالكلمات حَيَّة تسعى، أو عصا تشق بحار المادّية حتى لا يبقى غير الإنسان الذي يُبكِيهِ سطر وتلْذَعُهُ كلمة؛ تذوب قشرة الحضارة الزائفة، ويعود إلى أصله الثابت في الأرض، أو فرعه الذي في السماء!

هذا الأديب الصارخ (وهو في صرخته هادئ التقاسيم والكلمات) يعرف أن للألفاظ هبوب عاصفة عاتية، وإن اتسقت أحرفها وانسجمت، وأن الإحساس الصادق يصل إلى القلب دونما وسائط بلاغية أو مقدَّرات فلسفية أو أوجه تأويلية، يعرف أن للكلمة كما للإنسان شرفًا، وأن الشرف لا يسلم إلا بدماء التجربة الشاعرة وجروح الذائقة ذات الدُّرْبة، أو كما يقول عن نفسه: (بحيرة دمع تتسرب رويدًا رويدًا)!ً

بالأمس احتفلت به جازان وأميرها، فأعطوه معًا شخصية الجائزة، وهو لقب مستحَق، ومكافأة هي أولى الناس به، تنبيهًا على أنه ليس الأستاذ الأكاديمي الماهر في حلحلة رؤى الشعراء واستلهام أوجه المعيار، وليس هو كذلك الشاعر الفذ العليم ببواطن الدلالات ومواطن مشتركات الحسّ والشعور، وليس هو بالقدر ذاته ذلك القاصّ العالق في زحام العقدة والحل، وليس هو الملقي البارع، ولا العضو النافذ في الأندية الأدبية ومجالس التعليم والإعلام والإدارة والتنمية والسياحية.

إنه مزيج من هذا كله؛ من ضوء شمس المملكة، ومن حنين قادتها، ومن رمالها الصفراء الزعفرانية، وهواء جبال الدخان والعريف. إنه قصيدة تمتدّ من القرن الأول إلى عهد سلمان الحزم، وهو أرض تتسع من المحيط إلى الخليج، وحضن ينفتح لكل عربي ناطق بالضاد، فقصائده مهداة إلى كل عربي، من أطفال الحجارة، حتى قادة البلاد وأمرائها، وشعاره هو القول الذي يخاطب به ذاته: (أنت لست كسولًا، ولا خاملًا.. أنت دائم المحاولة)!!

فلله درّ قلم عاصف ولسان صادق وقلب شغوف بالتجربة، مطلق اليد في تشكيل صورها، وبيان تلوُّنات حصاها، وتدرجات الروح الشفيفة الوارفة!مبارك علينا جائزة أنت وجهها! وكل جائزة وأنت مبدعٌ ومثابر .



بواسطة : المدير
 0  0  1927
التعليقات ( 3 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
+ إظهار التعليق
  • #1
    03-19-2020 07:57 مساءً فاطمة مدحلي :
    وصفتم فأحسنتم وعبرتم فأجدتم الدكتور حسن حجاب الحازمي روح وقلم وعلم خليط مبدع**
  • #2
    03-19-2020 09:39 مساءً Bya :
  • #3
    03-20-2020 04:41 صباحًا هاله عبدالرحمن :
    جميل عجبتني طريقة الوصف كان سلسه تجير القارئ على الاستمرار وفصاحة اللسان كانت ممتعه وحتى انها جعلتني ارغب في وصفها لي عندما انجز يوماً ما