• ×

04:18 صباحًا , الجمعة 23 أغسطس 2019

أحمد الحربي
أحمد الحربي

الحزنُ ولغةُ الحرفِ..

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تهزمنا الحروفُ التي تكتبُ الحزنَ، وتأخذُ منّا هدوءَنا واستكانتَنا، وتذهبُ بنا إلى موجةِ الانفعالاتِ التي تعكّرُ مزاجَنا، وتخلقُ في داخِلنا توترًا لا حدودَ لمسافاتهِ، ولا نستطيعُ الفكاكَ منهُ إلا بعد حين.

الحزنُ الذي يسافرُ بنا إلى مناطقهِ الاستوائيةِ الحارّةِ، غير ُآبهٍ بما تؤولُ إليهِ حالُنا البائسة، يُشغلُ بالَنا ويحتلُّ مساحةً في تفكيرِنا، ولا يبالي بنا، ولا يهمّهُ أمرُنا، ولا يعرفُ حاجَتنا في لحظاتٍ فارقةٍ، تسحّ فيها دمعةٌ سخينةٌ حارقةٌ، تمرُّ على خدودِنا فتجرحُ كبرياءَها، وتكتبُ سطراً لا تمحوه سطوةُ الحياةِ، ولا تواريهِ الشمسُ المشرقةُ في رابعةِ النّهار.

الحزنُ مدرسةُ العظماءِ لا يدركُ عظمَتَهُ إلا الراسخونَ فيهِ، الغارقونَ في بحارهِ، ، المتدثرونَ بعباءتهِ، المغتسلون بمائِهِ كالرذاذ المتساقطِ على أوراقِ الخريفِ الموسميّة

أولئكَ الصابرونَ على المكارهِ، المحتسبونَ لربّهم الذين يغسلونَ لحظاتِهم القاتمةَ بابتسامةٍ عابرةٍ تشقّ وجوهَهم فتكسرُ رتابتَها وتغرسُ مخالبَها لتنتزعَ الفرحَ بين ثنايا الأسنانِ واحمرارِ اللسانِ ورقةِ الشعورِ وصفاءِ الثغورِ.

نحنُ والحياةُ توأمانِ نسيرُ معها في خطوطٍ متوازيةٍ عندما نهربُ من أوجاعِها ، ونتقاطع معها عندما تتمكنُ دهاليزُها من أرواحنا، وتقبضُ علينا في لحظةِ بؤسٍ تُضرّسُنا بأنيابها وترمينا بشررٍ كالمهلِ يغلي في البطونِ ، نقاومُها أحياناً ونستسلمُ لها أحايينُ كثيرةٌ ، ونطأطأُ رؤوسنا لها فتعبرُ مع الريحِ في اتجاهِها دون أن نمسّها أو تمسّنا بسوءٍ.

نفقدُ أحبابَنا فتسيطرُ علينا فكرةُ الموتِ حتى نشعر بأننا على مقربةٍ من كفّهِ التي تكاد تلمسُ نواصينا فيستمهلها الأجلُ حتى موعدِهِ المحتوم، وتأخذُنا لحظةُ الفقدِ إلى زوايا معتمةٍ لا تشرقُ فيها أرواحُنا إلا بعد أن تغتسلَ الذاكرةُ من حميّاها، وتتفتّح أكمامَ أزهارِها ، وتبدأُ معنا الحياةُ رحلةً جديدةً خاليةً منّا على الرغمِ من التصاقِنا بها.


السبت 20 يوليو 2019

بواسطة : المدير
 0  0  336
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:18 صباحًا الجمعة 23 أغسطس 2019.