• ×

08:23 مساءً , السبت 19 أكتوبر 2019

محمد المنصور الحازمي
محمد المنصور الحازمي

مرض كأي مرض وكفى ...

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
منذ ما يزيد عن أربعة عقود ،حول مريض لمستشفى الأمراض النفسية بالطائف ، والذي كان يطلق عليه (شهار) نسبة إلى الحي الذي شُيَّد فيه ، أجر ى له المختصون من الأطباء بالمستشفى اختبارًا لتقييم حالته ، وجيء به مقيدًا ؛ وبعد فكوا عنه قيوده ،أحضروه أمام برميل مليء بالماء وبرميل مفتوح من الجهتين ، المطلوب أن يملأ الفارغ بواسطة اناء (سطل) ، ملأ السطل الأول وفرغه بالبرميل الفارغ ، شاهد الماء أخذ طريقه للتراب.

رمى السطل ؛ قائلًا : تتحايلون عليَّ ، هل أنا مجنون؟ ...فأعادوه لأهله بأن قواه العقلية سليمة ، ثم قضى بقية حياته ما بين البيت والصحة النفسية ،بعد أن افتتحت بكل مستشفى عيادة نفسية ثم بعد افتتحت مستشفيات "الصحة النفسية"، يمكث أيامًا ، ثم يعاد الى بيته ، لم يوذِ أحدًا ؛بل داوم السفهاء على إيذائه ..

وبالرغم من تقدم العلوم الطبية ، ومعاملة المرضى النفسيين باعتبارهم كأي مرض ،بأمراض عضوية ، إلا أن الكثيرين ، لا زالوا يجادلون ، بأنه مريضٌ نفسي ؛ لأسباب مختلفة منها الأسري ، وما ينتج من تقلبات واضطرابات نفسية تعود لسوء معاملة جهة العمل ، من زملاء ، أو مسؤولين ، كالتفرقة في المعاملة من حيث الثواب ، والتقييم ، والتشدد في وقت الحضور والانصراف أكثر من التركيز على الانتاجية وجودة العمل وسرعة انجازه ، وقد يكون لموظف ما ظروفًا اقتصادية أو ضغوطًا اسرية أو تعدد مسؤولياته وفقًا لحجم الأسرة.

وبناء عليه ، يشاهد من لم يبتلِه الله مثل أولئك الذين يعانون ويؤثرون الصمت ، ويطرأ عليهم تقصير في عمل ، أو في رعاية اسرة ، بأن فلانًا مريض نفسي ، ناهيك عن أن البعض لا يزالون لا يعترفون بمرض نفسي ، بل ومن قبل وكان مبررًا أن يوصم من حصل لديه ظروف أخلت بتركيبته النفسية سريعة التأثر؛ وهذه لها جذور إما وراثية أو ناجمة عن مرض عضوي أو ضغوط اقتصادية .

وبظل تعدد الروافد الثقافية صار الناس أكثر تنويرًا، إلا أنه ظل يوصف من يعاني من تبدلات في تصرفاته التي لا تؤذ أحدًا ، أن فلانا مجنونً ، وحاليًا مريض نفسيًا، وكذلك استمرت هذه اللازمة ، كما كنا سابقًا لم نكن حينها نسمع عن صحة نفسية أو أمراض نفسية ، فكان أي شخص تصرف أي تصرفات ؛ يطلق عليه (مريض نفسي) ، والأكثر من ذلك أنه مصاب بمس أو سحر أو عين ، نعم العين حق والسحر يقع ، لكن ما كل تغير في تصرفات شخص تؤدي لوصمه بالجنون أو بالممسوس أو المحسود ، أو المسحور.

وبالنظر للمجتمع وما يقوله ، تجعل البعض ممن طرأت عليهم تصرفات ، إما تراكمات ، أثرت على نفسه ومشاعره بما فاق تحمله حسب تكوينه ،لا يلجأ بعد الله إلى مراجعة عيادة نفسية ، وقبل ما يربو عن 25 عامًا وصل عدد ملفات من يراجعون الصحة النفسية في منطقة واحدة أكثر 80 ألف حالة ، ولا أحد يعلم عن اكثريتهم الطاغية أنهم يتناولون عقارات دائمة ، ومنهم من تجاوز حالته ، وأضحى سليمًا مما كان يعانيه ، ولم يعلم به أحد أنه مصابٌ بمرض أو عارض نفسي، أو بعد أن تعافى .

كثيرون لايزالون ، حتى مع مراجعتهم مشايح يعالجون بالرقية ، يتنقلون من شيخ إلى شيخ ، ويرفضون نصائح الرقاة بأن لا سحر أو حسد أو عين اصابته، وعليه أن يراجع اقرب عيادة أو مشفى للصحة النفسية ، لا يقتنع البعض والبعض اقتنعوا.

ولا يمكن انكار أن الكثير من الحالات وليس جميها؛ أما بسبب عين أو سحر أو مس ، ويتم علاجها روحيًا من الشخص نفسه ،بالرقية ، أما أن يعتقد شخصٌ ما أن شخصًا راقيًا بعينه هو من سيشفيه ، مسألة فيها نظر ، وباعتقادي أنها قد تصل بالشخص إلى درجة الاعتقاد أن شيحًا ما هو الوحيد الذي سيشفيه ، وربما يصل لدرجة الشرك الاعتقادي ..الأفضل أن لا يحدد أحدٌ أن الشفاء بيد شخص مهما كان ؛انما الشفاء والضر والنفع بيد الله وحده ، والرقية أجازها الشرع لكن لا تصل أن يشد الرحال لراقٍ معتقدًا فيه. والعوراض النفسية كأي عوارض مرضية تصيب الجسد، لها علاج ، وبعضها ..قد تكون بفعل عمل سحر أو عين أو سواها ،تعالج بواسطة الشخص نفسه أو عن طريق قارئ من أهله أو غيرهم من الرقاة ...ويمكن الجمع بينهما .

أروي حقيقة وقفت عليها ، أن شخصًا اصيب باضطرابات عصبية وتشنجات ، وأجريت لها اشعة مغناطيسية على دماغه وتبين أنه مصاب بزيادة الطاقة الكهربائية وأعطي علاجًا قيل له مدى الحياة ، عن طريق حبوب اسمها "تيجرتول" فكان اذا نفدت منه تعود له الحالة بتشنجات في يده او كلتا يديه ، وذلك عند انتهاء آخر نسبة من العلاج ، وبعد أن يتناولها يعود طبيعيًا . وظل لسنوات يحرص على تناول العقار، اصابه القرف من العلاج ، قصد به أهله معالجًا بالرقية واستمر معه عام ونصف العام ، وأوصى بأن لا يستخدم الهاتف أو الجوال أو يستمع أو يشاهد أغانٍ أو يتابع مسلسلات أو أفلام ،. فيها مشاهد خيالية ، ,واصر المريض بذاته أن لا يشاهد التلفزيون نهائيًا حتى تكتمل فترة العلاج كما أوصاه المعالج وانقطع خلالها عن تناول العلاج ، تيجرتول".

استمر عامًا ونصف العام ؛ لم يتناول قرصًا واحدا ، وقد تبين للمعالج أنه مصاب بمس طائر يتردد عليه ومع الرقية يهرب وهكذا ، وانتهى العام والنصف ومضى عليه الآن أكثر من عشرين عامًا لم يستخدم فيها عقار أو قصد راقيًا. سألت ذويه أكدوا ذلك ، فيما أن العلاج بالعقار الطبي المشار إليه، جزم الطبيب أن يستخدمه مدى الحياة ، وأكد استشاريون حتمية استخدامه مدى الحياة.

طرأت فكرة المقارنة لديَّ ، فقلت بنفسي ، اليس الشيطان (ابليس يجري في الانسان مجرى الدم) ، ربما العقار اياه ومن الطبيعي أن ينطلق داخل الاوردة ويفسد ما نفثه ابليس، فيختفي اثره ، وهذا يؤكد أن الانسان يخلق وبأوردته وشرايينه نزر من عدوه ابليس ، فالذكر والدعاء وقراءة القرآن وصحة المعتقد تفسد ما اختلط بدمائه من شر ابليس ، فتفسد فعالية أضراره ، وعندما ينتهي أثر العلاج نهائيًا ويتجاوز فترة الجرعة المحددة ، تعود إليه الحالة ..

وقد بحثت لعلي أجد ما يدعم مقاربتي ،وبالفعل وجدت ما قاله الامام النووي بالمنهاج قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَىَ الدَّم).وقال القاضي وغيره: قيل: هو على ظاهره، وأنَّ اللهَ جعل له قوَّة وقدرة على الجري في باطن الإنسان مجاري دمه. وقيل: هو على الاستعارة لكثرة إغوائه، ووسوسته فكأنَّه لا يفارق الإنسان كما لا يفارقه دمه. وقيل: يلقى وسوسته في مسام لطيفة من البدن، فتصل الوسوسة إلى القلب، واللهُ أعلم.

المعنى الثاني هو المتعين وهو المتبادر إلى الذهن إذا قرأنا القول ضمن الحديث الكامل بدون اقتطاع عن ‏ ‏علي بن حسين ‏ ‏أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أتته ‏ ‏صفية بنت حيي ‏ ‏فلما رجعت انطلق معها فمر به رجلان من ‏ الأنصار ‏ ‏فدعاهما فقال إنما هي ‏ ‏صفية ‏ ‏قالا سبحان الله قال :‏ ‏إن الشيطان يجري من ابن ‏ ‏آدم ‏‏ مجرى الدم ؛أخرجه البخاري...

ولذلك من الطبيعي أن النفس معرضة للمرض ، ويتعايش من اصيب بمرض نفسي ويتعافى بإذن الله ، كثيرون مصابون ولايظهر منهم ما يؤذي من حوله ،و من بينا لا يخلو أحد من مرض نفسي بنسب متفاوتة ، فلا نفرزهم ونهول عليهم ، فهم كما حال أي مريض يمتلك إرادة الحياة والتعافي والتفاؤل بالشفاء والأمل بأن الله سيشفيه ، وقد يسر الله طرق العلاج الطبي وسخر مكتشفين لأدوية ، وكذلك لا ننسى ، قوله تعالى في سورة يونس في آية رقم ( 55 ) : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ" .

بواسطة : المدير
 0  0  237
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:23 مساءً السبت 19 أكتوبر 2019.