• ×

06:18 صباحًا , الجمعة 6 ديسمبر 2019

محمد المنصور الحازمي
محمد المنصور الحازمي

معلمون .خالدون " الطاهر العبيد " .. (1)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
من المعلمين الذين لم يغادروا الذاكرة الاستاذ الطاهر العبيد احمد شظوان من بلدة أم الضو بان بالسودان ..خريج "بخت الرضا" ، اكاديمية أنشاها الانجليز ؛ مقرراتها تدرس بالإنجليزية ، جاء منتدبا للتدريس أو كما كان يقال مُعاراً ، حيث يتسلم راتبا من وزارة المعارف ( التعليم (حالياً) .وراتبًا يتسلمه من حكومة السُّودان التي كانت في أوج نهضتها ورخائها .

كان منوط ًابه "كوكتيل " من المواد الدراسية إضافة للعة الانجليزية ، الفنية "الرسم والاشغال ، عربي ، بدنية " أداؤه فيها وكأنما مادته الرئيسية الانجليزية ليس كما اليوم تكملة جدول إن عزَّ وجود المتخصص !! وكان يدرسنا التربية البدنية وينظم ويدير الطابور الصباحي .

أما تدريس الانجليزية فقد كان افضل معلم ؛في منطقة جازان ،،على قدر ما وجدت معلمين في معهد المعلمين والجامعة وأجزم على مستوى المملكة ، بزمانا لم نكن نشاهد حرفا لا تينيا واحدًا الذي تكتب به اللغات الأوروبية ومنها الانجليزية إلا لدى العم محمد منصور مريع يرحمه الله بدكانه الشهير ، كان يلف ما نبتاعه ونحن صغارًا سواء كاتسكرا أو شايًا ،حيث تصل بالات تشبه بالات القطن تلف فيها المشتريات من المواد الناشفة ،من المسترجعة من صحف انجليزية أو ما مما تفيض من أسواق المستعمرات البريطانية وأقربها عدن وايضا الكيروسين كانت تستورد من عدن في صفائح تشبه اليوم صفائح "الحلاوى الطحينية ".!

ورغم الجفاف المجتمعي الثقافي باللغات الأخرى ، كنا نتابع باهتمام الاستاذ العظيم الطاهر لم أتذكر أن جلس يوما على كرسي .. كان يعرض بطاقات حروف ويستعين بوسائل تعليمية ورقية جاهزة تؤمنها الوزارة تشمل كافة دروس المقرر من حروف ، ورسومات عن ما تعنيه بعض الكلمات الغريبة على الطلاب كالشوارع المزفتة وسيارات النقل العام للركاب "الباصات" وإشارات المرور ، وكأني بها تنقلنا لشوارع لندن بباصاتها ذات الأدوار المتعددة.

الكتاب المقرر كان صغير الحجم وأحرفه صغيرة جدًا يخلو الكتاب من الصور الملونة ، "، وكراس للخط كما الكراس الانجليزي الذي يباع بالمكتبات حاليًا سطر مفرد و سطرين متوازيين المسافة بينهما أقل من نصف سنتمتر كي تكتب الحروف الكبيرة ببداية الكلمة والصغيرة أقل حجما ، تؤمنها الوزارة للمدارس من شركة " لونجمان" ،وأظن أنه كان تدرس بمجموعة دول الكومنولث ، وربما وفقًا لاتفاقية ثقافية أو تعليمية مع وزارة " المعارف السعودية " التعليم حاليًّا، فالمعلم الناجح هو من يبدع بمجهوده لا بوسائل حديثه.

تفانى الأستاذ الطاهر، و بذل جهدا خرافيا أثمر عن مستويات فاقت مستويات زملائنا بالمدارس المتوسطة بجازان والشاهد بعد تخرجنا من الصف الثالث متوسط ، التحق معظمنا بمعهد اعداد المعلمين بجازان، فوجئ معلمو الانجليزي بالمعهد بمستوانا إذ تخطينا المقرر بصفوف المعهد الثلاثة , لدرجة أننا تخرجنا من المتوسطة ونحن نجيد قواعد اللغة الانجليزية وإعراب جمل كاملة .

كان لا يذكر ا معانٍ للكلمات بالعربية بل بجملة معبّرة عنها بالإنجليزية أو رسمه؛ مما أتذكره أن زارنا بالصف الثالث متوسط مفتش سوداني ضعيف البنية قمحي اللون فما أن انتهى الأستاذ الطاهر من الدرس وناقشنا ، ثم يختم بالواجب المنزلي ، كان واقفا مع المفتش وبعد دقائق اندلع بينهما تلاسنٌ بالإنجليزية وتعالى صوتيهما وكان من السرعة ما أدهشنا ، إذ تعمدا ذلك كي لا نتبين كل ما دار بينهما .

بعد خروج المفتش ولمَّا نكمل إجاباتنا التحريرية ،و تسلم دفاترنا بعد أن غادر المفتش " المشرف التربوي "اخبرنا المعلم أن المفتش لامَهُ كونه أثقل علينا بهذا الكم من المعلومات بما يفوق المرحلة المتوسطة ، كنا بالصف الثالث يوم زيارة المفتش ، أبلغنا بأن ردَّ على "المفتش" : أعتقد أنك تابعت مناقشتي لهم هل وجدتهم استوعبوا أم لا ، قال نعم لكن ليس مطلوبا منك أكثر من المقرر وأنه اثقل علينا ....

كان الأستاذ طاهر في يوم بالأسبوع بالحصة السابعة انجليزي وكانت عدد حصص الانجليزي ثمان بالأسبوع " ، فكان يجعلها حصة مفتوحة فيقسّم السبورة بطبشورة إلى قسمين هكذا اسماهما (جروب "مجموعة " A وجروب B)، كان يسأل أحد الطلاب من مجموعة A أن يقول أي كلمة وآخر يجردها حروفا ، ويسأل من الجروب B من يستطيع كتابتها على السبورة , وآخر يضعها في جملة مفيدة , وهكذا ولا نشعر بالوقت ووطأته والجو وحرارته والجوع وقسوته ، فيما كعادته واقفًا طوال الحصة.

ولا ابالغ كنت وزملائي نتمنى أن تطول الحصة .. وكما قلت سابقاً .. اعطني معلما كالطاهر .. أخرج لك طلابا كل واحد منهم ماهرًا ،يعشقون المدرسة يدخلونها صباحًا تغمرهم السعادة والبهجة، تستوطنهم الثقة ، ديدنهم التلهف والرغبة في التعلم ، يلمسها المتابع لنا في خطوات سيرنا إلى المدرسة ـ وانصرافنا بعد الفسحة إلى الفصول ، نننصرف بنهاية اليوم الدراسي تثب الفرحة فينا عما أنجزناه بيومنا الدراسيَّ الشيَق .

أتوفر على بمعلومات؛ الفضل فيها لله ثم للأستاذ الطاهر ، الذي كان فوق ذلك كله يرفدنا بنشاط ؛ أناشيد بالإنجليزية , وأناشيد بالعربية حين كان يدرسنا بالصف الأول لغة عربية ايضًا ويلحنها لنا في المساء وكنا نذهب الى بيته بطلب منه ليسجلها بجهاز تسجيل ليسمعنا ونكتشف أخطاءنا بأنفسنا ،.

هذا بالسنة الأولى كان يعلمنا كما أسلفت لغة عربية .. كما نسجل أنشودة من خارج المقرر تقول الأنشودة ، والتي تكرّس فهمنا وإلمامنا بمعاني مفرداتها ودلالاتها :
One Two One Two Where Am I Where Are You
Three Four Three Four I am sitting On the Flour
Five Six Five Six Put your Books In Your Desks
Seven Eight Seven Eight I am Early you are Late
Nine Ten Nine Ten put your Pencil Near My Pen

, ما يميز الأستاذ العظيم الطاهر عن غيره من المعلمين قيافته كان كل يوم يظهر بنطلون وقميص وحذاء من لونين متناسقين وهذا يوفر له أن يلبس البدلة الواحدة ليومين بأسبوعين كونه ما يلبسه السبت غير ما يلبسه الأحد ،ورائحة العطر تنتشر منه لم نكن نعرف شبيهًا له إذ كان عطورنا الفاخرة " بنت الفن ، أو ريفدور" .

كان أول من أدخل ثلاجه ببيته على مستوى ضمد ، وكان أكثرية المعلمين فلسطينيون ، كثيرًا ما يغارون منه ويختلفون معه ، فيما كان يلتزم الصَّمت ونادرًا ما يرطن معهم بلا خصام ، و قبيل المغرب ، كثيرًا ما شاهدتهم وزملائي الآخرين ، يدلفون نحو عشة صغيرة حيث الثلاجة تعمل على الكيروسين خزانها لوقود أسفل الثلاجة .وفتيل داخل اسطوانة زجاجية زرقاء اللون تولد منها الطاقة المشغلة لها. وعشية سفره بالسنة الثالثة ابتاعها منه شقيقي الأكبر علي وظلت بالبيت سنين طويلة .

يحفظه الله ويسعده ، وإن كان لاقى ربه ، يرحمه الله ويسكنه الجنة.


من كتابي (شذرات من الذاكرة)

بواسطة : المدير
 0  0  475
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:18 صباحًا الجمعة 6 ديسمبر 2019.