• ×

02:47 صباحًا , الأحد 18 أغسطس 2019

ابتسام عبدالله البقمي
ابتسام عبدالله البقمي

على ضفاف النهر (3) .. " وفي "الصيف ضيعتِ اللبن"

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قِيلَ هذا المثلُ في العصرِ الجّاهلي نابعاً من تجربةٍ حقيقة وحادثة واقعيَّة؛ فقد روى الرُّواةُ أنّ أحد سُراة الجاهلية ووجهائها وهو " عمرو بن عمرو بن عُدسٍ" تزوّجَ ابنةَ عمِّهِ بعدما ارتفع سنُّه وصار شيخاً كبيراً ... وكانَ يحبُّها ويكرمُها ويسخو عليها بمالهِ الوفير ...، لكنّها كرهت شيخوخته، وقارنت بين حالها وحال صديقاتها اللآئي تزوّجن بفتيانٍ يقاربوهنّ في العمر ...

تأسّفت على حالها وشبابها الذي ينفلتُ منها في ظلّ شيخٍ مسنِّ ... ونسيت في غمار هذه الحسرة ما يتمتّعُ به زوجُها من كرمٍ وشجاعةٍ وذكاء ووجاهة في قومه فضلا عن حبّه العظيم لها؛ لكنّها فركته حتى طلّقها أي ظلّت معه على سوء الطباع والخصام والنفور حتى طلّقها، ثمّ تزوجت بعده بشابٍ جميل المُحيّا من "آلِ زُرارة" لكنّه لم يكن كزوجها السابق في الشجاعة والمروءة وكريم الخصال.

فلما أغارت عليهم قبيلةُ " بكر بن وائل " نبّهتْ زوجها ليدافع عنها ويمنع عن عرضها الأذى لكنّه استعظم القتال واستهول الرجال وأصابهُ الفزعُ فماتَ في مكانِه فسباها قومُ " بكر بن وائل " فسمع بذلك زوجُها الأوّل - عمرو بن عمرو - فأسرع إليها بالنّجدة والفرسان فأستنقذها من السّبي والمهانة ، وقتل من خاطفيها ثلاثَة فرسان ...!

ثمّ تزوجتْ ثانيةً بشابّ آخر لكنّه - هذه المرَّةَ - كانَ فقيراً إلى حدّ أنّها كانت تتشهَّى أنْ تشربَ الحليبَ الذي لم تكن تفتقده في بيت " عمرو بن عمرو " ، بل كانت تشربه بديلا للماء عند هذا الزوج الأول ... وبلغَ بها اشتهاءُ اللّبنَ درجة شديدةً ... إلى أن كانت ذات ليلةٍ واقفةً أمامَ خيمتها ومعها جاريتُها فمرّت بها قافلةٌ عظيمةٌ من الإبلِ تكاد تسدّ الأفقَ فقالت لجاريتها : اطْلُبي من صاحب هذه الإبل أن يَسْقِنا من الّلبن ... فذهبت الجارية وأبلغت الرسالة لصاحب القطيع ، وإذا به " عمرو بن عمرو بن عُدس " - زوجها الأول - ... ، فسأل الجارية : أين سيدتُكِ ... ، فأشارت إلى حيثُ تقفُ زوجته السّابقة ...، فقالَ لها : قولي لها : " الصَّيفَ ضيَّعتِ اللّبن ...

" ورفض أن يعطيها من حلبِ إبله ... وكان يشيرُ بقوله هذا إلى إضاعتها له وإسراعها إلى الزواج بغيره ممّن لم يدانُوه في خُلُقِه وحبّه لها، ولم يستطيعوا أن يمهّدوا لها العيش الكريم؛ فأحدُهم مات جُبناً ولم يستطع الدفاع عنها والآخرُ أجاعها وأظمَاَها إلى حدّ أنها اشتهت حلبَ الإبلِ من الغُرباءِ ... وصارت مقولةُ عمرو بن عمرو مثلاً يُضربُ لكلّ من يُضيِّعُ ما بيديه من خيرٍ طمعاً في غيره وبطراً بالّنعم وجهلاً بقيمة ما يملكه من مُتاَحِ النّعَمِ.
وبعد:

من الجميل والمهم جداً، أن نضع هذا المثل نصب أعيننا؛ فإن وهبنا الله زوجاً صالحاً محسناً لنا، مؤدياً لحقوقنا، نسكن إليه، ونأنس، ونسعد، أباً أو أماً لأبنائنا فلا نفوت ونضيع النعمة؛ لخطًأ بسيط، أو استهتار، أو تهور، واستخفاف، واحتقار لبعضنا، إذا وهبنا الله أبناء وبنات؛ فلنكن لهم نعم الأب والأم الراعيان، الناصحان، المحبان، الأخ، والصديق، والرفيق، فإن اخطأوا فلنتعامل معهم بحكمة، ولا نقسوا عليهم، ونقاطعهم؛ فيكونوا صيداً سهلاً لمروجي المخدرات، والفكر الضال، ورفاق السوء، ومحاضن الفساد.

إن وجد المعلم الطالب المتفوق الموهوب؛ فليشجعه، وليحفزه، وليعزز مواهبهم، ويصقلها، وهكذا الموظف المنضبط المنتج؛ نحفزه، ونعزز لديه الإيجابيات، ونطور قدراته الوظيفية، وندربه، ولا نتجاهله، ونهمشه، ونساويه بغير الملتزم، وغير المنتج.

إضاءة:
اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

بواسطة : المدير
 0  0  332
التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    01-13-2019 12:34 صباحًا alwi :
    جميل*
    موفقة دائما
  • #2
    01-13-2019 07:52 صباحًا حسن الزهراني :
    تتكرر تلك الأمثال أمام الناس الا ان البعض منهم للأسف لا يتعض.* فيسعى* نحو شهواته ورغباته دون إدراك بخطورة الاقدام بلا تخطيط أو أهداف سامية*
    مقال مميز بروعة كاتبته وجمال الصحيفة*
    *
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:47 صباحًا الأحد 18 أغسطس 2019.