• ×

07:35 صباحًا , الإثنين 19 أغسطس 2019

جهاد الحارثي
جهاد الحارثي

الستاسي والحوثيون

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

جهاد الحارثي

ذات ليلة احتجت لبعض اعمال الصيانة في المنزل ، فاستدعيت احد الجيران المقيمين بجانب منزلي ، والذي كان من الجالية اليمينة، لبى النداء واخرج عدته وبدأ بالعمل ، بدأت الحديث معه سعيا مني في ان اسليه قليلا في عمله ، فسألته عن حاله وحال اهله في اليمن وهل هناك امل في انهاء الحرب الاهلية هناك ، تنهَّد ثم قال : لم اتمكن من الدخول الى الاراضي اليمنية لرؤية اهلي وابنائي واقاربي هناك منذ 2015 من قبل عاصفة الحزم وحتى الان .

وأضاف ، الوضع باليمن اشبه بتصفية حسابات قديمة ، والحوثيون يقومون بفرض التجنيد الاجباري للشباب ، والتهديد المتكرر للعوائل بالاسلحة ، ونهب ما تقع عليه اعينهم من مال وخيرات واراضي حتى ، ولو كانت لمطامع شخصية ، واشعال المشاحنات التي قد تصل الى الدم بين افراد القبائل ، ونشر افكارهم الضالة بين مراحل التعليم المختلفة ، حتى ان "ابن خالته" الذي كان يعمل معه سابقا ،ذهب ليتزوج بعد ان استكمل مبلغ مهره من عرق جبينه ، ليذهب هناك ليكون في استقباله بنادق الحوثيين التي تطارده ، رغبةً منهم في انضمامه غليهم ، ليرحل هاربا منهم متجولاً بين صخور الجبال مستوطنناً في خنادقها .

لم أدري كيف اواسي ذلك الرجل التي حرقت الحرب قلبه كما احرقت معه اكثر 26.5 مليون قلب ، فدائماً يسعى ذو السلطه الذي يعيش وسط دوامة الخوف والارتياب غالبا الى اللجوء الى وسائل الاعتقال وكبت الاصوات وزرع اجهزته الاستخباراتية بين الناس ، وزعزعة حبال الثقة بين افراد المجتمع حتى تكون نظرياته هي دستور الجميع .

هذه الاعمال هي اعمال الانظمة الهشة التي تخشى السقوط من اي شيء ، كما فعله الحكم الشيوعي في ما يعرف سابقا بـ "المانيا الشرقية"، الذي استمر لما يقارب الـ45 عام ، فبعد اتحاد الدولتين أصبح بالإمكان الكشف عن أرشيف جهاز أمن الدولة السابق بألمانيا الشرقية السابق (ستاسي (STASI) ، فحين كشف عنه اندهش العالم من حجم الارتياب الذي عاش فيه النظام السابق ، وعلى سبيل المثال : وصل عدد الملفات الامنية الى 16 مليون لمواطنين تم التجسس عليهم فقط لمجرد الشك بهم .

يضم الجهاز للعديد من قطع القماش التي تحتفظ بروائح المشتبه بهم مخزنة في عُلب زجاجية محكمة ، والالاف من المفاتيح والاقلام و المحافظ وغيرها من الادوات التي امسكها المواطنون يوماً ما وتركوا بصماهم عليها ، ناهيك ذلك عن طول الرفوف التي وضِعت عليه الملفات ،والتي تزيد عن 80 كم ، ووصل حد جنون الارتياب الى مستوى لا يمكن تصديقه ، فكانت تضخ الدولة ميزانيات هائلة لهذا الجهاز ، وفي حين كانت المانيا الغربية مشغولة في شراء حرية السجناء السياسين بملايين الفرنكات من الشرق ، ثم تقوم حكومة المانيا الشرقية بتسخير هذه المبالغ لشراء احدث التقنيات و الاجهزة لمراقبة المواطنين.

من القصص الغريبة لذلك النظام هي قصة السيدة "فيرا فولنبرغر" ،التي كانت مناهضة سابقة لحكومة المانيا الشرقية، وكان زوجها "كنود" يقف بجانبها دائما ويشد من ازرها ، ولانها تدرك بان عملاء الستاسي"البوليس السري " يحيطون بها من كل مكان ، فكانت حذرة في كل تصرفاتها وتقوم بعملها بسرية تامة ، الى انه قد تسربت بعض من صورها ومحادثاتها ، التي سمحت لجهاز الستاسي من ادانتها وسجنها لمدة طويلة ، اما زوجها المخلص فواظب على خدمتها وبعد ذلك اصبح"كنود" وسيلتها الوحيدة لاتصالها بالمجموعة في الخارج ، وبعد انقضاء الحكم الشيوعي والافراج عنها ، اصبحت "فيرا" امرأة سياسية و انتخبت عضوا في البرلمان الالماني ، بعدها قررت على الاطلاع على ملفها السابق بين رفوف الارشيف لنظام الستاسي ، فصعقت حين اكتشفت بان زوجها "كنود"، كان عميلا مخلصا للنظام ، وخلال زواجها كان يزود الستاسي باخبارها وتحركاتها ، بل وباسماء المعارضين الذين تتصل بهم في السجن.

المخيف في الامر ان ملفات الستاسي كشفت في دولة كان مستوى الرعب اقل بكثير مما هو عليه الان حال بعض الدول العربية التي تعيش صراعات ، فكيف ستكون الصدمة التي ستحل على هذه الشعوب عندما يتمكنون من النظر الى ملفاتهم في الرفوف الاستخباراتية ، وما يدعو للتأمل ان حكومة برلين دمرت الارشيف والغت جميع اجهزة الاستخبارات ، ومع ذلك لم ينهر فيها الحكم بل وصلت فيها نسبة النمو و التطور الى حدود تحسد عليها .

بواسطة : المدير
 0  0  236
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    07-12-2018 11:39 مساءً م/ محمد على الحربي :
    شتان بين الستاسي والحوثيون ،فالانظمة التى حكمت في الغرب ،إكتفت بالتجسس على معارضيها ، وإداعهم السجون .. بعكس الانظمة العربية التي أزهقت الكثير من الارواح المناهضة لها اثناء التحقيقات وداخل السجون ، فهم ينظرون لمناهضيهم نظرة ، إرهابية ، إنتقامية ، فلا تعايش بين حاكم ومحكوم !
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:35 صباحًا الإثنين 19 أغسطس 2019.