• ×

05:23 مساءً , الخميس 14 نوفمبر 2019

محمد المنصور الحازمي
محمد المنصور الحازمي

من القلب ... (1) (عتاب واعتذار )

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
محمد المنصور الحازمي

لا يُعاتَب إلا من يوثق في صدقه ، فلا تُعاتب متغطرساً لِتشْعِره بالزهو و بأنه إنسانُ محظيٌ ومهمٌ , ولا تُعاتب على ما لايستحق جهدَ عتابك خاصة بأمور يُلْتَمَسُ فيها العُذر لثقتك التامّة بأنه لم يصل لحد الإساءة قولاً أو فعلاً مشهوداً ، ومن طبيعة أي فرد أن ينسى إساءة ، خاصة ممن لم يكن يُتوَقَّعها منه ، ويظل الموقف عالقا بذاكرته ، ولكن لا تجعل من الموقف المختزن بالذاكرة يتحكم في علاقتك مع من أساء إليك بشخصك، ومن الطبيعي أن لا تظل العلاقة معه على نفس النّسق السابق بل التحرُّز منه بقرارة نفسك خاصة إذا تكرَّر منه نفس المسلك، أما إن كان عارضًا ولم يكن ملازمًا لتصرفاته ، فلتعُدَّه خطأً بشريًّا من الممكن أن تقع فيه ومما يمكن التجاوز عنه.

ومن الشهامة والثقة بالنَّفس أن على من أخطأً أن يبادرَ بالاعتذار؛ أو على الأقل إن سوَّف أوتأخَّر؛ أو وجد بأنه لا يجد أن ما بدر منه وخلَّف في نفسية المقابِل ألمًا وندوبًا ،فذلك منه سوء تقدير فليعتذر بأثر رجعي عن تأخره في تقديم اعتذاره ، وإن لم يفعل ؛ وبادر من وقع عليه الخطأ بالعتاب؛ فبادره بالاعتذار لا بالصَلَف والعناد، وعلى من وجد أنك قابلته بتبريرات تهربًا منك وعزوفًا عن اعترافك بالخطأ ، ولم تقدر عتابه ، فعليه تجنب عتابك ؛ تقديرًا لذاته وإكرامًا لنفسه والنأي عنك .

ولا تتسبب بإحراج من كان تبريره في الحال عن خطأ ارتكبه بحقك واهيًا ، يكفي أنه يعلم بقرارة نفسه أنه لم يقل الحقيقة ،ويدرك جيدًا أنه لن يفلح بتسويق وجهة نظره للدرجة التي يجزم بأنه وصل لحد طمأنتك بما اختلج لديك بفهم تصرفه أنه لم يكن متعمدًا ثَلْمَ قناعاتك أو الانتقاص من شخصك .

أما فيما يتعلق ، بما لا يمس شخصك وخصوصياتك ؛ كأن اختلف معك بوجهة نظرك ، أورأيك في محفلٍ عام ، أو في نقاش ثنائيٍّ في مسألة ما أو رأي في فكرة أو اجتهاد منك ، فذاك لا يستوجب عتابًا منك نحوه ، وعليك احترام رأيه ، ولا يعد ذلك تنازلًا منك عن رأيك دونما قناعة منك ؛ بل عليك أن تفْهِمَهُ أن الاختلاف لا يزال قائمًا بالكليِّة أو بجزئية مما كان محل نقاش ،أما أن توهمه بتوافقك مع رأيه تجنبًا للجدال فحسب؛ فذلك سيكون حجة له عليك ، ومن حقه أن يذيع أنك وافقته على رأيه ، ومن جهتك لن تجد من يتقبَّل تفسيرك بمجاراته على ما زلت تعتبره خطأً منه دون أن يعلم ، وإن وجدت بقرارة نفسك أن رأيه هو الأسلم فعليك تعزيز رأيه ، ولا يعده المقابل انتصارًا له.

وعلى أي حال ، سواء عتاب عن خطأً شخصي أواختلاف رأي ، أو اعتذار ، فالحلم أجدى وأنفع و يزيد من قدر الانسان لدى الخلْق وهو "سيَّد الأخلاق" و يكسب المرء أجرًا مضاعفًا لدى خالقه، متى احتسب حلمه لوجه الله ، دون أن يكون خنوعًا لمخلوق بمجاراته بالباطل ، وأسمى الحلم يتجسَّدُ فيمن يدعو إلى فضيلة متأصلة في الناصح ويسعى بجد للوصول بالآخر الى ما يرفع درجاته بدنياه وأُخْراه.

والصبر هو مع القدرة على الرد بالمثل من أسمى القيم ،.والصبر مع إحتساب الأجر عليه من الله فذلك سنام الايمان ، وأكثر منه؛ عدم الكلل باستخدام وسائل غير مباشرة للوصول لقلب من يُرْجى ارتقاؤه لسمو الأخلاق؛ وإبعاده عما يقْلِلْه فيمن حوله ،وعن رضا الخالق عنه فبالحسنى ، من المفيد أن تُزْرَع الثقة فيه، و بأن له الفضل بأن تقبل وجهة نظرك ولولا تحمله جم حرصك عليه بما لم يعتدْ عليه ،ووصل إلى تقبله منك ،فهذا أسمى من اعتذار وأرفع من عتاب.


.

بواسطة : المدير
 0  0  359
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:23 مساءً الخميس 14 نوفمبر 2019.