• ×

07:35 صباحًا , الإثنين 19 أغسطس 2019

محمد المنصور الحازمي
محمد المنصور الحازمي

"تويتر" أم "تَوتُّر و تَوتير ...؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

يستقبل العالم العام الميلادي 2018 ولا تزال المنطقة العربية تشتعل وتحتل عناوين أخبار الدماء والصدمات الاجتماعية والاقتصادية . وتصاعد الخصومات والاصطفافات؛ صدارة الأحداث الدولية ،ومما زاد من وتيرتها؛ أن طغت مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة "تويتر" وفيس بوك " على أجهزة الاعلام الحكومية أو الخاصة، والتي تديرها نخب ثقافية واعلامية تتحمل مسؤولياتها ولها ضوابطها ... فأصبحت تلك المواقع أشد تأثيرًا في تشكيل رأيٍ عام للأسف في غالبيته موجهًا؛ بصورة غير مباشرة، ثم ما يلبث أن ينزلق إلى معاركَ كلاميَّة تتصارع فيها نخبٌ ورعاعٌ ، ودهماء وعملاء ومأجورين ... لا فرق .

صارت تلك المواقع ساحات مواجهات مكشوفة بين شعوب من مختلف البلدان ؛ منها محاطة بأسوارٌ من طين، ودول بحواجز من كتل خرسانية، ودول وشعوب رهنت مصيرها بالاصطفاف؛ لا يهمها أولًا وثانيًا ولا نهائية من الأرقام؛ سوى إشباع نهمها وشراهتها؛ ما انفكت تدس أنفها في أدنى اختلافات، وتؤججها إلى خصومات ثم إلى خلافات ومؤامرات ، فما أن تثار مشكلة على موفع تواصل، حتى ترسل وفدًا للاستطلاع وللبحث عن نقاط الاختلاف وما يهمها بالأساس أن تظل مصالحها ونفوذها خارج ما يدور بين الأفرقاء .

وتُختتم زيارة وفدها في دولة بتصريح يلفه الغموض؛ بظاهره الحرص ، وحقيقته التي لم تعد خافيةً؛ الاستفادة من نقاط القوة والضعف والبناء عليها، وفي أخرى أنه بالإمكان حل الاختلافات ولكن لم يحن الوقت لتشخيص مكامن الخلل ،وفورًا تعقد صفقات تعاون ثنائي ، وتعنون وسائل اعلامها أن الزيارة كانت لبحث العلاقات بين البلدين وسبل تطويرها ، و توقيع اتفاقيات ثقافية وبيئية إلخ .

تتماهى معها صحفٌ العملاقة ووكالات انبائها المأجورة ، وتتناول حقوق الانسان ، المرأة ، الحريات لتشكل وسائل ضغط جُيِّرت لدولة مقر تلك الوكالة أو الوسائل الإعلامية وتسرب ما دار في الغرف المغلقة؛ وما أن تبادرها دولة معنية بما ووجهت به على غير توقع أو أدنى احتمال ، تجد الجواب بمبررات جاهزة؛ أن وسائل اعلامها لا سيطرة لها عليها ، و أن ما سرب إليها لا دليل عليه ؛ بل تناولته مواقع تواصل من الصعب الجزم على وجه اليقين بهوية من غرد أو نشر ، وأن تجاهله أوجب من بحثه ،فيما أضحى يتصدر عناوين أخبار فضائيات العالم ،و بأسرع من النار في الهشيم ، وفي نفس الوقت يمكن بسهولة نفي ما يكتب فيها بأن حسابًا اخترق ، أو أن احدًا انتحل صفة مسؤول .

ومن التناقضات التي نعيشها يوميًا ، أن مسؤولين بشتى دول العالم؛ من اليسير أن يدحضوا ما سُرِّب ونشر أنه من فعل مجهول؛ في مواقع تواصل لا سيطرة عليها، وما أن يكتشف موقع تواصل ما تم تناقله وأنه يسيئ إلى الموقع ذاته، ويتعارض مع شروط الانتساب إليه ، تغلق حسابًا أو حساباتِ، وتفتح له ألف حساب ، ثم نفاجأ أن نفيًا يصدر عن حساب مسؤول أدنى ،أومن وزير بحسابه "الرسمي" أو الخاص ،أو تصريحًا أو مواقف حكومة من الحكومات ، وتعامل على أنها محض رأي شخصي ولا تعبِّر بحال من الأحوال عن موقف سياسي رسمي .

والأكثر إيلامًا أن مواقع التواصل، وخاصةً " تو يتر" أمست وأصبحت مستنقعًا لمنظمات إرهابية وعصابات لترويج مخدرات، وساحة مفتوحة للرذيلة، ولتشكيل رأي عام لدى شباب ومراهقين ومرضى قلوب، يتم تأليبهم على دولهم ، ومبادئهم ومعتقداتهم ، فأفرزت خوارج وملحدين ، ومثيري فتن...

السؤال الذي لم نقو على مواجهته بجواب شاف؛ هل وصلنا إلى حد الإدمان على المماحكات والجدال ، في وقت معظم أهل الحل والعقد بعيدون نسبيًّا عن تلك المواقع ، وفي لحظة ما سنصل الى قناعة أن مصير الخلافات بين الدول مهما طالت ستنتهي ؛دون أن نُستشار أو نأخذ علمًا مسبقًا ، وقد يكون ذلك في وقت نكون في جدال محموم بحكم عامل " المواطنة" ، لكن ستظل اقلام مأجورة وألسنة تم شراؤها تخلق مساحات من التأجيج والفاعلون " مشبوهون ، وبأسماء وهمية ..

ولا يعني هذا؛ أن نتخلى عن دحض الاشاعات والأكاذيب، والذَّب عن ديننا وقيمنا وأوطاننا وقياداتنا؛ لكن علينا الترفع عن الشتائم والسباب والتعمُّق في الخصوصيات ، وننافح وندفع ما استطعنا بالكلمة الرصينة والحقائق الناصعة، ولا ننجر الى التخلي عن الآداب العامة ،وقيمنا الدينية ، وننخرط للأسف مع النخبوية السوقيًّة .

هذا الغثاء الذي نعيشه ، شتائم وسباب ، لم يسلم منه نخبوي أو من القطيع ، هكذا تصدر استفسارات وتساؤلات ما بال أولئك الناس يقضون الساعات في أخذ ورد؛ سواء من مسؤول معني بما يدور حوله الجدال الساخن، أو متعاطفين معه؛ ما يلبث يومًا أو يومين ، وتستجد حالة تأزم أخرى تطوي ما سبق ، و هلمجرا .

أسرد قصة واقعية تكشف أننا لم نتنبه بعد إلى المخاطر الصحية المترتبة على الجدالات، سألني احد الأصدقاء من خارج العالم الافتراضي، ما بال الملايين يتلفون أعصابهم ويبددون أوقاتهم ،ويهجرون لغة الحوار الهادئ الرزين، تحولتُ إلى أن أسأله تهربًا من أن أجيبه، أن طرحت عليه سؤالًا؛ عن امتلاكه حسابات في فيس بوك، وتويتر أو غيرهما من مواقع "التواصل"؛ أن فضولًا كان يدغدغه بالتسجيل فيها ،منذ أن سمع أنها تقدم تنويرًا، وثقافة عامة، وأخبارًا طازجة، صادف توقيت هاجسه بالانتساب إلى "تويتر" أن كان في زيارة قريب له بإحدى المناطق؛ يرقد في إحدى المستشفيات ؛ وحال وصوله قد تحسنت حالة صديقه عما كان تلقى عن خبر مرضه؛ وقد نقل من العناية الفائقة الى التنويم بقسم الأعصاب ؛ فأخذه الفضول أن يسأله عن مرضه وأسبابه ، اشار إليه الطبيب الزائر أن يتريث .. وأومأ إليه أن يتبعه حال خروجه إلى مكتبه .

ودع صديقه ، ثم قابل الطبيب؛ طمأنه أن صحة صديقه العامة لا تشوبها شائبة ، ويخضع لفترة من الراحة؛ بعد أصابه توترٌ عصبيٌّ نتيجة مواقف مزعجة ومؤلمة ، تسببت له في حالة إغماء؛ وقد أظهرت الأشعة المقطعية والمغناطيسية؛ أن حالته التي كان عليها لم تكن نتيجة مرض عصبي خَلقي "صرع"؛ أو أصابته جلطة وخلافها ، بل ندمت عن ارتفاع مهول في الأدرينالين ، اختفت بعد علاج مكثف بالعناية الفائقة ،وقد كشَف المريضُ لطبيب نفسي تم استدعاؤه ؛ أنه يمكث ليليًّا أكثر من أربع ساعات في جدالات وخصام بموقع "تويتر" ، يصوم فيها عن الكلام؛ وعن تناول سوائل ؛عدا قهوة أو شاي ، والآن في تحسن مضطرد ، ولا يحتاج لأي علاج مع خروجه سوى أن يبتعد عن الجدال وحرق الأعصاب في مواقع التواصل.

ختم حديثه؛ بأن ألغى فكرة الانتساب إلى أي موقع تواصل وخاصة " تويتر" الأكثر حظوة لدى رؤساء دول ، ونخب ، ومشايخ ومن كل الأطياف والتوجهات؛ ويصح أن يطلق عليه موقع " توتر" الأعصاب ، و"توتير" العلاقات بين الدول ، ويجُرُّ شعوبَ العالم إلى تشعباتٍ وفرقة وتشنجات ؛ خاصة وقد اختار الكثيرون الولوج لأسوأ ما فيه ..

بواسطة : المدير
 0  0  473
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    01-02-2018 10:43 مساءً عائشة شاكر زكري :
    نعم صدقت وأجدت أستاذ محمد فمواقع التواصل أصبحت السلطة والسلاح والعُدَّة والعتاد . الله المستعان على زمان الهرج والمرج والكج والزج*
    • #1 - 1
      01-03-2018 12:42 صباحًا المدير :
      بوركت د. عائشة ، ومداخلتك القيمة ، واثرائك للمقال ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:35 صباحًا الإثنين 19 أغسطس 2019.