• ×

09:36 صباحًا , الخميس 21 نوفمبر 2019

محمد إبراهيم الفقيه
محمد إبراهيم الفقيه

هل كنت تكره علي عبد الله صالح ؟ أنا لا أكرهه

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

لا زلت أتذكر صورة ذلك الشاب النحيل ذو الشعر الكث والمجعد الذي قبل ان يجلس على كرسي رئاسة الجمهورية الوليدة ؛ذلك الكرسي الذي ابتلع أكثر من رئيسين قبله ،وفي فترة لا تتجاوز الأربع سنوات؛ لقد قرر هذا الشاب ان يخوض تجربة قاسية ومعها قرر أن يضع روحه على كفه فإما أن يمضي ليكتب اسمه في تاريخ اليمن واما ان يلحق بصاحبيه لم يكن لديه الكثير من الخيارات ،؛لكن يبدو أنه ورغم صغر سنه وحداثة تجربته؛ قد استوعب الدرس جيدا وفهم أنه من العبث والمغامرة ان تأتي على أنقاض دولة ونظام بائد ثم تمشي في الطريق عاري الصدر .

اختار بطل قصتنا أن يبقى غامضًا لايظهر كثيرا ،ولا يتحدث كثيرا ؛ يقرأ التطورات بصمت ولا يتخذ الكثير من القرارات هذا الغموض وهذا الصمت دفع بالتكتلات السياسية والقبلية إلى اتخاذ الخطوة الأولى والمبادرة في الوصول إليه ،وهذا ما كان يريده هذا الوضع جعل القبائل والساسة يتنافسون فيما بينهم على الوصول إلى الرئيس وليس على الوصول إلى كرسي الرئيس !! الأمر الذي مكن له واشعره ببعض الارتياح فقد انتقل من مرحلة الترقب ورد الفعل إلى مرحلة الفعل.

لذلك بدأ يظهر ويتحدث ويخاطب الشعب ؛لم يكن في البداية فصيحًا ولا خطيبًا ؛لكنه أدرك أنه في جمهورية حديثه وإن الشعب ينتظر منه الكثير وأن عليه أن يستحوذ على مشاعرهم ويقدم نفسه بصورة أكثر اقناعا لذلك عمل على تطوير قدراته ومهاراته في الخطابة ودغدغة المشاعر؛ وبعد سلسلة من الترقيات المتتالية لرتبته في الجيش قرر أن يخلع بزته العسكرية ويهذب من شعر رأسه ، وكان يظهر في صورة مدنية قبلها .

وفي منتصف سنة التسعين ميلادي توصل إلى اتفاق مع علي سالم البيض يقضي بإعلان الوحدة اليمنية ولأنه اعتقد لسبب أو آخر ان دول الخليج لم تبارك هذه الخطوة فقد قرر الوقوف في صف العراق اثناء اجتياحه لدولة الكويت في اغسطس 1990 اي بعد إعلان الوحدة بثلاثة أشهر ،هذا الموقف حجب عنه الدعم الذي كان يجده من دول الخليج واكتشف ان فاتورة الوحدة كانت باهضة الثمن فقد اتحد مع دولة خزائنها خاوية فتفتق ذهنه عن خطة تتوافق مع موقفه من حرب الخليج وهي تحريض المغتربين اليمنيين في الخليج على العودة إلى حضن الوطن .

وكان يرحمه الله يعلم حينئذٍ أن معظم اليمنيين في المملكة لديهم الكثير من الاستثمارات ورؤوس الأموال التي من شأنها لو دخلت اليمن ان تنعش الخزينة العامة ،وتجلب الكثير من العملة الصعبة ؛لذلك أطلق "أيوب طارش "اغنيته الشهيرة (ارجع لحولك ) التي حركت مشاعر اليمنيين؛ انطلقوا في موجة بيع ممتلكاتهم وتسييل استثماراتهم والعودة إلى اليمن ؛تزفهم احلامهم الوردية ،ولكن هذه الخطة لم تصمد طويلًا ،ولمواجهة العجز المتزايد في الخزانة العامةقرر صالح طباعة المزيد من العملة اليمنية دون وجود غطاء نقدي وهذا ما أدى إلى انهيار العملة بشكل مفاجئ ،وفي سنة 94 كانت حرب الانفصال والتي اجهدت الدولة أكثر وارهقت ميزانيتها لكن انتصاره فيها قدمه للشعب كبطل تاريخي فاطلقوا عليه لقب فارس العرب.

ومع الأيام ادرك صالح أنه لا غنى له عن علاقات متميزة مع جيرانه في الخليج لذلك قرر التقارب وفتح صفحة جديدة وجيدة مع دول الخليج ومع دخول الألفية الثالثة ؛بدأ يجني ثمار هذا التقارب الذي تأخر كثيرا؛ فقد بدأ اقتصاد البلاد يستعيد عافيته وانتعشت السياحة وظهرت مشاريع تنموية في معظم محافظات الجمهورية اليمنية ،ومع استقرار سياسته الخارجية كان عليه أن يعود إلى الداخل ليحتوي خصومه السياسيين خاصة حزب الإصلاح الذين يمنون عليه وقفتهم الفاعلة في حرب الانفصال حيث أحيا مجلس النواب ؛ وانتخب الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيسا له ومعها تزايدت شعبيته وأصبح كل الشعب يهتف بالروح بالدم نفديك يا علي ،ولا أنسى رحلته البرية إلى الحج التي ودعه فيها الملايين من الشعب اليمني ، واستقبلته أيضا الملايين في تظاهرة أشبه باستعراض العضلات !!بعدها بدأت تتنامى حركة الحوثي وتتمدد ورغم قناعته بخطرها لكنه لم يقض عليها وكان يكتفي باعادتها إلى المربع الأول بعد كل مغامرة حوثية.

ورغم أن الشعب اليمني لم يثر في الثمانينات ولا في التسعينات رغم الفقر والمرض والفساد إلا أنه ثار في 2011 برغم ان الدولة كانت في عز قوتها ،ولأن علي عبد الله صالح بارع في قراءة الأحداث والتحولات السياسية ؛فقد قرر التنحي سلميا مع احتفاظه بكل قواته وتسليم السلطة لنائبه لكن بعد مضي سنتين لم يتحمل صالح البعد عن السلطة ولا شماتة الشامتين لذلك قرر العودة ولكن عبر الحوثي عدو الأمس في لعبة سياسية لا يتقنها الا علي صالح !!

وبعد ثلاث سنوات من اجتياح الحوثي لصنعاء وبعد وصول الشعب اليمني إلى قناعة تامة بأن البديل السياسي للرئيس الرمز لا يلبي طموحاتهم ولا يحقق تطلعاتهم قرر علي صالح اختطاف ثورة 2011 وتقديم ثورة جديدة يبدو أن كل اليمنيين سيباركونها وسيدعمونها ليعود علي عبد الله صالح من الباب الكبير شامخا مبتسما كعادته .لكن خيوط اللعبة هذه المرة لم تكن بيده بل بيد حليفه ففي يوم الإثنين الرابع من الشهر الثاني عشر في العام 2017 استيقظ اليمنيون على خبر مزلزل حيث أعلن الحوثيون مقتله أثناء محاولته الوصول إلى اتفاق هدنة معهم ليسدل الستار على قصة رجل كان مختلفا وفريدا وكما وصف نفسه ذات بأنه يلعب على رؤوس الثعابين .

حقيقتان مهمتان تُحْسَب له يرحمه الله؛ الأولى ان علي عبد الله صالح وطوال فترة حكمه التي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود؛ لم يطلق رصاصة واحدة تجاه المملكة رغم كل مناوراته السياسية ، والحقيقة الثانية أنه كان جريئا وبطلا حينما استجاب لدعوة المملكة لترسيم الحدود بين البلدين وهذا انجاز تاريخي.....

.

بواسطة : المدير
 0  0  499
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:36 صباحًا الخميس 21 نوفمبر 2019.