• ×

04:30 صباحًا , الجمعة 18 أكتوبر 2019

د. عواجي النعمي
د. عواجي النعمي

الاختلاف في الرأي يفسد القضية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

نشأنا وتربينا وتعلمنا الكثير من الامثال والاحكام والقيم , وفي كل مرة نحاول تقمص تلك الفضائل فإننا نصطدم بواقع نفسي داخلي يلفظ كل هذه المُثل ويجعلنا ندور في حلقة محكمة من الانانية والاعتداد بالرأي الشخصي واعتبار كل رأي مخالف هو نوع من العداوة المبطنة وسوء النية المستتر .

عندما تجد نفسك مجبرا على الدخول في خلاف على رأي او فكرة فمن الافضل أن تتغافل وأن تتداعى الغباء وعدم الفهم إذا كنت حريصا على عدم خسارة الطرف الاخر والمشارك في ذلك الخلاف الفكري . وتوفيرا للوقت والجهد لا تحاول استخدام الادلة والمنطق والاثباتات والبراهين لتقول أنك مُحق , فمثل هذه التصرفات ستواجه بتجييش من الطرف الاخر لكسب المعركة الفكرية ونيل شرف الانتصار وستورثك عدوا دائما .

اصبح من الصعوبة بل من المستحيل إقناع المحاور بكل فكرة حتى ولو كانت تلك الفكرة لا خلاف عليها شرعا وفقها وعقلا وفهما ومنطقا . وأضحى الاعتراف برجاحة الفكر الاخر وسلامة المنطق للطرف الاخر هو نوع من الاستسلام والاعتراف بالضعف والهزيمة في نظر الأغلبية !! ولعل السبب في ذلك وببساطة أنه في معظم الحوارات لا نركز على اهمية الفكرة وموضوع الطرح بقدر التركيز على شخصية صاحب الطرح في ظل سباق محموم تغذيه عصبية قبلية ومناطقية ومذهبية وعلمية وفكرية .

وأصبحت عقولنا في كل حوار فكري هي كعقول الاطفال التي تزداد تعنتا وعنادا مع كل محاولة لأقناع ذلك الطفل بالتخلي عن قناعاته وافكاره . إنها حالة من الفكر العابث ولعلني أفضل أن أطلق عليها ( الفكر الطفولي ) الذي اصبح سِمة النقاشات والمناظرات . وفي خضم هذا النقاش الطفولي عندما تجهد نفسك بتوفير كافة الادلة العلمية والمادية لأثبات رجاحة فكرتك ومنطقيتها , تجد الطرف الاخر يجند نفسه ويحمل بِخيله ورِجله من اجل تفنيد كل منطق تنشده ومن أجل مصادرة كل عقلانية تدعيها .

تابعت وفاة والد الممثل الكوميدي والذي قدم أفكارا في مسلسلاته أتفق معها من اتفق وأختلف معها من اختلف , ولأن الموت مصيبه توجب الترحم على الميت وتعزية ذويه , فقد استغربت ذلك الفكر الي دعا الى عدم تعزية ذلك الممثل الفاسق حسب زعمهم وعدم الترحم على ابيه الذي زرع وسقى وأنبت ثمرة فاسدة !! . ثم تابعت وفاة زوجة شيخ فاضل في حادث مروع ودهشت لأولئك المطالبين بعدم تعزيته والترحم على فقيدته لأن له تاريخا فكريا مخالفا لأفكارهم النورانية !!

وأكاد أجزم ان الجدل البيزنطي الذي سمعنا به وقرأنا عنه لم يكن بهذا القدر من العداء والكراهية والاختلاف , ولم يتولد عنه صدورا ملأها الحقد , ولو كأن الامر متاحا لتلك القلوب لحمل السلاح لفعلت وجزّت رقاب كل فكر مخالف وقطعت ألسِنة كل رأي معارض.

كل من يرى في الامر الذي ذكرته هنا مبالغة فليدخل الى (حلبات) وسائل التواصل الاجتماعي التي زادتنا فرقة وأظهرت حقيقتنا التي كنا نُخفيها وندعي جهلا وزورا اننا اصحاب ثقافة وفكر . أن ساحة التراشق الاجتماعي كشفت سوءاتنا حتى أننا لم نجد منطقا أو شيئا من فكر سليم نواري به تلك العورة القبيحة . واخيرا سأدعي أنني صاحب فكر ومنطق وسأقول أنه لا يمكننا الخروج من نفق التخلف إلا من خلال النأي بالنفس عن اساليب الجدل العقيم والبعد عن التعنت , واحترام الرأي الأخر وتقدير الفكر المعارض . ولعلني اختم بقول المصطفى عليه السلام ( ما ضل قوم بعد ان هداهم الله إلا إذا اوتوا الجدل ) .

أخر الكلام : يقول الامام احمد بن حنبل رحمه الله ( التغافل تسعة اعشار الرجولة .)




بواسطة : المدير
 0  0  936
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:30 صباحًا الجمعة 18 أكتوبر 2019.