• ×

04:06 مساءً , الأربعاء 13 نوفمبر 2019

د.  عواجي النعمي
د. عواجي النعمي

العقل والعمامة السوداء

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

ظهر ذلك المرجعية الديني الشيعي على احد قنوات التلفزيون وقال ( اصبح حالنا في العراق امام خيارين لا ثالث لهما إما دكتاتور وأمن او ديموقراطية وفوضى ) ثم استرسل قائلا كان صدام حسين ديكتاتورا ولكن كان هناك امن وأمان وجاء بعده من ادعى الديمقراطية فكانوا اكثر ديكتاتورية واكثر دموية ولو خيروني الان لاخترت عودة صدام فوجود ديكتاتور واحد وقاتل واحد مع امن وأمان خير مما نعيشه الان في العراق . وبغض النظر عن الخوض فيما قال ذلك الشيخ فعلينا أن نتفق أن من اهم الاسباب لما نعيشه في منطقتنا وعالمنا العربي والاسلامي هو غياب الفكر العقلاني ووجود حالة مزمنة من الانسداد لكل مشروع تنوير والانغماس في ارث تاريخي سطره الدم وخلده الحقد والكراهية ..

و يرى الكثير من مفكري الغرب ؛ بأن من اهم اسباب هذا الانسداد هو الانصهار الكامل في مفهوم التشدد وعدم السماح بأي فكر نقدي او تجديدي ؛وعليه فأن كل العادات والتقاليد والمفاهيم الراسخة منذ مئات السنين لا يمكن دراستها او مناقشتها لكونها مسلمات غير قابلة للتغيير ,علينا أن نعي اولا أنه لا يوجد دين يسمح بالتطور واخر يمنعه ولكن هناك الانغلاق والتشدد الذي اصطدمت به حركات التنوير سواء اكانت مسيحية او يهودية او اسلامية . وعلينا أن نؤمن ايمانا تاما أن العلم الصحيح بالدين والفهم المستنير لتعاليمه هو الذي يشكل بداية أي انطلاقة حضارية . كذلك فأن هذا الفهم هو الذي يحرر العقل ويطلق العنان لتلك الطاقات المكبلة بقيود الرجعية والتشدد.

أن ظهور حركات التنوير وبوادر الحضارة يحتاج الى روح تبعث وتنعش وتُحْي ذلك المكان كما يقول هيجيل . ونقصد بالروح هنا الفكر والعقل والحرية .وعندما تهجر تلك الروح ذلك المكان فأنها تخلفه خرابا ودمارا وهذا ما حصل لنا منذ انهيار الحضارة العباسية والاندلسية . ولعلنا نستدل هنا بقول برنارد لويس عن تخلف الحضارة الاسلامية ( أن بعض رجال الدين عارضوا دخول المطبعة في الامبراطورية العثمانية طوال ثلاثة قرون خوفا من دخول الافكار الجديدة !! ) وهذا الخوف لازال مستمرا وعشناه في محاربة دخول كل جديد كالتلفاز والموبايل والانترنت ، وأن ما نعانيه حقا هي روح مريضة معتلة بالطائفية والتشدد ومعاداة الحرية والتنوير والعقل ؛ وعقولنا مقيدة بأصفاد العقائد المتنطعة والخطب الايدلوجية , حتى اصبحت عقولنا تقمع نفسها بنفسها ولعل هذا هو افظع واخطر انواع الارهاب الذي نعيشه اليوم .

يذكر لنا التاريخ أن من ابرز من تصدوا للغلو وخنق حرية الفكر العالم الكبير ابن حزم والذي اتهم المتشددين بالخلط بين الايمان والتطبيق الصارم للطقوس والشعائر واتهمهم ايضا باختزال العقل الديني الى الحفظ الببغائي عن ظهر قلب للشروحات وشروح الشروحات ، ولم يكن ابن حزم هو الوحيد الذي واجه هذا النوع من الفكر البليد ولكن كان هناك اخرون كأبن خلدون وغيره من الذين وجدوا أن هذه الطريقة اوجدت جيلا يقرأ القران دون تدبر او تفقه . وللأسف فأن هذا الفكر أمتد من تلك العصور الغابرة الى زمننا هذا , فقضية الحسين ويزيد لازالت حاضرة وكأنها البارحة ولازال البشر يدفعون ثمن معركة لم يكن لهم فيها ناقة او جمل .

نعود لنقول لذلك الشيخ المشكلة لم تكن في صدام او فيمن جاء بعده ولكنها في تلك العقول التي ظلت اسيرة الجهل والخرافة وأول خطوات استرداد الحرية هي إزالة تلك العمامة السوداء .

 0  0  1620
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:06 مساءً الأربعاء 13 نوفمبر 2019.