• ×

11:52 مساءً , الثلاثاء 20 أغسطس 2019

د.  عواجي النعمي
د. عواجي النعمي

دعاة على أبواب جهنم

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


عادت أيادي الإرهاب لتضرب من جديد وتحصد مزيدا من الأبرياء , ومع تزامن إحداث تفجيرات الإحساء , أوضحت وزارة الداخلية نتائج الاعتداء الغادر الذي ضرب احد المساجد بطوارئ عسير . ومرة أخرى تشعر النفس بالأسى والحزن لترى أن من يقتل الأبرياء ويخون تراب هذا الوطن الطاهر هم من ابنائه الذين أمتلات بطونهم من خيراته ونعموا بمقدراته . ولمعرفة اسباب الانسلاخ من حب الوطن والاهل والمجتمع والارتماء في احضان الشيطان Pعلينا أن نتذكر الحديث الشريف (هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون ) ويقول صلى الله عليه وسلم (من رغب عن سنتي فليس مني ) ويرفع يديه الكريمتين الى السماء بعدما قتل خالد بن الوليد راعيا ويقول (اللهم أني أبرأ اليك مما فعل خالد ) ويصف لنا نبي الرحمة بإسهاب صفات الدعاة على ابواب جهنم فهم يصلون ويصومون ولكنهم يمرقون كما يمرق السهم من الرمية .

ولو استعرضنا العنف في الاديان السماوية لوجدنا أن (الأرباب ) هم من جعلوا من السلام دمارا ومن الحياة خرابا . كنت قد كتبت في مقال سابق يبحث اسباب التطرف والارهاب بين شبابنا مستشهدا بمقولة الدكتور عبد الكريم بكار ( أنه كثيرا ما ينشأ الغلو نتيجة الفهم الخاطئ للنصوص , وتعدد تلك النصوص في القضية الواحدة , وكون معظم النصوص ظنية الدلالة) ويؤكد الكاتب حيدر حب الله أن الذي يحصل في الحياة الدينية هو تعميم القداسة على مفاهيم وأفراد ليست مقدسة اصلا في الدين , وتصبح هذه المقدسات هي مرجعية دينية للفتوى كالقران والسنة ويستدل لتأكيد نظريته بتعاطي الفئة الشيعية مع كتاب (بحار الانوار للمجلسي) وتعاطى الفئة السنية مع (كتبالولاء والبراء ) , ويستطرد لقد تصور الكثير من الطائفتين السنية والشيعية ان نقد لهذه الكتب سيؤدي الى هدم الدين بل هو نوع من الكفر والالحاد , فتحولت هذه الكتب الى كتب مقدسة يصعب نقدها او التعاطي العقلاني معها .

ويذكر الكاتب الكبير يوسف زيدان في كتابه دوامات التدين أن مجموعة من أهل الصعيد البسطاء يقسمون بجامع البخاري !! فيسألهم لم تُقسمون بالجامع ولا تُقسمون بالقران فيقولون له الجامع أجمد !! لقد استمرت عملية تقديس الشيوخ والمراجع الدينية حتى اصبحت المرجع الرئيسي للتشريع عند البعض قبل القرأن والسنة ولعلنا نذكر فتوى الخوارج في تكفير علي ومعاوية سابقا وفتوى الدواعش في تكفير الحكام العرب والمسلمين حديثا وفتاوى اصحاب العمائم في قتل كل من يختلف معهم !! وفي مقال سابق تطرقت الى أن محاولة تطبيق العصر الاسلامي قبل اكثر من الف واربعمائه سنة على العصر الحاضر هو ضرب من المستحيل وأن مشروع الخلافة الاسلامية الراشدة هو حلم لن يتحقق ولعل حلم الخلافةهو من أعظم الاسباب في تفشي ظاهرة الغلو والتي أدت الى تلك المقارنة الظالمة بين حكام البلدان المسلمة في الوقت الراهن وبين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره من الصحابة الافاضل !! ولهذا تجد معظم الخطب العصماء تنتهي بمقولة أين هؤلاء من عمر وأين هؤلاء من خالد وأين هؤلاء من قاهر الصليبين صلاح الدين الايوبي بينما يبكي الشيعة رمزهم الحسين منذ قرون !!

ومن هذا المنطلق الفكري ظهرت المطالبة بفكرة عودة الخلافة الراشدة عند متشددي السنة او خلافة ال البيت عند خوارج الشيعة !! وهنا نذكر قصة الخوارج مع علي بن ابي طالب كرم الله وجهه عندما قالوا له إن ما ننقمه عليك أنك لا تحكم فينا كما كان يحكم ابو بكر وعمر !! فقال لهم : كان ابو بكر وعمر خلفاء على من هم مثلي وأصبحت أنا خليفة على من هو مثلكم !! ثم يخطب فيهم بعدها قائلا ( يا أشباه الرجال ولستم برجال , حلوم الاطفال , وعقول ربات الحجال , لوددت أني لم اركم ولم تروني ) . ويُروى أن معاوية بن سفيان رضي الله عنه قال لولده يزيد كيف ستحكم الناس لو اصبحت خليفة من بعدي فقال كما ابو بكر وعمر , فضحك معاوية وقال حاولت أن اكون شيئا من عثمان فلم استطع !!

يشعر كل المجتمع بالحسرة وهو يرى أن جميع من يقوم بهذه الافعال البربرية سعوديون , ليس لهم من تاريخ ارهابي معروف !! , بل أن معظمهم من صغار السن , فكيف تركوا بهجة الحياة وملذاتها وكيف استطاعوا مفارقة الاسرة والمجتمع والذهاب للمصير المجهول . ويزداد شعور المجتمع بالغرابة وخيبة الامل عندما يجد أن السواد الاعظم من هذه التنظيمات التكفيرية الخارجية تبرأت من كل قيم الاسلام الحقيقية لتعتنق اسلاما لاندري كيف جاء , وهنا لابد ألا نغفل جزئيتين مهمتين , الاولى نشأة وتربية الطفل وهل للأسرة والمدرسة والمجتمع دور في زرع الاحقاد والأفكار المريضة ؟

والثانية هل المعارضون لهؤلاء الشباب وأفكارهم نهجوا المصداقية في محاورتهم ومناظرتهم ودعوتهم ومقارعتهم الحجة بالحجة , وهل قاموا بدراسة ظاهرة التطرف والغلو ومعرفة الاسباب واقتراح الحلول وتطبيقها على مستوى الاسرة والمدرسة والمسجد والجامعة , وهل قاموا بتجفيف منابع الارهاب واستئصال مصادر الفتوى العبثية وإيقاف وسوسة أصحاب الطيلسانات والعمائم.

 0  0  1449
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:52 مساءً الثلاثاء 20 أغسطس 2019.