• ×

08:32 صباحًا , الإثنين 19 أغسطس 2019

حسين عقيل
حسين عقيل

رجل التوازنات

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

من بين الرجال من يكون اشبه حالا بالجبال في سيرته وسلوكه وطبيعة حياته ؛ فالله سبحانه وتعالى قبل ان يجعل في الارض خليفة هيأها للحياة ولخلافة الانسان وارساها بالجبال وثبتها وجعلها في مدار لاتفارقه وفي مسار لا تنحرف عنه، فلا تطيش في الفضاء ولا تفقد التوازن ولا تخل بالسباحة في الفلك! وسبحان من قال : (والجبال اوتادا) ؛ ومن بيئته خاض الانسان مسيرة الحياة واخذ من طبيعته العبر، وحاكى فيها جميل الصور! وجاء من بيننا رجال خاضوا الحياة عظاما لا يفتر لهم عزم ولا يلين لهم حزم ومضوا وكل ميسر لما خلق له.

أتحدث عن رجل عاصرناه وعرفناه ولعلي اكثر من اقترب منه، واكثر من ابتعد ! فرأيته من بعيد وعرفته عن كثب! سمعت عنه فترات ابتعادي، وحين عدت اليه صادقت بمرآي على كل ماسمعت، وهكذا لم ينثن عن عظمته في كل حال، فالجبل هو الجبل والشموخ هو الشموخ والقمة العالية كما هي لا تدنو في حضور او غياب!فمنذ سنوات طوال عرفته بوجه وقور وهيئة منضبطة وشخصية تفرض على من يراها احترامها، وكنت في مقتبل حياتي العملية وحتى قبلها بسنتين تقريبا حين رسخت في خيالي سمات الوقار وتلك الشخصية الحكيمة في شبابها، وبقيت عاملا في محيطه مرات لا ابتعد عنه وتحت ادارته مرات لا انفك عنه، وهكذا امضيت ربع قرن وانا اتأمله!

نحتت صورته في خيالي على صخور العظمة والكبرياء، واستقرت على صفحات قلبي محبته، واقام امام ناظري مثالا شامخا للنبل والاباء واللباقة والثبات. وهبنا من حياته مالم يهبه لأبنائه، وعاش معنا ولنا اكثر مما عاش لنفسه وذويه.. واينما حل احتوى الجميع ، واحتضنه المكان بحب وشغف. في ادارته كان للجميع مدرسة، وفي الازمات ملجأ وملاذا، وفي السيرة قدوة عظيمة وأسوة حسنة، وكان ولايزال رجل العطاء وصمام الامان والتوازنات.وهو من نسج لصحة جازان استر واجمل الحلل من حرير قلبه،
وحملها على عاتقه وكتفه ، واينما وجد انتشلها وعبر بها نحو الامان والريادة ؛ يخوض في عمق الاعاصير ثابتا ولا يهاب، ولا يضعف ولا يتنصل! ولا يفر في محنة ولا يتراجع عن الاقدام، ولا يفتر دون هدف نبيل او ينكمش عن بلوغ غاية! عاش الحياة بكل اطيافها والوانها وما صبغته ولا غيرت ملامحه.احبوه فبادل محبيه الحب والوفاء، وظلموه فزادهم العطاء، واتهموه وتخلوا عنه فتبسم في وجه زمانه وما تقهقر ولا انكسر!.

سلب الالباب بحكمته وحنكته، فجاء من الخلق من نقم عليه لتفوقه ونجاحه، فاعلن التسلط والحرب عليه ، حين رأى في مهارته خسرانه وافتضاح امره وكشف وضاعة ادائه وضحالة خبرته!.. وبدلا من ان يدنيه اقصاه ،واعماه حقده فجار عليه ،ويوم حاك مؤامرة اقصائه توهم انه بذلك قد كسر همته وعزمه ونفاه! وما خطر لذلك المتسلط انه يضرب الصخر برأسه ، ويكسر قرنيه في مناطحة جبل أشم لا يدك، ورجل كالغيث اينما حل نفع الله به.!. وهناك من منفاه عزف الحان السمو ، وداعب اوتار الريادة وغنى اعذب مواويل المهارة في الاداء ،وفاض من ينابيع الفضائل والخلق النبيل حسن السيرة والمعاملة، ومضى شامخا ثابت العزم والمبادئ والقيم! وخاب من ظنوا انهم قد كسروه.. وتالله بل ازداد صلابة ولم ينكسر!.وعاد شامخا من (الرياض)، وهالات الحب والاجلال والاحترام تحيط به وتدور حوله وثضيئ في سمائه. وحل هاهنا في (المرتكز) ، وعاش بطل التوازنات.ولا يزال بلسما يطبب الجراح، وما برح كأعذب العيون وأغزر الينابيع فيضا لكل من جف ريقه ولكل ملهوف عطش ؛ حلف الزمان ليأتين بمثله ***حنثت يمينك يا زمان فكفر.


بواسطة : حسين عقيل
 0  0  2111
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:32 صباحًا الإثنين 19 أغسطس 2019.