• ×

05:31 مساءً , الأربعاء 21 أغسطس 2019

محمد المنصور الحازمي
محمد المنصور الحازمي

من الذاكرة ..جميعنا من طين ..

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

نملة تُخْضِعُ جملا فلا يقوى عليها فتضطره أن يبرك أرضا ، بينما حين يعامله صاحبُه بعنف ويقهره بما لا يطاق ينتقم منه ولا يستطيع بما أوتيَ من ذكاء وفطنة أن يتجنب انتقامه إلا بإرادة الله وقدرته ، كان جمَّالٌ - لا يزال حي يرزق - ، حمَّل جمله ما فاق طاقته واحتماله بالرغم ما اشتهر به الجمل من تحمل العطش والسير لمسافات بعيدة - وحين يحس بالجوع يجتر من مخزونه -، فحين وصل الرجل إلى بيته و أنزل حمولة الجمل ، وكعادته أخذ قيلولة ، الى أن حان وقت غدائه ، دعته أمه للغداء تغدى وذهب لصلاة الظهر في المسجد القريب ، وعاد وتناول من سفرة معدنية تتربع على طاولة خشبية مدهونة ببويا حمراء وقوائمها مخططة بخطوط متعرجة ، مؤطرة ببويا فضية متعرجة ، وبها أكواب شاي كالعادة المتبعة .

شغل مسجله ليستمع لأغاني الظهيرة ،إلى أن أُذّنَ للعصر أقفله ، وتوضأ ، وذهب للمسجد المجاور ، وعاد ، وكما اعتاد بعد صلاة العصر ، يحمل " حزمة قصب أخضر من ذرة رفيعة " - "مِحْزَم" _ من الحمولة التي نقلها على جمله ، ثم طفق يأخذ قصبة واحدة ويحولها إلى ، غِرْزِة حيث كسرها أجزاء بحيث لا تنفصل نهائيا ويلفها بعدد من 4 - 5 جزء من القصبة ، ليصير طولها 25 سنتمتر وحجمها بقدر قبضة اليد ، وهكذا الى ينتهي من محزم الفصب أو جزء منه ، ما بين انتهاء الأولى ، يكمل الثانية وهكذا .

وما أن بدأ يمد يده اليمنى بالغرزة إلى فم الجمل ، مطمئنا كعادته ، التفت جانبا و تناول باليسرى قصبة أخرى لتهيئتها غرزة أخرى ،وبلمح البصر ، سحب الجمل ذراع صاحبه مع الغرزة بصورة مفاجئة ،وأحكم على يده الى منتصف ساعده ، فصاح الرجل فحضر جيرانه وكانوا يضربون الجمل فلم يلتفت إليهم فلما اشتد الضرب عليه نهض من مبركه ودار دورتين وطرحه أرضا ، حملوه وهو بحالة سيئة ، ومكث شهورا إلى أن تعافى ، ولكن يده اليمنى ضمرت وتشوهت ، ومع هذا لا يزال الرجل يعمل في البناء مستخدما نفس اليد يمسك بها الكريك حيث يعمل بتجهيز خلطة البناء من الاسمنت والرمل .

وقصة أخرى من الواقع ، أحسَّ رجل يرحمه الله ، أن جملَه سينتقم منه ، بعد أن قسا عليه ضربا واثقله بحولة أكياس من حب الذرة ، وعاد الى بيته مع غروب الشمس ،فما أن صلى العشاء وحان وقت ومه ، كان ينام في العراء كعادة كل أهل تهامة وغيرها قبل دخول الكهرباء في الصيف ينامون خارج عشة المسكن في مكان يسمى قّبّل بواجة البيت للرجال ، والآخر اسمه عَقَب للنساء وبينهما جدار من الطين ، أو زرب من جريد الأثل ويغطى بحشائش خاصة اسمها ثمام أو مرخ ، أو جدار من الطين ... ، وحتى مع تطور المسكن الى غرف مبنية من الطوب كان هذا قبل 1400هـ حيث لا كهرباء ، عدا كهرباء متواضعة بمدينة جازان ، فقام الرجل ووضع محزمين من قصب الذرة " حزمة" قصب ذرة يابس ، ورفعهما على المخدة من جهة الرأس كما هي عادته وغطاهما بلحافه الذي اعتاد ، ومده ليغطي نهاية القصب وأحكم التغطية .

ومكث الرجل يراقب من مكان آخر لا يصل اليه نظر الجمل ، ومع هدأة الليل ، وصمت مطبق يعم المنزل ، وقد نام أطفاله وكافة أسرته ، يكون الرجل لاشك نائما كعادته كل ليلة ، اطمأن الجمل ، فقدم من " مبركه "، لم يكن مقيّدا ، فما اعتاد صاحبه أن يقيده ، وحين وصل الجمل ، واطمأن أن صاحبه نائم بلا حراك ، وقف الجمل والقي بيديه للجهة الأخرى من " القعادة " - تحتلف عن الكرسي إذ قوائمها الأربع متساوية بينما قائمي الكرسي الخلفيتين تزيد الى الاعلى بأقل قليلا من طول القوائم الأمامية ، واقل سمكا من الجزء السفلي وتثبت بينها لوحين متساويتين مفطحة كل منهما بارتفاع يقدر 6 سم ، تشبة ما نسمية " شرينه او شريرة مسحت بالفارة ، وبالوسط خشبة عريضة تسمى الصدر بطول 35 سم تقريبا وارتفاع 27 سم وسمكها حوالي 2سم ، تزيد أو تنقص حسب صناعتها ، وتثبت بينهما وترتفع عن مستوى العارضين بحوالي 5 سم وظاهرها منقوش بزخارف جميلة ، فكان الأمر سهلا على الجمل فيما لو كان صاحبه ينام على كرسي فسيصعب عليه ارتقاءه .

فما أن اطمأن الجمل ألقى بثقلة بقوة وإحكام ، وكان اللحاف محكما يغطي كافة المحزمين ، لدرجة أن أي شخص يرى هيئته يدرك أن إنسانا يغط في نوم عميق فلما أحس الجمل بغريزته أن من هجم عليه ليس " صاحبه " حين أصدر القصب اليابس صوت تهشمه فمات الجمل من ساعته كمدا وغيضا وقهرا لعدم نجاحه في الانتقام .. وكما قيل : أحقد من جمل ، فكم من متغطرس متكبر " يشم الأرض جيفة " بالمثل الدارج " يعجز عن إذلال ضعيف يحمل كرامة وأنفة ، كما يعجز جمل عن الفكاك من نملة مع صغرها وهوانها ، وكما كان انتقام جمل من إنسان اذله وقهره .

قصة أخرى تكشف كم من انسان اغتر بنفوذه وسلطته في لحظة يكون أحوج لمن يساعده وينقذه من مأزقه ، كان أحدهم تعثر بقدمه في رصيف فقد إحدى بلاطاته ، من رداءة تنفيذه كما هو جارٍ ، حيث كان الرصيف جُهّز على عجل بعد اشعار مسؤول كبير لمسؤولي المدينة عن زيارته ، فاستنفرت البلدية قواها ، وأوعزت لأحد المقاولين الحصريين بالفزعة - ، وقع الرجل " المسؤول " حيث كان أوقف سيارته جانباً وقطع الشارع للاتجاه المقابل ، حيث بالجانب المقابل " مكتب خدمات مسجل باسم أحد أقاربه ، كما اعتاد يوميا بطريقه إلى عمله ليطمئن على سير عمل المكتب ،وما أن اعتلى بقدمه اليمنى الرصيف الفاصل بين الاتجاهين تعثرت قدمه اليمنى وسقط أرضا .

كانت حركة السير في ذروتها ، فمن مر بسيارته لم يلتفت اليه ، ومن رآه ممن يسيرون على أقدامهم يقتنصون فرصة لقطع الطريق ، بينما ظل يتلوى و هو ملقى على الرصيف ،، فلاحظه أحد العاملين السابقين لديه من قرب أثناء مروره ماشيا قاصدا موقف أتوبيس البلدة ، فحث الخطى نحوه فلما اقترب منه واساه بقوله سلامات ، ماذا جرى لك ، فقال له لم استطع النهوض أحس بألمٍ بقدمي اليمنى ، لم اقوَ على الوقوف ، أضن أنها كسرت مع تعثري بجزمتي فالتويت ووقعت أرضا ، وتوسله أن يسنده ،ليقف على واحده ويمشي على اليسرى ، ففعل الرجل .

وما أن مشى بضع خطوات ناوله مفتاح سيارته ، قائلا له : اسعفني لأقرب مستشفى ، قال له : ليس لي خبرة بقيادة السيارات ولم يسبق أن ركبت غير أتوبيس البلد كراكب فما بالك بسائق ، فاستمر الرجل يسنده إلى أن اشار إليه أن يفتح ابواب السيارة بالريموت كنترول ، فقال له : المعذرة ما هذا ؟ ، هزَّ رأسه ، وفتح أبواب سيارته بينما كان يستند علىالرجل رافعا قدمه اليمنى ، فساعده أسنده على ظهره على المقعد الخلفي .

وأخبره أنه سيبحث عن سيارة أجرة ، قائلاً : لن أتأخر عليك ، سأبحث لعلي أجد سائق أجرة لينقلك أو أ جد من يتصدق عليك ويقود بك سيارتك الى أقرب مستشفى ، فقال : يتصدق عليَّ أنا .. تعال : قللي من أنت ، قال له دعني ، ولا يهم تعرف من أنا ، عاد الرجل وقد استأجر تاكسي وأبلغ السائق أن يوصله للمستشفى الذي أشار له إليه حين استأجر التاكسي واتفق معه على الأجرة ودفعها قبل أن يصل بصحبته لنقل المتغطرس المصاب .

وما أن وصل اتجه صوبه ، وعند خروجه أقفل المصاب السيارة ، واستند عليه و صحبه الى التاكسي الذي لا يبعد عن سيارته سوى 4 أمتار بالموقف المحدد للوقوف فأركبه بالمقعد الخلفي ، فسأل السائق بكم أجرة التاكسي قال له : الحساب مدفوع .. من دفع لك قال صاحبك ، وكان العامل السابق قد غادر للجانب الآخر بانتظار قدوم أي أتوبيس ، فقال للسائق أنشدتك الله أن تلحق به أريد أن أساله ، فلحق به فاستوقفه ،وقف ، وبادر الرجل يسأله : من أنت قال له : غريب ، ما عرفتني ؟ قال : لا أتذكر أن رايتك قبل اليوم ، فقال له : أنا من ركلته بقدمك اليمنى من عامين ، حيث نهضت من مكتبك رافعا صوتك بسباب وشتم ، قائلا أتدخل بلا استئذان ، ولاحظتني ألبس حذاء العمل ، وقلت لي : وأيضا تدخل عليَّ بحذائك المتسخة وتلوث سجاد مكتبي ، وحين قلت لك .. إنها نظيفة نهضت وبادرتني ركلا بقدمك اليمنى هذه .. يعلم الله أنني الآن غير شامتٍ بك بل مشفق عليك ، ولعلك بهذه الواقعة أن تتواضع لخلق الله .

فصمت وقال .. تذكرت .. لم تنس يا ابني ولم يطالبه بالعفو عنه ، بل قال ولكنك أين تعمل الآن: قال له : فصلتُ نفسي من إدارتك ، حيث كنت عاملا بالأجر الشهري بشركتك التي كانت مسجلة باسم آخر ومتعاقدة مع إدارتك ، وباليوم الثاني ، رزقني الله بعمل بموقع آخر ، لكن لم أكن لأذهب لمقر عملي قبل أن أطمئن عليك وقد اطمأننت عليك ...استاذنك لألحق بالأتوبيس القادم لأصل لعملي .. زمَّ شفتيه .. وكأنه أدرك كم هو ضئيل ، فعقبَّ سائق " التاكسي" بعد أن استمع للحوار قائلا : جميعنا من طين ، فقال له ما ذا تعني .. قال لا شيء .. اقتربنا من بوابة المستشفى .. تدبر أمرك .. فتح له الباب .. فرآه أحد العمال فأحضر كرسيا متحركا .. فاستدار سائق التاكسي .. وقال: جميعنا من طين ..

 1  0  1628
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    01-12-2015 04:23 مساءً عطية البكري :
    ابدعت استاذنا القدير ، قصص من الواقع تغرس قيما وتظهر معناها
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:31 مساءً الأربعاء 21 أغسطس 2019.