• ×

08:49 صباحًا , الإثنين 19 أغسطس 2019

د.  عواجي النعمي
د. عواجي النعمي

شَيْطَنَة الوَهابِية .... مَنْ المَسْؤول

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

يرى أتباع المنْهج السلفي إنَّ كلِمة سلفية تعني الإسلام الحقيقي فمن خرج عن منهج السلف فقد خرج عن حِياض الدين , والسّلفية ليست حصرا على الدين الإسلامي فأصحاب المذهب الأرثوذِكسي يرَون من يُخالفهم مُهرطقا وكافرًا , وعليه فالمعنى الحقيقي للسلفية هو إتِّباع الدِّين كما اُنزل على الأنبياء والصالحين . إلا أن المذهب السلفي وعبر تاريخه الطويل تعرَّض للكثير من المشاكل العقدِية والظُّروف المُستعصية التي جعلته ينهج نهْجا أكثرَ تشدُدا ليحمي نفْسه من البِدع والفِتن , ولعلّ هذا ما فعله الإمام احمد بن حنبل الذي واجه المُعتزِلة أصحاب فكرة الأخذ بالعقل في الدِّين والذين لم يُحكِّموا عُقولهم في اختلافهم مع الإمام ابن حنبل لاسيما في مسالة اسْتواء العرْش وخلق القُران , ولم تكْفِهم عقلانِيَتهم لدحْر ابن حنبل فلجاؤا لظُلم السُّلطان والذي قام بتعذِيبه فلم يتَغَيَّر موقفه , وخرج ابنُ حنبل من مِحنته ليعيش في ذاكرة التاريخ وينْدثر أكابرُ المُعتزلةِ , لقد كانت معركةٌ انْتصرَ فيها الْعقْل المُتّزن على العَقل الذي يُريد فرْضَ رأْيه بِالقوَّة .

وعاد المذهب السلفي للظهور مع عالم متبحِّر قلّما يجود الزمان بمثل عقيلته ,الإمام تقي الدين ابن تيميه الذي كانت سلفيته اشد بمراحل من السلفية الوهابية التي يُهاجمها خصومها بشدة وينعتونها بأبشع الصفات . نعود للشيخ ابن تيمية فنقول لقد كانت دعوته السلفية مبررة مع ظروف غزو التتار وضياع البلاد الإسلامية وظهور البدع وتفشي الفساد , فكان لابد من مُحرِّك لدحر العدو واسترداد الأرض واجتثاث الفساد . لقد كان تأثير الشيخ عظيما في جمع الحشود وشحذ الهمم , ولم يكتفي بذلك فقد كان يمشي بين صفوف الجيش ويتناول تمرات في نهار رمضان ليقول للجيش افطروا وجاهدوا عدوكم فقد كان يخاف أن ينال الصيام والقيظ من الجنود .

ومع كل هذا فهزيمة التتار واستعادة ارض الإسلام لم تمنع ابن تيمية من مكائد أهل المحن فأمضى بقية حياته في السجن حتّى توفاه الله . ورغم أن الكثير ينسبون للإمام ابن تيمية نشأة الفكر الجهادي , إلا انه يجب إن نعترف إن فكر الإمام الجهادي كان جهاد الكفاية للدفاع عن دماء وأعراض المسلمين في وجه العداة الغازين .وينقم البعض على ابن تيمية رأيه في الخروج على الإمام الظالم في إشارة إلى مقولته الشهيرة ( إنّ ستُّون سنة في كنف إمام جائر خير من مبيت ليلة واحدة بلا سلطان ) . وتناسى هؤلاء أن الشيخ ابن تيمية ومن قبله الإمام احمد ابن حنبل رغم ما لقياه من عذاب ومعاناة فقد التزما بعدم تأليب الناس على الحاكم , ولعله من السهل في عصرنا هذا أن نقتنع بسداد رأي الشيخين وعظيم بصيرتيهما إذا نظرنا إلى ما يحصل في العراق وسوريا وليبيا واليمن !!

الوهابية , يراها البعض اشد أنواع السلفية تشددا ووصفها البعض كفهمي هويدي بأنها دعوة للاستقالة من الحاضر ويقول عنها زكي نجيب محمود أنها حركة منافية للمستقبل !! ومشكلتنا نحن العرب أننا نحكم على الأشياء دون دراسة وتيقُن بل نكتفي بالسّماع لِنَصِفَ الأشياء بالجمال أو البشاعة تماما مثل ( شاهد ماشافش حاجة ) الذي يريد أن يُعدِم مُتّهما ودليله الوحيد (قالوله ) ورغْم أنّ الوهابية حركة لها أخطاءَها وزلاّتِها كأي حركة دينية في العالم إلا أن هُناك مُبالغة في شيْطنتِها وتشويه سُمْعتِها . لقد ظهر الإمام محمد بن عبد الوهاب في ظروف لا تقل بؤسا عن ظروف من سبقوه فقبائل نجد متناحرة والشركيات متفشية ومعظم إنحاء البلاد تخضع للاحتلال .

و رغم ذلك استطاع أن يُشَكِّل لبِنة لدولة سلفية فتية قادرة على التعايش مع مُتغيرات العصر ؛ ولازالت هذه الدولة هي محط اهتمام العالم بقيمتها الاقتصادية وثقلها السياسي ومذهبها السلفي . وعندما يتساءل شخص ما عن أسباب شيطنة الوهابية وإظهارها بمظهر المسْخ الديني فنقول إن ذلك ربما يعود لسببين احدهما هو وجود دعوة سلفية موازية للدعوة الوهابية وهي الدعوة الإمامية . إن المذهب الشيعي هو مذهب سلفي أيضا حسب تعريفنا السابق وقد تم توارث هذا المذهب مُنذ عهد الخلافة الراشدة وحصول الفتنة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين .

وظلّ المذهب السلفي الشيعي في صراع وكراهية مع نظيره السُنِّي ولم يعْدَم حِيلة في محاوله تشويهه وإسقاطه , وترتب على ذلك العداء إيمان كِلا الطرفين بأنّ استمراره في الحياة يعني تلاشي الطّرف الآخر , كلاهما يتشابه في إيمانه بسلفه وموروثه ولكنهما يختلفان في مسألة الحاكم فالمذهب السلفي الشيعي يرى أن يسْتأثر المذهب بالحكم فتكون له السلطة التشريعية والتنفيذية ولهذا كان حِلْم الهِلال الشيعي الذي سيقضي على معاقل الوهابية حسب زعمهم !! أما السبب الثاني لشيطنة الوهابية فهو ظهور جماعات سلفية مُتعددة ومُعادية لبعضها البعض ومعادية لكل من يُخالف نهْجها وكُل جماعة ترى أنها على الحق اليقين وتدعي ارْتباطها بالوهابية بل أنّ البعض درَس على يدِ بعض شِيوخِها , وأصبحت تصرُفات كُلَّ هذه الجماعات تُنْسب للسّلفية الوهابية !!

 4  0  1840
التعليقات ( 4 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    01-10-2015 07:30 مساءً أبوالهيثم :
    تحية عبقة بشذى الفل والكادي .. هلا بعودتك وطرحك الجميل دكتور / عواجي ..
    الأسباب التي ذكرتها واقعية تصب في كبد الحقيقة عن صراع المذهب السلفي وأتباعه مع بقية الطوائف .. ولقد أحسنت في ضربك المثالين بعلمين بارزين من علماء سلف الأمة الإمام أحمد بن حنبل وشيخ الاسلام ابن تيمية رحمهما الله ورضي عنهما .
    ولكن مما يجدر أن يذكر هنا ولا يُنسى التذكير بالمنهجية المعتدلة والمنضبطة بأخلاق السلف التي انتهجها الشيخين مع كل خصومهما من جميع الطوائف . والتي كانت تقوم على العلم والعدل والتحقيق وأدب السلف بعكس بعض المنتسبين للسلفية اليوم حتى أن ابن تيمية أطلق أقوالا خالف فيها من سبقه من علماء السلف فقد كان رحمه الله محققا يعتني بالدليل والبرهان متجردا لله في دفاعه عن الكتاب والسنة وإليك شيء من كلامه .
    يقول رحمه الله : (( كثير من الناس يخبر عن هذه الفِرَق بحكم الظن والهوى؛ فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنة والجماعة، ويجعل من خالفها أهل البدع، وهذا ضلال مبين؛ فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله ، (الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي ) يوحى، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ؛ فمن جعل شخصاً من الأشخاص غير رسول الله من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة - كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك - كان من أهل البدع والضلال والتفرق)) إهـ . المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية (ص: 119) .
    ويقول : (( ولما كان أتباع الأنبياء هم أهل العلم والعدل كان كلام أهل الإسلام والسنة مع الكفار وأهل البدع بالعلم والعدل لا بالظن وما تهوى الأنفس ولهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار رواه أبو داود وغيره فإذا كان من يقضي بين الناس في الأموال والدماء والأعراض إذا لم يكن عالما عادلا كان في النار فكيف بمن يحكم في الملل والأديان وأصول الإيمان والمعارف الإلهية والمعالم الكلية بلا علم ولا عدل كحال أهل البدع والأهواء )) إهـ . الجواب الصحيح (1/ 107).
    فهذا ما تميز به سلف الأمة من الأئمة الأعلام , علم وعدل وتجرد لله . ورغم أن ابن تيمية أوذي وعودي وسجن ومات مسجونا .. ورغم أنه على فترة من الفترات قد تمكن من مخالفيه وأعدائها وحرضه بعض من كان حوله على الانتقال ولكنه كان يقول :
    (( من آذاني فهو في حل ، ومن أذى الله ورسوله فالله ينتقم منه وأنا لا أنتصر لنفسي .. )) وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول : ما رأينا مثل ابن تيمية ، حرضنا عليه فلم نقدر عليه وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا..
    وأعتذر في الإطالة لكن شيء لابد من ذكره تتمة هذا المقال الرائع ..
  • #2
    01-15-2015 09:49 صباحًا صمت الوطن :
    كم أنتي مسكينه يا السلفية..
  • #3
    01-15-2015 10:47 صباحًا صمت الوطن :
    عزيزي المحترم د عواجي أنت ماشاء الله تبارك الله عليك جراح أي رجل لاشك انه لديك انصاف وانسانية وبعد نظر اوكيه
    اريد ان اسألك عن هذه النقطة بالنص والحرف.. وهي لك


    إن المذهب الشيعي هو مذهب سلفي أيضا؟؟
    سؤالي.. اريد منك الدليل من الكتاب وصحيح السنة ع ما ذكرت

    وشكراً
  • #4
    01-22-2015 08:55 صباحًا أبوالهيثم :
    لست هنا أدافع عن أحد ولكن لا بد من توجيه النقد في مساره الصحيح برأي لم يكن مراد الدكتور عواجي بقوله :المذهب الشيعي هو مذهب سلفي . بالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن بالمفهوم السلفي . وهذا ما يفهم من سياق المقال .إما أن يحمل على المعنى اللغوي وإما أن يحمل على معنى التقليد لمن سبقهم من أهل مذهبهم فالمقال فلسفي أدبي وليس تأصيلي شرعي .. وأنا أعجب ممن يترك ارتباط السياق بلفظة الكلمة ويجتزأ التعبير مجردا فيوهم نفسه والآخرين بصحة نقده وملاحظته رغم أنه ربما لم يستوعب المقال أو لم ينتبه إلى السياق .
    في المقابل برأي ينبغي لك صاحب مقال أو قلم أن يبتعد عن التعبيرات الموهمة والتي تفسر على احتمالات متعددة لا سيما إذا كان يتحدث عن مفهوم أو مصطلح معين منضبط في ألفاظه ومخرجاته لأن الناس حينئذ سوف تنتقد وبالطريقة التي يرونها . والله تعالى أعلم
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:49 صباحًا الإثنين 19 أغسطس 2019.