• ×

05:50 مساءً , السبت 24 أغسطس 2019

ايمان فيصل ابو النيل
ايمان فيصل ابو النيل

من الذاكرة " أحياء ..منسيّون .."

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
مؤسسات المجتمع الخيرية أو ما يطلق عليها بالجمعيات الخيرية أو جمعيات البر الخيرية ..وهي المؤسسات التي تعني بحاجات لا يجدون ما يسدون به حاجاتهم لأساسية بأنفسهم كالفقراء والمساكين لأسباب متعدة كالعجز وكبر السن والترمل وغيرها ، .سواء كانت الحاجه ماديه او صحيه او تعليميه او غير ذلك .وتقوم المؤسسات بإنشاء دور الرعاية الصحية ودور الايتام .ودور المسنين .وتعليم الكبار .وايجاد فرص عمل للأسر المعدمة والفقيرة ..ومشاريع للأسر المنتجة ، وايضا تقوم على تنمية مهارات ذوي الاعاقات .والاحتياجات الخاصة .لتحولهم إلى متفاعلين مع مجتمعهم .وتقوم المؤسسات ايضا على بناء المساجد .وتسوير المقابر .وكساء الفقراء واشياء كثيرة جدا ، لتبني مجتمعا متماسكا يقوم بالاعتماد على النفس قدر المستطاع .

.فالعطاء يفجر طاقات الفرد والامة ويفتح افاقا لتنمية مستدامة ، تنهض بعزة الأمة .فالمِعطاء يحبه مجتمعه ويحترمه قومه ويرضى عن ذاته ويرضى عنه ربه .كنت من قبل لا اعرف شيئا عن تلك الجمعيات الى ان عملت في دار للأيتام وآخر للمسنين .فرأيت اننا نرى فقط ما هو فوق السطح ولا نرى من هم اقل منا بكثير فحمدت الله على نعمة الصحة والعافية والستر ، قصتي كيف بدأت : واجهت ظروفا قاسية جدا افقدتني بناتي .وانا في سن الخامسة والعشرين ربيعا .وبحثت وقتها عن عمل ينسيني ما اعاني من فقد اعز واغلى ما املك في حياتي فوجدت إعلانا في صحيفة محلية عن فرصة عمل في مؤسسة خيرية ؛ ذهبت فورا وتم قبولي .

وفي اول يوم في العمل تفقدت دارا للأيتام ودارا للمسنين .ومن خلال عملي عرفت وتعلمت من الحياة ما لم اتعلمه طوال حياتي .حكايات كثيرة استمعت روايات ليست من نسج خيالهم بل تتجسد أمامي واقعا ، فهناك من ضاق بهم أبناؤهم وهناك من أقعده السن وخطت الأيام على وجهه ويده خطوطا بحجم الشقاء، .فكلنا لا يعلم كم عام سيعيش وهل سيجد من يحنو عليه ويأخذ بيده ؟- للهم لا تردنا الى ارذل العمر - ، وهناك من نهشت جسده الضئيل التقيحات فأصبح عاجزا حتى على ان يداويها أو يصرخ من وقعها فاستسلم لآلامه ، و منهم من فقدحاسته الزمنية ، وأصبح يعيش تارة كطفل صغير ، وأخرى كصبي يلعب مع أقرانه بينما هو بمكانه عاجز في مكانه ، يعاني من مرض الزهيمر ، في قسم المسنين تساوى الوزير مع الغفير .لا بل تساووا في المعاناة والألم ؛ هؤلاء لم يبقَ منهم غير أسماء في شهادات الميلاد ؛ ينتظرون على عجل شهادات اخرى وأخيرة للانتقال من الحياة الفانية .

الحاجه منال ؛ منذ أن رأيتها للوهلة الاولى ، شاهدت في قسماتها القوة والصلابة ، وعندما تتحدث معها تجد في صوتها العزة والحزم والكبرياء ، الحاجه منال ؛ كانت مديرة في مصنع للملابس ، لم تتزوج طيلة حياتها وقد قاربت الخمسة والسبعين عاماً من عمرها ؛ تركها أبناء الأخوة في قسم المسنين وأظن أنها أحسن حظا غيرها لان لديها معاش نهاية الخدمة يصرف على ثمن السرير والدواء وأجرة من يقوم على خدمة المسن والحفاظات .، وكلما اقترب منها احد تدعو له وتقبل يده .استغربت ومر في مخيلتي كيف كانت في قوتها وريعان شبابها.

أتذكر احد الفنانين العظام - يرحمه الله ،- حين زرته وكان شارف على الثمانين عاما ، وإلى الان نراه فتيا ونسمع اغانيه ..دخلت غرفته وسلمت عليه وقلت له الاستاذ...... ان شاء الله تقوم بالسلامة ونسمع أغانيك العذبة ، فأنت فنان عظيم .قال لي يا ابنتي ما الفن والشهرة إلا ضحك على الدقون .فانا تركت الفن وانا ما زلت في شبابي ، فلقد رأيت نفاقا وصراعا .فعبادة الله وحب الله اجمل الف مره من الشهرة والفن ....

.الاستاذ .....أيضا تعب منه اولاده واصبح حملا ثقيلا عليهم ، لم أر بجواره الا ابنة واحدة تأتي لزيارته كل مرة في السبوع ومع هذا فوضعه أفضل من غيره ، لا يزال يحتفظ بكامل وعيه ويجد ثمن غرفته ورعايته ؛ ووجدت عنبرا فيه خمسة رجال - عنبر الفقراء - .الذين لم يجدوا من يسأل عنهم ولا يدفع لهم أجرة إقامتهم .فكل مريض فيهم كان على سرير متواضع جدا لا يليق بإنسان ، وغطاء لا يكفي لدفئه .وبجانبه طاولة صغيره عليها العينات المجانية من الأدوية.. ومن يقوم على خدمتهم عاملات .لا ممرضات ولا يأتي الطبيب للكشف عليهم الا في حالات الاحتضار .او سقوط احدهم على الارض والعاملات يأنفن منهم والزيارات لهم شبه معدومة .

قررت ان اعمل مع هؤلاء وعملت معهم لفتره اكتشفت ان الحالة النفسية تؤثر كثيرا على صحتهم .فكنت اجلس معهم لساعات طويلة اسمع منهم واتحدث اليهم وأحيانا اغني لهم ويصفقون لي او أقرأ لهم من صحيفة ، كنت اشتري براتبي هدايا لهم ، شرعت في إجراء مسابقات في المشي الى الشرفة او الى الباب .ومن كان يأكل اكل مضروبا بالخلاط أو يأكل من خلال ر ايل او سرنجة كبيرة .اصبحت اطعمه بالملعقة ومن لا يأكل كنت اغضب منه واعاقبه بعدم الحديث معه حتى أصبح جميعهم يأكلون بالملعقة وفتحت شهيتهم مع ا تساع المعدة والحلق .كنت اشعر انهم اولادي لا اجدادي ورأيت الحياة بأعينهم .

ما اجمل العطاء وما اجمل الخير وما اجمل ان تمد يدك وتمسح دمعة وترسم ابتسامة ، مع هذه التجربة الانسانية الثرية استمريت أعمل في هذا المجال فترة من الزمن ، وعملت في دور الايتام عشرة أعوام حتى قررت ان أدشن مؤسسة خيرية..

 10  0  1305
التعليقات ( 10 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    12-25-2014 10:31 مساءً اوان الورد :
    شكرا لكم شكرا جزيلا وان شاء الله في ميزان حسناتكم
    • #1 - 1
      12-26-2014 02:40 صباحًا اوان الورد :
      نعم اخي العزيز حسام .كنت اتمنا ان اشرع لهم مكان نظيف وامن وكبير وله حديقة كبيره وصالة للرياضه وتمنيت ان اوفر لهم المقاعد الخاصه واماكن للطعام واماكن يسمعون في اغانيهم القديمه التي يحبونه وتذكرهم بشبابهم واولاده .حتى تمنيت ان اشتري لهم طاوله ليلعبو ومع زمايلهم ..بل تكمنين ان افتح دارا للمسنين ودار ايتام في مكان واحد حتى يشعر المسنين بان لهم صغار يداعبوهم ويشعر الاطفال ان لهم اجداد واهل يستفيدو بعلمهم ..حلم لا اظنه بعيد المنال ان شاء الله وتمنيت ايضا ان اسمي هذا المكان بالمهذبون نعيد الود والاحترام والمحبه لقلوبنا وقلوبهم
  • #2
    12-26-2014 12:29 صباحًا hepatia hosam kashif :
    العطاء هو استمراريه الحياه - بدون العطاء لاحياه -- وهؤلاء المسنيين --اعطوا المجتمع -- ويجب ان يرد لهم جزءا من عطائهم - ليس منا منا ولكن ليستمر المجتمع - فاي انسان في المجتمع يجب ان يعطي من وقته ومجهوده وقوته -- ليتكون مجتمع قوي يعيش فيه وعندما يصل لمرحله الكبر والعجز -يعطيه المجتمع مما تكون فيه من عطاءات البشر وهو منهم يوما ما
  • #3
    12-26-2014 02:45 صباحًا ibrahim salam :
    تجربة رائعة جدا ومن كتبها ومارس هذة الترجربة على اروع اتمنى لكي الخير لانك انسانة تعمل للخير جزاكي الله خيرا
    • #3 - 1
      12-26-2014 07:04 مساءً اوان الورد :
      اشكرك اخي ابراهيم جزاك الله كل خير
  • #4
    12-26-2014 10:40 مساءً Ranya :
    اختي الحبيبة جزاك الله خيرا عن كل ما تقدميه لمساعدة الاخرين
    وجعلك الله سببا لعون المحتاجين
    لا يوجد اشد الما من انكسار الكبير ودموع الصغار الايتام
    ربنا يعينك ويقويكي
    • #4 - 1
      12-26-2014 11:50 مساءً اوان الورد :
      شكر ليكي يا رانيا ووظيفتك كمان لا تقل اهميه لانها تربية نشىء جديد
  • #5
    12-27-2014 10:27 مساءً مها :
    مقالك رائع اوان الورد لقت وضعتينى بدون ان تشعرى بجانب تلك النماذج الرائعة المذكورة فى نفس الغرفة وكأننا نحن اللذين نستمع اليهم واكاد اشعر لو كنت قريبة منهم لذهبت اليهم كأننى واحدة من ابنائهم لعلى استطيع رفع ولو جزء صغير من المعاناه التى يلاقونها بحياتهم ... ادعوا الله ان يثقل ميزان حسناتك وان يرفع عن هؤلاء المرض والحزن.
    • #5 - 1
      12-30-2014 08:28 مساءً اوان الورد :
      ده شرف كبير وعظيم لي وانتي صديقتي الغاليه خيرة وانسانه تشعر بالام الغير ربنا يبارك فيكي
  • #6
    12-29-2014 02:43 مساءً طلال ابو النيل :
    كلام رائع و اسلوب بديع في انتقاء المواضيع وما يخلفها من جمل و كلمات بديعة
    الخير ينبع من اهله و انتم اهل للخير
    بارك الله فيكم وسدد خطاكم و نتمني المزيد و المزيد في نشر ما يفيد المجتمع و البشر
    مع تحياتي و في انتظار منشورات اخرة
    • #6 - 1
      12-30-2014 08:32 مساءً اوان الورد :
      عمي العزيز لن ارى في حياتي انسان اطيب منك ولا انسان خير مثلك فأنت اول من شجعني واحتواني وساندني ..بل ساندت جميع العائله وانا احبك واحترمك واقدرك بارك الله لك في صحتك وفي اولادك واولاد اولادك شكرا لك
  • #7
    12-30-2014 06:13 مساءً كريم :
    الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات مقاله رائعة نسأل الله العلى القدير ان يكون لك عونا ثم اهل الخير والبر والاحسان فى تدشين هذه المؤسسة الخيرية فعلا ما اجمل العطاء وما اجمل الخير وما اجمل ان تمد يدك وتمسح دمعة وترسم ابتسامة جزاك الله كل خير لانك طيبة وتستهلى كل خير و ربى يوفقنا لعمل الخير ونقدم كل ما نستطيع لهذه للمؤسسة الخيرية . الاحلام تتحقق
    • #7 - 1
      12-30-2014 08:35 مساءً اوان الورد :
      بارك الله فيكم عبد الكريم وجازاكم الله عنا كل خير ورفع من شأنكم .نعم الاحلام تتحقق مع الاجتهاد .والاخلاص لله ..شكرا لك
  • #8
    12-30-2014 07:01 مساءً حسن حلواني :
    جعل الله ما تقديمنه في ميزان حسناتك وبارك الله فيك وفي مجهودك المبارك
    • #8 - 1
      12-30-2014 08:36 مساءً اوان الورد :
      بارك الله لك واشكرك .اخي وان شاء الله في ميزانك
  • #9
    12-30-2014 10:13 مساءً فارس الذكرى :
    جزاك الله خير وكثر الله من امثالك نعمه في الدنيا والاخره عمل الخير.
    • #9 - 1
      01-04-2015 10:54 مساءً اوان الورد :
      الله يبارك فيكم اخي العزيز
  • #10
    01-02-2015 11:30 مساءً ايات :
    حبيبتى واختى الكبيره ايمان جزاكى الله كل خير على كل شئ
    • #10 - 1
      01-04-2015 10:53 مساءً اوان الورد :
      حببتي يا ايات ربي يريح بالك ويخليكي ليا ديما شكرا لكي
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:50 مساءً السبت 24 أغسطس 2019.