• ×

01:08 صباحًا , الجمعة 23 أغسطس 2019

د.  عواجي النعمي
د. عواجي النعمي

الوَلاء واْلبَراء بينَ الغُلوِ والعَقيدة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

في كتابه أفاقٌ منَ الحَياة يقول الدكتور وليد احمد فتيحي : " أن الرسالة الكامنة في إطار العملية التعليمية هي حروف وكلمات وجمل تُنْقش في قُلُوب وعُقُول الجيل القادم لتكون مرجعيتهم العقلية والفكرية والنفسية " ؛ وإيضاحا لهذه الجُملة يسْتطرد الدكتور فتيحي في نشر قصة ابنه احْمد مع منهج التّوحيد في مدارسنا , يقول الدكتور فتيحي سألني ابني احمد عن الحديث الشريف ( أُمرت إن أُقاتل الناسَ حتّى يشهدوا أنْ لا اله إلا الله .... فإن فعلوا فقد عصَموا منّي دِمائهم وأمْوالهم إلاّ بحق الإسْلام وحِسابهم على الله ) وكيف نجمع بين هذا الحديث وبين غير المسلمين في بلادنا ؟؟ .

ويستطرد الدكتور فتيحي في انه بعد ذلك قرأ كِتاب التّوحيد كامِلا ليجِد شرحا ًلكلمة(إلا بحق الاسْلام) فلم يجد شيئا وفي المقابل وجد الكِتاب يتحدّث عن التمائم والتبّرك بالشجر والذبح لغيرِ الله . ويختم الدُكتور فتيحي مقالته بأنه وجَد كِتاب التوحيد لتلك المرحلة التعليمية وكأنه كتب قبل مائة سنة وليس له صلة بواقع نعيشه او جيل نسعى لتهيئته ليقوم بدوره المأمول في عمارة الارض كما يحبها الله ان تعمر !! .

الوَلاء والبَراء مُعتقد عند بعْض الجَماعات الاسلامية ويعتبره البعض من ارْكان العقيدة وشرط من شروط الايمان كما هو رأيُ شيخ الاسلام ابنُ تيمية . بينما يرى البعضُ الاخر أنّ ِفكر الولاء والبراء قد شابهُ الكثير من الغلو والتطرف فأصْبَح حُجّة لقمع الرأي المخالف واداة لتصفية الخصوم كما فعل الخوارج في الزمن القديم وفي التاريخ المعاصر !! وكلا الفريقين له ادِلّته من القرأن والسنة التي تدعم معتقده وتجعله يعتقد انه صاحب الحق الابلج وان الفريق الاخر على زيْغ وضلال !! وسنتطرق هنا لذِكر رأي الفريقين دونَ ترجِيح لفئة على الاُخرى ونترك الحُكم للعقل الذي هو اعظم نِعمة وهبَها الله لنا وجعله مِيزة لنا عن بقية مخلوقاته ....

وعندما نستعرض المذاهب الاربعة فقلما تجد احدها يشْترط الولاء والبراء كشرطٍ صريحٍ من شُروط الايمان حتى جاء شيخ الاسلام ابن تيمية والذي كانَ عقْلية جبّارة قد لايجود الزمان بمثلها فتعمق في هذا الموضوع وأورد الكثير من الأدلّة والقرائِن التي تدعم رأيه ونَهَجَ على نَهْجه الكثيرُ منْ عُلَماء الأُمّة , ومن الأدلّة التي أوردها قوله تعالى ( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ماقدمت لهم انفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون .

ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وماأُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ) ) وكلمة ( لو) هنا هي التي تمسّك بها شيخ الاسلام كجُملة شرْطية لتحقيق الإيمان . ويستدل فريق ابن تيمية بحديث ابن عباس رضي الله عنه في قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر عندما سأله أي عرى الإسلام أوثق فقال المُوالاة في الله والمُعاداة في الله , وكذلك يتم الاسْتدلال بالآية الكريمة التي نزلت في أبي عبيده عندا قتل والده في معركة بدر ( لاتجدن قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله .....) وقوله تعالى في أهل الكتاب ( يأيها الذين امنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى اولياء .. الآية ).

وفي المقابل فإنّ الفريق الأخر يرُد بحجة القران والسنة وأفعال السلف الصالح فهم يرون بأن الولاء والبراء لِمن اعتدى على المسلمين وظاهَر على إخْراجهم فقط مسْتدلّين بقوله تعالى ( لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ) والبِر هو أعظم مراتب الحُب !! كذلك يستدِلون بقوله تعالى ( ولتجدنّ أقربهُم مودة للذين امنوا الذين قالوا إناّ نصارى ... الآية ) ويرون أن هذه الآيات لاتتعارض مع قوله تعالى ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلنْ يُقبل منه .. الآية ) .

فالإسلام هو دين جميع الأنبياء ( مِلّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المُسلمين ) , وكذلك يحتجون بقوله تعالى ( وليحْكم أهل الإنجيل بما انزل الله ) ويدعمون هذا بموقف عمر بن الخطاب مع أساقفة بيت المقدس عندما ترك لهم كنائِسهم وان يحتكِموا إلى شريعتهم!! , كذلك يستدلون بعيادة المصطفى صلى الله عليه وسلم لجارِه اليهودي, وحادثة عمر بن الخطاب عندما أمر النصراني بجلدِ ابن الأكرمين , وجلوس الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع اليهودي أمامَ القاضي شُريح ، وقيام الرسول صلى الله عليه وسلم لِجنازة اليهودي التي مرّت من إمامه , واستغفارَه لزعيم المنافقين ابن أبي سلول حتى عاتبه الله من فوق سبع سماوات فقال له ( إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) فصّلى النبي الكريم على جنازته ، وقال والله لو علمْت أنّ استغفاري له فوق السّبعين سيُدخله الجنة لفعلت !! واكل الرسول من شاةِ اليهود التي ذبحوها له , واخيرا حادثة إرسال المُسلمين إلى بلاد النّصارى بالحبشة !!


مما سَبق نجِد أن كلّ فريقٍ استدلّ بالآيات التي تدْعم موقِفه وطارَ بها فرحاً , وكُلّنا أمل أن يأتي منْ يجمَع بين تِلك الآيات جَميعا ويوَفِّق بينها للخُروج برأي تتقبّله جميع العُقول ويتوافقْ مع الرِسالة الرّبّانية ( وما أرْسلنّاك إلا رحْمة للعالمين ) .. ولعلّنا نتَذكرُ قَََوْل عَلي بنْ أبي طَالب لأصْحابِِه لا تُجادلُوهم بالقُران فأنه حَمّالُ أوْجُه .
1




 3  0  1961
التعليقات ( 3 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    11-14-2014 10:17 صباحًا أبوالهيثم :
    تحية عطرة دكتور عواجي ولقلمك المتألق ومقالك واقتباسك الجميل ..
    فعلا هناك تصورات ومعتقدات تحتاج إلى تنوير وأشكرك على جهدك القيم واسمح لي لو تكرمت ببعض المشاركة :
    * مبدأ الولاء والبراء ثابت بالكتاب والسنة ولا إشكال في ذلك بصرف النظر عمن أساء فهمها وتطبيقهما من المسلمين .
    * هناك فارق كبير بين البر والتولي وأنت ذكرت : (والبِر هو أعظم مراتب الحُب !! ) وليس ذلك بالمطلق فالبر والاحسان إلى غير المسلم ( الذمي أو المعاهد والمستأمن ) غير المحارب والمعتدي ليس بالضرورة نابعا عن الحب أو المحبة له وإنما ذلك نابع من سماحة وعدل وأدب الإسلام والإحسان إلى الناس وعدم الاعتداء عليهم كونه مخالف للمعتقد فقط ولاحظ معي تفريق الآيات بين المعنيين : { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } وهذا الخلط ربما وقع فيه كثير من الناس فاحترامك لشخص ما لا يعني أنك تحبه ! وإنما يعني سمو أخلاقك ومبادئك ..
    * وعقيدة الولاء والبراء قد جمع علماء الإسلام أدلتهما وأشبعت المسألة بحثا وتأصيلا ووضعوا لهما ضوابط وقيود يبصرها كل عاقل أو من كان عنده أثارة من علم . وأما الغلو والتطرف في المعتقد والسلوك فهو أمر آخر يرفضه الإسلام جملة وتفصيلا وأيا كانت مبرراته .
    {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً .. } . وتقبل تحياتي
  • #2
    11-15-2014 03:29 صباحًا نعيم الحكمي :
    مقالاتك دائما يا أبا محمد تتبنى الوسطية وليس مدحا.
    وفي اعتقادي أن المسألة توضحها الآيات المذكورة في سورة الممتحنة كما أَوردت ، وهي قوله تعالى : (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين [8] إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون [9])
    والمقصود الواضح أنه يحرم الاعتداء على المعاهدين والذميين ضمن الدولة..
    والعهد الذي وضعه نبينا الكريم بين المسلمين واليهود في المدينة حينما جنحوا للسلم بدأً من جهة وبعد غزوة الأحزاب حينما جنحوا للغدر وتحالفوا مع قريش ؛ لأكبر دليل على عدم التعارض في المسألتين.
    والله أعلم .
  • #3
    11-15-2014 08:33 مساءً جميل هزازي :
    ماشالله عليك يادكتور شيء جميل
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:08 صباحًا الجمعة 23 أغسطس 2019.