• ×

03:21 مساءً , الخميس 19 سبتمبر 2019

د.  عواجي النعمي
د. عواجي النعمي

عُمر بنْ الخَطّاب بينَ العقْلِ والنَّقلِ

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لنْ َنتَطّرقْ هُنا إلى التّعُمق في إِِشْكالية الْعقْل والنّقْل في المنهج الإسْلامي , فهذا الموضوع قد تمّ إشْباعَهُ عبْر التّاريخ ما بين مُساند ومُعارض فهُناك مَنْ يَرى أنّ العقْل الصّريح لا يُناقض النّقل الصّحيح وطرف أخر يرى أنّ هُناك تَناقُض !! ويذْهب البعضُ إلى تقْديم النّقل لو تعارضَ مع العقْل ويذهب ابن القيّم ليقول أنّ تفضيلَ العقْل هو كتقديم الرأيْ على الوحيْ مُستدلاً بقولِه تعالىَ ( وما كانَ لمؤمنٍ ولا مُؤمنةٍ إذا قضَى الله ورَسُوله امراً أنْ يكونَ لهم الخيرةٌ منْ أمْرهم) , أمّا الإمام ابنُ تيميّة فقد افرد كتاباً اسْماه (درءُ التعارضِ بين العقلِ والنقل ) . ويسْتدل الكثيرُ من ْمُؤيدي النقل أن العقلَ لا يخترقُ الغيبَ المحجوب ولا يُمكنه معرفةَ المستقبلِ ولا ادري كيفَ سيكونَ رأيَهم لو عاشوا ليومِنا هذا وعاينُوا تحديدَ الوقتِ للعواصفِ والخسوفِ والكسوفِ ومعرفة جنسَ الجنينِ قبلَ ولادتهِ وهلْ هوَ ميتٌ أم حيٌ يُرزق ؟؟

أنّ استخدامَ النقلِ وتغييبَ العقلِ جعلَ النظرةَ لكلِ اختراعٍ أو اكتشافٍ انّه عملٌ غير صالح فالهاتفُ والكمبيوترُ والانترنتُ والجوالُ كانت من عملِ الشيطانِ وللتاريخ ضحايا ليسَ لهمْ منْ ذنبٍ إلاّ أنهّم استخدمُوا عُقولَهم !! . وفي المقابلِ فإنّ الاستخدامَ المُفرط للعقلِ وإهمالِ الثوابتِ والإرثْ المتناقل قد أورث أُمَماً جعَلت لأنُفسها عشرات الآلِهَة كما حدث للحضارةِ اليُونانية التّي أصبحتْ اسِيرةً للأساطير فاندثرَت تِلك الإمْبراطورية رغْم عظمِتها , كذلك فإنّ ذلك العقلَ جعلَ صاحِبهُ يتخذُ البقرةَ والشجرةَ معبُودا !! والحقيقة انّه لا يوجدْ تعارضُ بينَ العقلِ والنقلِ وإذا كانَ هناك ما يُوهِم هذا التعارُض فأمّا أنّ النقْل غير صحيحٍ أو أنّ العقلَ غيرَ سليمِ .


يَقول صلّى الله عليهِ وسّلم ( لو كانَ نبيٌ بعدي لكانَ عُمر ) , وعُمر بنْ الخطّاب رضيَ الله عنْه شَخصية وعقْلية اسْتثنائيِة لا يجودُ الزمانُ بمِثلها , كانَ مدرسةً في العقلِ والنقلِ ويظهرُ هذا جلِيَا ًفي حادثةِ تقْبيل الحَجر الاسْود ( والله انّني اعْلم انّك حجَر لا يضُّر ولا ينْفع ولوْلا أنّي رأيتُ رسُول الله يُقبلّك لمّا قبّلتْك ) . ثُم كَانَتْ اخْطر حَادثة في تاريخِ الإسْلام في سَقيِفة بني ساعِده لاختيارِ خَليفةَ المُسْلمين فاستخدَم عقْله وفِطْنته في اختيارِ أبي بكْر وجنّب الأُمّة الخِلاف والزّللْ . وهاهوَ رسُولُ الله يُصلي بالناسِ صلاةَ التّراويحِ جَماعةً ثُم يترُكَها حتّى لا يُظّن النّاسٌ أنّها واجبةٌ فيأتي عٌمر فيجْمع المُسلمين فيِها وتُصْبح سُنّة إلى يومِنا هذا وهوَ يعلمُ عقلاً أنّ ما يفعلَه ُعُمر لنْ يكونَ واجِباً كمَا لوْ فَعلهُ مُحمّدا صلّى الله عليهِ وسلّم. ورغمَ أنّ حدّ السّرِقة هوَ قطْع اليدَ إلّا أنّ عُمر لمْ يعْمل بهِ في عامِ المَجاعة , كذلك فأنّ اعْطاءَ الفَيئ للمُؤلّفة قُلوبهم تمّ ايقافُه لاسِيما والإسلام اصبحَ عَظيماً وقوياً .

أتِي رجلٌ عجوزٌ في ذُلٍّ وانكِسار الى الخَليفةِ عُمر فيقولُ يا اميرَ المؤمِنين أنّ لي بِنْت كُنت سأئِدُها في الجَاهِلية ثُم ّ أخذتْني الشّفقة فلمّا أصْبحت شابةً أتتْني بأمرٍ عظيمٍ فقالَ لهُ عُمر أزنَتْ ؟؟ قالَ نعمْ وتابَت وصلُحت توبتُها ولكنْ أتانِي رجُل يخْطِبها وأخَاف أنْ اخْبِره الحَقيقة فيُعرِض عنْها فقالَ لهُ عُمر ويْحُك لا تَفْعل ولكِن زوِّجْها زواجَ العَفيفة ِالشريفة ِ !! ..........ويرحلُ عُمر الى الشّام فيأتِيه الخَبر أنّ الطّاعون قد فتَك بأهْلها فيخافُ على منْ مَعه ويُقرِّر العَودة إلى المدينةِ فيقولُ لهُ احدَهم افِراراً منْ قَدَر الله فيرُد عليه عُمر نَفِّر منْ قدَرِ الله إلى قدرِ الله فيقُولُ عبدُ الرّحْمن بن عوف عندِي منْ هذا شَئ , سمِعت رسولَ الله يقُول إذا نَزل الطاعونُ في بلادٍ فلا تدْخُلوها .. فيحْمُد عُمر ربّه وقد وافقَ عقْله هُدى المُصطفى .


يسْمع عُمر بُكاء رَجُل كَفيِف فيسْأله ما بالكَ فيقولُ قِلّة ذاتِ اليَد وضعْف الحِيلة , فيقولُ له ُأذِمّيٌ أنْت ؟؟ قالَ نعمْ يَهُودي فيردُّ عليهِ عُمر إذَنْ لا خَيْرَ فِينا أخذْنا مِنك الجِزْية شاباً وخذلناكَ شيخاً ثُمّ يأمُر فتكونَ لهُ حِصّته منْ بيتِ مالِ المُسلمين فيسْألَه حاجِب بيتَ المالِ أخَاصةً لهُ أمْ لِجَميعِ أهلِ الذِّمة ؟؟ فيقولُ بل لِعامّتِهم !! ويزورُ عُمر بيتَ المقْدس فيأتِي وقتُ الصّلاة فيطَلُب مِنه كبيرَ القَساوِسة أنْ يدخلَ الكنيسةَ فيُصلِّي فِيها فيأبَى فيقولُ لهُ صَلِّي خارِجها فيأبَى ويقولُ أخافُ أنْ يأتيِ منْ بعدِي منْ يقولُ صلّى عُمر هُنا ثُمّ يغلِبوكُم على أمرِكم ويأخْذُوها مِنكم !!.....كلُّها أمُور استَخْدم عُمر فيها عَقلْيته وعَبْقريته الّتي لمْ تتَعارض معَ النَّقل منْ ارْثِ المُصطفى .

نعودُ لِمْصدر التّشْريع الأولِ (القٌران الكَريم ) فنجده قد جمَع بينَ (النقلِ) منْ قصصِ الأوَّلينَ وكيفَ كانتْ سِيرتَهم عِظةً وعبرةً لذوي الألْبابِ وبينَ(العقلِ) الّذِي يطْلبُ مِنْه القُرآن التَّفكُر والتَّدبُر والتأَّمُل للاسْتدلالِ على الخَالِق وعَظمَتهِ ولتحَديدَ مسارِ العيَش فيِ الحياةِ الدُنيا , ولا نبُالِغ إذا قُلنا أنّ قُرأننا العَظيم لمْ يفْهمه احدٌ كمَا فَهمِه عُمر ولمْ يعْمل بِه احدْ كما عَمِل به ابْن الْخَطّاب رضيَ اللهُ عنْه . ولعلنّا نَقُول الحَقيقةَ في أنّ عُمر هوَ مُؤسِس بابَ الاجْتِهاد المَبنْي على الجمْع بينَ سَلامةِ العقلِ وصَحيِحَ النقْل ِ.


 5  0  4056
التعليقات ( 5 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    10-31-2014 09:00 صباحًا سمير :
    رضي الله عنه وارضاه.
    "اتعبت الخلفاء بعدك" تغني عن ألف كلمة
    لافضّ فوك أخي .
  • #2
    10-31-2014 11:52 مساءً نعيم الحكمي :
    رأيك أبا محمد في عدم التعارض بين صحيح النقل وسلامة العقل ؛ يستحق التأمل..
    وأعتقد أن هذا هو غالب الأمر ؛ بغض النظر عن التأصيل العلمي للمسألة فإن أصل النقل يغلب على كل عقل .
    وأذكر هنا مقولة علي ابن أبي طالب رضي الله عنه : " لو كان الإسلام بالعقل لكان مسح باطن القدم أبلغ من ظاهره "

    وبالعود على ذكر مناقب أمير المؤمنين أبي حفص فقد قال الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه : " قد كان في كل أمة محدَّث و محدَّث هذه الأمة عمر "
    وقد وافق القرآن الكريم رأي عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه في أكثر من موضع ؛ منها رأيه في أسرى بدر من المشركين بقتلهم وشار بعض الصحابة بأسرهم فأخذ نبينا نبي الرحمة بالقول الأخف ؛ فنزل الوحي من السماء مؤيدا لعمر.
    قال تعالى : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ) الأنفال: 76.
    ومنها مشورة عمر للرسول صلى الله عليه وسلم بأن قال له : لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ؛ فنزل الوحي أيضًا مؤيدا له ونزلت الآية : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) . البقرة : .
    وأيضا أنه لما رأى كثرة دخول الصحابة على أمهات المؤمنين لأخذ الفتوى فقال رضي الله عنه : يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن. فنزلت آية الحجاب. قال تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك ادنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً ) الأحزاب: 59

    وعطفاً على ذكر عمر فمن اللطائف أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ؛ في آخر حياتها رأت رجالاً يمشون ببطأ وينكسون رؤوسهم ويتكلمون بصوت خافت ، يحسبون أنه من الورع . فقالت لهم : " والله لقد كان عمر أورع الناس ؛ وكان إذا مشى أسرع ، وإذا تكلم أسمع ، وإذا ضرب أوجع "

    والباب واسع ولكن أشكر الدكتور عواجي على هذا المقال الثري.
  • #3
    11-03-2014 12:12 مساءً ابوقاسم النعمي :
    أشكرك على المقال الثري الممتع وتقبل تحياتي
  • #4
    11-04-2014 11:55 صباحًا ابو محمد الهاشمي :
    السلام عليكم شكرا للدكتور على تقرير عقيدة اهل السنة في تقديم النقل على العقل الذي ضل فيه المعتزلة والحقيقة لو تامل العاقل ان ما يرد به على النقل هو مجموعة المعارف التي اكتسبها من العلم فهو في الحقيقة يرد بالعلم على العلم لانه قبل اكتساب عقله للمعارف هو جاهل هذا مفهوم من كلام ابن تيمية فليتأمل العاقل ولا ينجر خلف من قدس العقل فالامور الغيبية لا دخل للعقل فيها وانما توخذ بالنقل الصادق وقد امتدح الله المؤمنيين في سورة البقرة بأنهم يؤمنون بالغيب ورحم الله القائل في تصوير مناضرة بين العلم والعقل مناظرة بين العلم و العقل

    علم العليم وعقل العاقل اختلفا
    من ذا الذي منهما قد أحرزا الشرفا

    فالعلم قال أنا أحرزت غايتـه

    والعقل قال أنا الرحـمن بي عرفا
    فأفصح العلم إفصاحا وقال له
    بأيـنا الله في فرقـانـه اتصـفا
    فبان للعقل أن العلم سيده
    فـقـبل العـقل رأس الـعلم وانصرفا شكرا يادكتور مع تمنياتي للجميع بالتوفيق
  • #5
    11-05-2014 12:23 صباحًا ]دفادي الحسين :
    رضي الله عن الخلفاء الراشدين وعن الصحابة أجمعين وشكرا للمقالة القديمة المتجددة بجهودك د عواجي وجزاك الله خيرا....من حيث الضرورة فانهما متلازمان فالمجنون لا يستطيع نفل القرآن أو حفظه أو تطبيقه وكذلك لو اتينا بطفل خارق الذكاء وترك ليتربى في حديقة حيوانات لو وجدنا تصرفاته بعد فترة تشبه الحيوانات ولم ينفعه عقله فالنقل السليم ضروري لتطوير المهارات الفكرية والعقلية...من حيث الأهمية والقدسية النقل أولا فالقرآن كلام الله والله مقدس لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد لا تناله العقول فتقدره حجما وكما ولو استطاع عقل بشري تصور الله أو ادراكه لاصبح هذا العقل بادراكه اكبر من الله وأ ستغفر الله لان هذا لا يمكن ان يحصل ولكن أ عطى الله سيدنا موسى عليه السلام كرامة فأشار الى نفسه ولم يتصوره موسى ولو تصوره لاصبح هو الله.
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:21 مساءً الخميس 19 سبتمبر 2019.