• ×

04:24 مساءً , الأربعاء 21 أغسطس 2019

علي القاسم
علي القاسم

الجمهورية التونسية الثانية بين استحقاقات الداخل والجوار .

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

تونس مهد ما يسمى بالربيع العربي , هي اليوم تستعد لطي مرحلتها الانتقالية التي تلت انتفاضة عام 2011 , واستمرت اربع سنوات عجاف افرزت دستورا سيدخل عبره التونسيون إلى جمهوريتهم الثانية ذات نظام برلماني تكون فيها صلاحيات رئيس الحكومة اوسع من صلاحيات الرئيس وذلك في قطيعة تامة مع جمهورية ابو رقيبة وخليفته زين العابدين ابن علي اللذين كانا يمسكان البلد بقبضة حديدية .

فبعد مخاض سياسي عسير توافد التونسيون إلى مراكز الانتخابات لاختيار نوابهم في البرلمان الجديد وسط طوفان من الاحزاب والقوائم السياسية تجاوز تعدادها الالف , وهذا العدد الهائل من الاحزاب السياسية ليس حكرا على المشهد التونسي بل هي سمة طبعت الحياة السياسية في الدول التي شهدت تغييرا في انظمتها الحاكمة , الامر الذي يجب التوقف عنده وطرح العديد من الاستفهامات حول مسببات الاقبال الكثيف على انشاء الاحزاب ؟ .

وفي اعتقادي أن الامر يتجاوز مسألة الكبت السياسي الذي نشأ جراء ممارسات الانظمة السابقة إلى اشكالية في نفسية وعقلية المواطن العربي الذي يشكو من قلة التقدير, ولديه قناعة تامة بان التقدير لا يكون إلا في المناصب القيادية التنفيذية وهذا ما يفسر هذه الهرولة الجماعية صوب السلطة في حال سنحت الفرصة !!! , ولقد شاهدنا خلال اربعة أواعوام ظاهرة الربيع العربي كيف ان قامات فكرية وثقافية ودينية وقانونية سقطت سريعا في فخ المناصب , وبات المشهد العربي برمته امام أزمة تقدير الذات , في اذا بالقامات تغرق في حومة الذات المنكسرة ضاربة بماضيها الفكري عرض الحائط .

وبعيدا عن التشعب والاطناب في مواضيع هي على هامش الحدث التونسي , فإننا نعود الى سياق الحديث بطرح السؤال التالي : ما مدى تأثر مسار الانتخابات التشريعية التونسية بما جرى في مصر بعد خروج الاخوان المسلمين من المشهد السياسي بعد فشلهم في ادارة المرحلة الانتقالية ؟ وطرح هذا السؤال تحديدا له ارتباط بحركة النهضة التي تشكل امتدادا منهجيا للتنظيم العالمي للاخوان , وهي الحركة الاكثر حضورا في المشهد التونسي والمتجدرة منذ زمن بالرغم من محاولات بن علي ومن قبله ابورقيبة الهادفة الى علمنة المجتمع التونسي , وكنتيجة لتلك المحاولات فإن المشهد السياسي التونسي يبدو كساحة للتنافس الفكري والايدلوجي , ولهذا الامر خطورته في حال تحول التنافس الى صراع .

وكمحاولة لتجنب هذا السيناريو , وفي مؤشر على برقماتية اخوان تونس خلافا لما هو عليه اخوان مصر فإن راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة أشار إلى مفهوم التعاون الضروري مع الاحزاب العلمانية وتحديدا حزب تونس الغد الذي يضم شخصيات ليبرالية ومسؤولين سابقين في النظام السابق الذين يحاولون العودة من جديد الى المشهد السياسي مستفيدا من الانتكاسة التي شهدها الربيع العربي .

والسؤال الذي يثيره استحقاق الانتخابات التشريعية في تونس , هو هل ستصل تونس إلى بر الامان أم انها قد تخفق كما هو الحال في ليبيا واليمن سوريا ؟ وبالنسبة لي فإن الاجابة ستكون بنعم قد تصل ولا لن تصل !!!!! نعم قد تصل ولسببين الاول يتمثل في النظام الجمهوري الذي انشأءه الحبيب بو رقيبة الذي ابقى الجيش خارج العملية السياسية , وهذا الامر ساهم في انجاح التجربة التونسية حتى اللحظة .

ثاني الاسباب التي قد تسهم في اصل تونس الى بر الامان وجود وعي وبرقماتية سياسية لدى زعماء الاحزاب الكبرى التي قضت مدة زمنية طويلة في منفاها في الغرب , وقد اتضح جليا في حرصهم على عدم تحويل تنافسهم الفكري والسياسي إلى صراع من شأنه أن ينسف العملية السياسية برمتها .

أما فيما يتعلق بمسألة عدم نجاح تونس والتونسيين في الوصول إلى بر الامان , فإن هذا السيناريو قد تتسبب فيه التطورات الميدانية والسياسية في الجوار التونسي , كما أن الخوض فيه مرتهن بعامل الزمن , وفي اعتقادي الشخصي فإن على الاحزاب السياسية التونسية وتحديدا حزب النهضة ادراج العامل الاقليمي ضمن حساباتهم السياسية , فهم يعيشون في محيط بالغ التعقيد ولكل دولة حساباتها , فقد يتطلب الامر تنازلا ت مرحلية خاصة في حال كان هناك فيتو اقليمي على الديمقراطية التونسية الناشئة .

بواسطة : علي القاسم
 0  0  993
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:24 مساءً الأربعاء 21 أغسطس 2019.