• ×

05:46 صباحًا , الإثنين 26 أغسطس 2019

د.  عواجي النعمي
د. عواجي النعمي

مزرعة الحيوان والثورات العربية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

عِندما كتَب الرّوائي الانْجليزي جُورج اوُريل رائِعتهُ مزرعة الحيوان كان يتحدث عن فسادِ الثّورات على يدِ قادتِها بسبب الانحِراف والجهْل والطّمع و انّ فساد قادةَ الثّورة لا يعني فسادَ الثورةِ التي دائما ما تكون مشروعة ومسببة . الرِّواية تتَحدث عن ثوراتٍ اطاحتْ بأنظمة ٍفاسدة لتُمارس الفساد في ظل خنوع واستسلام الشعوب . فالرواية ببساطة لمجموعة من الحيوانات التي ثارت على مالِكها الانسان الذي كان يُذيقها العذابَ ويمنعَها الطعام فقررت الثورةَ عليه واستطاعت طردَهُ من المزرعة وإعلان حكومة الحيوان في تلكَ المزرَعة , اِختاروا ا(لخنازير ) لتحكُمَهم لأنها الاذكى والأكثر تطورا !!, ووضعوا وصايا الدين السبع لمزرعتهم والتي تنص على : ( كل صاحب رجلين عدو لهم , ولا يجوز لبس اللباس او النوم في الاسرة او شرب الخمور او ان يقتل حيوان حيوانا اخر وأنّهم سواسية ) تمَّ كتابةَ الدّستور البسِيط على لوحةٍ كبيرة وُضِعَت على باب المزرعة ( الحكومة ) الحيوانية

بعد ايامٍ من قيامِ الثَّورة قامت الخنازيرُ بأخذِ جِراءِ الكِلابِ وتربيتها في حظائرها وأصبحَ ولاءَ الجراءِ للخنازيرِ دونَ غيرها , شاركت الحيواناتُ في العملِ بكلِّ جِدٍ واِجتِهاد , لكِنَّ الوضعَ لم يتغيرْ كثيرًا فمُعظم الطعامِ والشرابِ كانَ يذهبُ للخنازيرِ ليُساعدَها على التفكير وحماية الثورة !! , وكانَ اكثرَ الحيواناتِ عملاً هو الحصان الذي عمل بجدٍ حتى تكَسَّرت حوافِرَهُ فأعْلَنَتْ الخنازيرُ اِرْسالهُ للعلاجِ في افضلِ المستشفياتِ ولكِنْ ظَهَرتْ الْحَقِيقَةُ لاحقاً انَّه تَمّ اِرسالة الى الْجَزّار فلم يعُد ذا نفعٍ للحكومةِ والثورةِ !! كانَ هُناك خِنزيرٌ نَزيه منْ بين معشرِ الخنازير ارادَ القول انّ هُناكَ خطأ وانّ دستور الحيوانات قد تمّ انْتهاكه فتمّ تسلِيط الكِلاب عليه التي نهشتْهُ ففَر لا يلوي على شئ , وبعدها قام الزعيمُ (الخنزير ) بُخُطْبةٍ في معشرِ الحيواناتِ : انّ ذلِك الخِنزير ليسَ سُوى عميلُ للإنسان عدوهم اللدُود وانّه كانَ يُخطِط لعملياتٍ ارْهابية ضِدّ المزرَعة ففَرح الجميعُ بانكشافِ المُخًطط الارْهابي وهتفوا لقائدِ الثورةِ وحاميها !!

كانت الحيوانات تُردد يومياً نشيدها الوطني ( صاحبُ الاربع قوائم جميلٌ وصاحب الاثنتين شرٌ مُتربِص ) , وقامت الخنازير بتكليفِ مجموعة من النعاجِ دورها يقتصرُ على اثارةِ البلبلةِ على كُل من يحاولُ التفكيرَ او انتقادَ الوضعِ الراهن وقد نجحت النعاجُ بامتياز في هذا الدور , وماهي إلا ايام حتى اصبحت الخنازير تلبسُ لبْسَ الانْسان وتنامُ في السريرِ وتشربُ الخمرَ , فخَرجَت ثورةٌ عارمة ٌتطالبُ بِتنحِي الخنازير عن الحكم ِ لمُخالَفتِهم الدَّستور الحيْواني فظَهرَ الزَّعيمُ خطيبا قائلا : ايها الاحبة لا الُومَكُم فالعملٌ والجُهدُ قد اضَرّ بِذاكِرتِكُم... انْظُروا إلى اللّوحةِ المكتوبَ عليها دستورنا .فنظَروا اليها فوجَدوا مكتُوباً 0 ( لا يجوز لبِسَ اللّباس لو كان مِنَ الحَريرِ والنَّوم في سريرِ ريشٍ وثير وشٌرْبَ الخَمرة لِغير الخنزيرِ ) فصّدقت الحيوانات انّ النِسيان قدْ أصابَها وهَتفت بحياةِ زعيمَها وقائدِها .

كُلّما تنبَهت الحيوانات لِضِيقِ عَيْشها وكَدَر حَياتها , تمَّ تخوِيفَهم بذلك العدو (الانسان ) الذي يَعُدُّ العدَّة لمٌهاجَمتِهم واسْتعادة المزْرعة فتنسى الحيوانات هُمومها وتنشَغِل بذلك العدو الوهميّ , إلا انّ هذا لم يمْنع بعضَ الحيوانات مِنَ الْقيامِ بثورةٍ مضادة لتصحيح مسار الثورة فكانتْ مجزرةً حقيقية على ايدىِ كلابِ شرِسة وأصبحت مُهمّة جيش الثورة قتْل الشعب وإبادتهٌ . كانت معركةٌ ماتَ فيها الكثيرُ من الماعزِ والدجاجِ , ومن بقيّ مِنْهم تمّ الاشْتراط عليه ان يكون جميع لبنهِ وجبنهِ وبيضهِ للخنازير , فأصبحت الدجاجةُ تضعَ بيضَها وتشكرُ ربّها فتقول الشُّكر لمولاي الخنزير فقد وضَعْت البارِحة خمسَ بيْضات بفضله ومِنَّته !! عاشت الحيوانات في حالة فِصامِ وهيَ ترى دُستُورها يتَهاوى وتذكّرت وتأكدت انّ ايّام ( الانسان ) كانت افضلَ بكثيرٍ رغمَ مافيها من ألام ومعاناة !! وبلغَ الانفِصام ذُرْوته وهم يَرون حُكَّامَهُم الخنازير يعقِدون حِلفا مع عدوهم الانسان ويُصدِّرون لَه ُالجُبنَ والبَيضَ واللبنَ مُقابل الخَمْرة و النَّبيذ !! وفي يومٍ اسْتطاعت الْخَنازير المشْيَ على قدمين وحَمَلت في ايدِيها السِياط فتَغَير النّشِيد الوَطني ليُصبح ( صاحب الاربعِ قوائم جميلٌ ولكن صاحب الاثنتان اكثر جمالاً )


رضخَت جميعُ الحيوانات (الّا الحُمار ) للأمرِ الواقع وانغمَست في خِضَم الْحياة الجديدة وأصبح شُغلْها الشاغِل هو توفير اللِّباس والسَّرير والشَّراب المُعتّق للحُكّام مُقابل كلِمات الشُّكر والتّقدير . امّا الحِمار فكان اكثر الحيوانات ذكاءًا ومعرفةً للأحداث , فكانَ يعملُ في صمتٍ ولكِّنه يَجْلِس الليلَ تحت شجرةٍ ويحَدِّث اقرِبائَه الحَمير قائلاً ( قلُت لكُم انّ الخنازير همْ مجموعةٌ منَ الدّجالين , قُلت لكم انهم لا يستحقون ان يقودُونا ويمثلِوا ثوْرتنا العظيمة , الم اقُل لكُم انهم ليسوا سِوى انْسان اخر في ثيابِ حَيوان ) نَهَقت الحميرُ على كلامهِ مؤَمِّنين (صدقْت صدَقْت ) . وصَلتْ تمْتَمات الحميرِ الى الحُكّام الخنازير فقالوا لا بأسَ من حرية ِالتعبير للحميرِ !!

 10  0  2927
التعليقات ( 10 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    10-10-2014 02:10 صباحًا مساوى القيسي :
    من أجمل ماقرات ...شكرا لك أيها المبدع
  • #2
    10-11-2014 12:52 صباحًا محمد عمران :
    يد الله على الجماعة ومن شذ ضذ في النار

    إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية

    من يتأمل التاريخ يجد أن الثورات عبارة عن جماعة ذات فكر (بشري) معين أو أكثر من فكر يسعى لإسقاط الحاكم المتغلب على بلد لفرض فكره وحكمه على الناس وغالبا إن نجح في الإسقاط لا ينجح في فرض السيطرة إما لاختلافه مع أصحاب أفكار أخرى أو لأن فكره لا ينجح مع الناس لأنه فكر بشري ناقص مليء بالثغرات والتناقضات وكل يرى فكره أصوب لكن النجاة في لزوم المنهج القويم والصراط المستقيم قال تعالى : " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا" وقال صلى الله عليه وسلم:" إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
  • #3
    10-11-2014 08:34 مساءً أبو ولدي :
    سبحان الله أحيانا ﻻ يرى اﻻنسان بوضوح ويعرف اﻷمور على حقيقتها حتى تنهش لحمه الكلاب المسعوره ولكن هيهات هيهات فربما يكون قد فات اﻵن ..لذلك يجب أن توضع النقاط على الحروف ويجب أن يحذر كل مسؤول من ما يسمى سكرتير مكتب سعادته أو مدير مكتب سعادته فمعضمهم في هذه المؤوسسه من عناصر الحضيرة التي تكلم عنها الدكتور وﻻيغركم ويخدعكم طيبهم وتصنعهم وحسن مظهرهم فهم أس البلاء وهم اخوان خنازير الثورات في حضيرة الحيوان .
  • #4
    10-12-2014 06:39 مساءً محمد شيبان :
    بالفعل أجدت الوصف يا دكتور .. سلمت يمناك
  • #5
    10-12-2014 08:01 مساءً علي المرعي :
    كلام رائع ، هذه هي حقيقة ما يحدث في واقعنا .
  • #6
    10-12-2014 10:50 مساءً أبوالهيثم :
    رواية ممتعة ومقال رائع بروعة كاتبه لكن لو سمحت لي ببعض النقاط ..
    1- الرواية ببساطة لمجموعة من الحيوانات التي ثارت على مالِكها الانسان ؟! لكن يشوبها غموض ما!الرواية مع جميل سياقاتها الروائية تجنح إلى الشيزوفرنيات !!
    2- يلاحظ أن نقدك يتجه إلى كل العناصر وكل الأطراف الفاعلة والمؤثرة دون استثناء وهذا توازن مطلوب ..
    3- لكنك ربما ترى بحسب سياق الرواية نفسها أن الجميع إما خنازير أو كلاب أو نعاج حضيرة حيوانات نوعية بالفعل ؟! وهذا وإن كان لك حرية التصور الخاص والتعبير إلا أنه من وجهة نظري المتواضعة يشف عن تراكمات فكرية بسبب طغيان واستبداد الإنسان في عصرنا يصل إلى درجة احتقار الانسان لأخيه الانسان إلى أحط من رتبة الحيوان وذلك عندما يستعلي الانسان على الآخرين إما بتحويل الآراء الى قوانين ومقدسات ، فكل شخص يعتقد أنه على حق وأن آرائه منطقية أو نحن نلوم الآخرين على أخطاء نحن نقع فيها ونمارسها ثم ما الذي يميزنا عن تلك الحضيرة الروائية ؟!
    الحقيقة الحديث والطرح عن فلسفة الواقع أو ما يسمى الثورات حاليا جزء منه منطقي وواقعي وآخر هرطقي جانح عن الواقع والمطلوب {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} وليس هناك أجمل ولا أقوم من فلسفة الاعتصام {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا}اللهم وحد الكلمة واجمع الأمة على الحق واخذل كل معتد مريب .. وتقبل تحياتي
  • #7
    10-13-2014 02:42 صباحًا صابرالصابر :
    انا مع ماذكره الاخ ابو ولدي لماذا ننتظر حتى تنهش لحومنا تلك الحيوانات المسعوره .لماذا لم يتم اتخاذ التدابير.ولماذا لم يتم الافصاح عنها قبل ان تمارس عملية الافتراس مع علم الجميع بوجودها ومنها الحيوانتت المستورده .وهذه بلا شك لاتقل ضررآ عن الحيوانات المستوطنه بيننا .وتنهش لحوم البشر وتمارس عمليه الافتراس بدون حسيب ولا رقيب وتعمل تحت مضلة ااحيوانات الاليفه.والجميع يشاهد الاضرار الناتجه من هذه الحيوانات وكل من منا يدعي السلامه ..وفينا من يرى ان يميط الاذى بالسكوت عنه .فكانت نتيجة السكوت تعمق هذه الحيوانات في مواصلة افتراسها ونهش لحوم البشر..وفينا من يقول ان الذيب لاياكل الا الشاة الضعيفه.ولاكن يجب ان نكون صادقين في كلمتنا ولومره في حياتنا ونقول بأنه لم يسلم شر ه المجموعه من الحيوانات المتنوعه بجمبع اشكالها ومسمياتها.ابتدئآ من الخنزير ويليه باقي الحيوانات الغير مألوفه لدينا ..اذا ياساده كان لزامآ علينا نحن الممثلين في البشر ان نشعر عن هذا الضرر منذو بدايته من اجل احكام السيطره قبل استفحال الضرر .ولاكن كنا لا نرى لانسمع ﻻنتكلم بل كنا لانستمع وﻻنتجاوب مع يأتينا وجروحه تنزف وايضآ كنا احيانآ نشاهد تلك المفترسه تمارس ادوارها وتثور على مالكها الانسان ولا نكلف على انفسنا توفير ابسط شي من انواع الحمايه مع العلم بوجود من يستطع عمل ذلك ولاكن قد اصاب بعضنا الهزل والضعف.الا ان.وصلت اليه الامور مايشابه بغابه حيوانات مفترسه ليكون حق البقاء بها للأقوي.السؤال هنا .هل سنرى تدخل للسبطره من اجل انقاذ ماتبقى من اللشر ام اصبح ﻻقيمه لهذا الانسان...ختامآ نشكر صاحب هذا الطرح ولو انه جاء في وقت متأخر ..ولاكن لازال هناك من يقدر ويحترم قيمة اﻻنسان..
  • #8
    10-13-2014 04:44 صباحًا نعيم الحكمي :
    مقال واقعي ومحزن في نفس الوقت ، فالثورة الفرنسية على سبيل المثال تأرجحت مابين علو و انحطاط إلى أكثر من مائتي سنة ،،

    ولربما ترك الدكتور عواجي المقال بلا خاتمة في انتظار إلى ما سيؤول إليه الأمر ،، أو ليستحث ذوي النظرة الاستشرافية لتوقع ما سيكون ..

    مقال رائع وفي انتظار مزيدك أبا محمد .
  • #9
    10-13-2014 05:42 مساءً صابرالصابر :
    طالما نقول جميعآ بأن طرح هذا المناضل امر واقعي وامر محزن اذآ اين اصحاب الرائ والكلمه من هذا الواقع اين هم عن تلك الخنازير. واين هم بقية المناضلون..فما زلنا ندس رؤسنا كالنعامات عندما تحس بالخطر.لماذا لانكون جميعآ مناضلون حتى يتم الوصول لهدفنا..
  • #10
    10-13-2014 10:09 مساءً سلطان الطوهري :
    روايه جدآ رائعه وجميله ..كما هو حال صاحبها..وفهمنا كل احداث هذه الروايه .ويؤسفنا ان يصل الحال بنا الا ماوصل ..ولاكن السؤال الذي يراودني ويشغلني كما هو حال كل مواطن بهذه المنطقه من المسؤل عن هذا الوضع .والامتى سيبقى..وهل من تدخل عاجل وسريع لوضع العلاج وليس العلاج اللازم فقط .بل علاج ضمان نجاحه 100/100من اجل استئصال وبتر كل اماكن الوجع الذي احل بصحتنا ..وليكن صوتنا جميعآ البقاء للأصلح....
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:46 صباحًا الإثنين 26 أغسطس 2019.