• ×

02:57 مساءً , الأحد 15 سبتمبر 2019

محمد المنصور الحازمي
محمد المنصور الحازمي

سياسة ..ودين

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

لقد اختلطت السياسة بالوعظ ، وتحول جلَّ الوعظ سياسة ؛ قناعات لا يمكن تغييرها بجرة قلم ، ولا بمديح نهج لكاتب ليلوي أعناقا تختلف معه لتكون معه ، والقدح في نهج لِيُبَدّلَ آخرون قناعاتهم ويجاملون لتطييب خاطر ..

وتبقى ثوابت الدين لا اختلاف حولها ، فالسياسة لا ثوابت لها وكما يقال لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة ، إنَّما هي لغة المصالح ، فأين ما كان ثمة مصالح ، كان هنالك موقف وحماس لانتهاجه سلبا أو ايجاباً ، المهم اتخاذ قرار ، شريطة أن يكون غير موجّه أو مملى على اصحابِ القرار ، هكذا يمكن تشخيص القرار حسب تقييم من يرصد ردات الفعل العربية والاسلامية مع أو ضد ، دون تمكينهم من سلاسة ولو نتف من معلومة عن لماذا وكيف يُتَّخَذُ قرار مصيري ، عموما أيا كان فهو أفضل السيء ، لكن المعيب هو الركود على حالة رماديَّة .

بالمقابل حين تتركز الصراعات تحت سقف الدين ؛ أما السياسة فلا سقف لها مباحا أو محذورا بل هي كما اسلفتُ مصالح ،و صراعات فقط على سلطة وحكم ستكون بالفعل خصما من ورع وزهد في الدنيا ، وننعطف للوراء بعيدا ؛ فقد نشبت صراعات منذ صدر الاسلام ، وانقسم المسلمون الى فسطاطين فقوم مع وقوم ضد، وقوم ضد وقوم مع ، ولو حضر الدين حينها وتجمَّل بالزهد وادرك المسلمون منذ ذلك الوقت إلى الآن بأن الدنيا فانية ، وأن الشعوب ودماءهم في أعناق من يصارع بعضهم بعضا لسلطة ، لكان حقا أن نقول تأ سلمت السياسة .؟

عندها وجد علماء مخرجاً يقوم على منطق القوة المحضة ، لا الاصلاح ، فتغلب نهج التمكين فمن تمكَّن حكم إلى أجل قدره الله ليحل مكانه نهج آخر تمكّن ثم حكم فهبًّ ينتقم يذبح ويقطع رؤوس مخالفيه باسم الدين ، وتصفيتهم كي يحلو له التربع على كرسي الحكم ، فلا يمكن أن يُسّيَّس الدين ويُرمي فشل السياسة على الدين ، ولا أن يشّوه الدَّين فيُرمى فشلٌ على السياسية .

فكلما ابتعد المسلمون بما فيهم العرب عن اصول الدين الحق السمح ؛ لا الاسلام الذي جعلوا من عادات دنيا دينا ، بل طوبوها بأنها الدين ونسوا أن الدين المعاملة والرحمة والتسامح والبر والتقوى ، لا التنابز والتفاخر ، مع أن منهم يعزفون على وتر واحد ، فجميع العرب و غير العرب ممن أسلموا منذ قرون مسلمون بالوراثة ، يقول صلى الله عليه وسلم " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ،والفطرة هنا " الاسلام " فمن دخل الاسلام بنطق الشهادتين عند سن السابعة أو سن التكليف؟ ، وبالتالي كل منهم ولد وترعرع وعاش على طائفة أبويه وقومه عطفا على حدث تاريخي معروف " قسَّم المسلمون إلى سنة وشيعة فكانت دواعي اتباعه سياسية لا دينية ،فالاسلام هو الاسلام ، لكن السياسة جعلت البون بين المسلمين شاسعا في تطبيقات الدين . وكل ورث مذهبه وراثة ، ومن المحال أن يسمح له بتغييره من قومه أحد ، فبدلا عن لغة التقريع والذم والتكفير والتفسيق و غلبت بدلا عن ذلك لغة العقل معتمدة على تعاليم الوحي القرآني وسلوك سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم مع المشركين والوثنيين وغيرهم ، لا نصاع الجميع لكلمة سواء .

ولكن حلَّ العناد والمكابرة والاستعلاء بعيدا عن تعاليم الاسلام ، فبربكم كيف سيهتدي من تراه بنظرك ضالا إلى الصواب وأنت بدلا أن تحبب نفسك وتفرض حسن نيتك عليه بنزاهة لغتك وسلوكك غير المتعالي والمفاخر بأنك الأفضل حينئذٍ سيسمع لك ويثق فيك، وحين لا تكون كذلك فلا تلمه ان قارعك ونبذك فهو يرى أنه على الحق منذ نشأته ولا يمكنك جذبه إلى الأفضل وأنت تخليت عن فضيلة النصح وعن أمر الخالق لنبي معصوم ليذهب الى طاغية مستعلي جعل من ذاته إلها ، قال تعالى : " اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" ، مع أن الله تعالى بعلمه الأزلي أن فرعون لن يهتدي ، لكن ليجعل ذهابهما شهادة عليه حين يحاجَّ أنه لا يعلم ولم يعرف طريق الحق ، وكان يقول لقومه ،كما قال تعالى : "قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" .

وكما قال صلى الله عليه وسلم : " الدين النصيحة " ، وبالنصح العملي المؤدب كما كان حال سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يُحكى أن الحسن والحسين مرَّا على شيخ يتوضأ ولا يحسن الوضوء. فاتفقا على أن ينصحا الرجل ويعلماه كيف يتوضأ، ووقفا بجواره، وقالا له : يا عم ، انظر أَيُّنا أحسن وضوءًا. ثم توضأ كل منهما فإذا بالرجل يرى أنهما يحسنان الوضوء، فعلم أنه هو الذي لا يحسنه، فشكرهما على ما قدماه له من نُصح دون تجريح.

وقال الشافعي: مَن وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وخانه. رواه أبو نعيم في الحلية وأنشد الشافعي رحمه الله :
تعمدني بنصحكَ في انفرادي
وجنبني النصيحةَ في الجماعه
فإنَّ النصحَ بينَ الناسِ نوعٌ
منَ التوبيخِ لا أرضى استماعه
وإنْ خالفتني وعصيتَ قولي
فلا تجزعُ إذا لمْ تعطَ طاعه

وقال أحد الدعاة : لتكن نصيحتك لأخيك تلميحاً لا تصريحاً وتصحيحاً لا تجريحاً " .

 2  0  1513
التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    09-21-2014 12:48 صباحًا ابو سيرين شوك :
    تقول امريكيه بعد اسلامهاالحمدلله انني عرفت الاسلام قبل المسلمين

    ونحن نقول الحمدلله ان دولتنا تكثف المناهج الاسلاميه الصحيحه والمبسطه في مدارسنا
  • #2
    09-25-2014 12:16 مساءً هادي علي مدخلي :
    كلام يسطر بماء الذهب
    من كاتب محنك يمتلك الفكر التربوي
    والأسلوب الأمثل في وصف الحالة
    وتشخيص كل الأمراض والعلل
    لك كل الشكر
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:57 مساءً الأحد 15 سبتمبر 2019.