• ×

08:43 مساءً , السبت 19 أكتوبر 2019

غادة هيكل
غادة هيكل

قصة قصيرة .. ( ثورة ثانية )

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

فجأة احتدت الدنيا على وأعطتنى لونها الغامق ، رفَعتْ كل اسلحتها فى وجهى ، كل ما يدور حولى يحملنى نحو اتجاه واحد ،انسحاب الروح من كل مكان ، حتى حيطان البيت أعلنت العصيان ،أصابتها الرطوبة وبدأت تنهار دهاناتها ، ملاءات السرير أعلنت الإضراب وبدأت تهترأ ،ملابس الأولاد تغير لونها فجأة وبدا عليها القِدم وبرزت بها بعض الثقوب ، لم تكن منذ أسابيع قليلة يبدو عليها هذا المنظر الرث ، وكنت أحمل وقتها من النقود ما يكفى لشراء غيرها واستبدال كل هذا القديم والمهترئ بسهولة ، الآن كل شئ يباغتنى بالفوضى والبَلَى ، حتى هو أصبح بين يوم وليلة عاطلا عن العمل ، أحاطوا بالثورة فى الشارع وتركوها تنتقل لبيتى ، لم تكن حادة فى بدء الأمر ، حاول كتمان مشاعره وكبت بركان همومه ، بمرور الوقت كان لابد للبركان من مخر ليتنفس ،لاَزَم ذلك حيطان البيت وملاءات السرير وبرواز معلق مائل على الجدار ، وأكاذيب الساسة على الشاشات ، بدهاء الحكومة حاولتُ جاهدة أن أمتص تلك الثورة ،التى تكالبت علىّ ، البنت فى طور المراهقة أصبح لها رؤى وأراء خاصة يليها أخوها الأصغر منها بعام ، كوّنا جبهة إنقاذ تساعدنى فى احتواء الثورة المضادة فى حالة الاستبداد القصوى ، أتحسس بشرتى بعد وصلة بكاء ودعاء بالفرج ، بعض النتوءات قد ظهرت ،وشعيرات نبتت ، منذ متى لم أذهب للكوافير ؟

لم أعد أتذكر !متى آخر مرة ذهبت للتسوق والتسكع حول فترينات الملابس الداخلية ؟متى اصطحبنى للعشاء خارجا ؟ ولا مرة !!!
يقول إنه تقى نقى لم يعرف امرأة قبلى ولم يعبث قبلى ولم يتذوق طعم الخمر ، صوت الجارة يعلو بالضحكات ، كلما مر بسبابته على ظهرها ، هل القداسة فى الدين أم التدين ؟هذه المرأة التى تطلق شعرها القصير يدور حول راسها فى وداعة ولا يتعدى كتفيها ، وانا أرتدى الحجاب لعله لم يكن عن قناعة ، ومع ذلك لا يمكن أن أخلعه يوما فقد أصبح يلتصق بى وألتصق به ، رغم ذلك تلاقت أفكارنا، للمرأة وجهان بل ألف وجه بل ألف قلب كى تتحمل هذا العالم القاسى ، وفى نهايته نلتقى .
نلتقى !

كيف لجذر اقترب على الفناء أن ينمو مرة أخرى من نبتة تجاوره ، كيف يستقى منها رحيق الحياة ويبعث فيها اخضرار الاغصان ، وهى بلا زهر أولُباب أو طين ندى تستقى منه بعض مياه راكدة ، إنها حزمة أوراق جفت فى عز الربيع ، ونبتة صبار حفرت فى الأرض حتى جفت ينابيع البئر ،فاستسلمت للموت وإن ظل النبض ضعيفا يخفق .

الطوق الذى يكبلنى كلما حاولت الفرار منه استردنى ككلب يلهث وراء سيده ، مشدود بين اربعة أركان ، تعلو الضحكات ، وضحكاتى بركان خامد ، يحتاج لجذر يشتهى قبضتى ،ويصرخ من الم الحياة التى نبتت مع الثورة ، وخمدت من أجل الثورة ، صمتت ضحكتها وصارت تأوهات تنبش روح الحمام من وريد ينفر دما ، ورقصة للقمر فى محاقه الاخير ينذر بثورة ثانية . .
1

بواسطة : غادة هيكل
 0  0  569
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:43 مساءً السبت 19 أكتوبر 2019.