• ×

06:37 صباحًا , الثلاثاء 22 أكتوبر 2019

محمد المنصور الحازمي
محمد المنصور الحازمي

" عادي "

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لا تستغرب حين تجد سواك لا يماثلك في ردات فعلك على أمر يهمك أو يطيب لك ، أو يجلب لك السأم أو الغضب ؛ فأنت لست هو وهو ليس أنت ، ولكل صفات وراثية ومكتسبة. ومن الطبيعي أن تتنشأ تباينات في مستوى التفكير، و سرعة التأثر " الاستجابة " ؛ إيجابا أو سلباً تبعا للظروف المحيطة ؛ اجتماعية ،أو اقتصادية ،أو من خلال التأثر بالموروث الثقافي .

ومثال ذلك أن تجد أحد أطفالك حين تُنكِر عليه سلوكيات معينة يستغرب ذلك ؛ كقصات الشعر ، أو ديمومة عشقه ارتداء اللباس الرياضي على سواه والاكتفاء باللباس الوقور للدوام أو يوم الجمعة أو مناسبات الأعياد ولفترة محدودة ، وتجد آخر من أبنائك يميل إلى ما تراه أنت وإن كان ذلك نادراً بعصرنا الحالي .

ومن الكياسة أن تُعامل كل واحد منهم بما يلائم الموقف ووفق الجانب أو المُدخل الذي اكتسبته و الأنسب لأن تنتهجه مع كل منهم ؛ فالهدف ليس السؤال والاستنكار والتقريع وما أكثره لدينا نحن العرب ، أو للنصح لمجرد النصح الباهت ، بل أن يتحقق الهدف القِيَمي والتربوي ؛ من جانب آخر ستجد منهم من ينسى سريعا أو لم يترسخ لديه من جهة أنه استمع تطييباً لخاطرك لكنه لم يصغِ بما فيه الكفاية لنصحك له عن أمر لا يرى فيه بأساً ، ومنهم من يتفاعل لحظياً ويسير على ما وجهته به فترة من الزمن ما يلبث أن يعود تدريجيا ، ومنهم من لا تجد أثراً لتفاعله سوى للحظات .

وعينة أخرى يظل أحدهم يكبت بداخله معارضة صاخبة من الموقف النشاز لديك بالنسبة له ومن ردات الفعل المتخذة تجاهه ؛ ويعيش معها أمداً طويلا . ومنهم إن كان حديثك معه عن تقويم سلوك سلبي يبادر بتقبله تلقائيا بصمت دونما اقتناع كامل فلا يصرّح أنه أخطأ كونه لم يعتد منك لغة الحوار والنقاش ، فلا يسمع سوى افعل أو لا تفعل ؛ فتعزيزك لهذا النوع من هكذا ردات فعل مقبولة يساهم في تنمية همته لتحقيق الأفضل ، ومعها يصل لاقتناع تدريجي من ذاته بينما لحظيا لا أثرٌ ملموساً عليه .

وآخر قد يكون تقييمه للموقف بحكم عصره الذي يعيش فيه ؛ أوبأن أمراً ما تقييمه لديك أنه خطأٌ في حين يراه صواباً ، وينسى الموقف بنفس اللحظة ، وقد يستغرب أن تعززه إيجابا عن إنجاز ما في حين يرى أنه أمر لا يستوجب التعزيز ، ويقابلك به بتلك الكلمة الشائعة " عادي" ؛ سواء كان مدركاً لأهمية ما يرد عليه ، أو بالأحرى نه بالمطلق أصغى فاستوعب جيداً ما حدثته به ، أم أنها أصبحت لازمة لديه لا يحبذ سوى الرشيقة والحنونة والمتسامحة " عادي " .

يقول أحدهم أشدتُ بابني حين جاء بتقدير " تفوق" فكان رده عليَّ " عادي" لا ابتسامة ولا أثر لسرور عليه ، هو بالصف الثالث الابتدائي ويقول : " قلت له ألم تفرح ؟ أجابني " عادي" .. وفي موقف آخر أرسله أخوه لشراء أغراض للبيت من بقالة مجاورة يديرها " هندي" فتأخر وعند عودته احتد عليه عن سبب تأخره فرد عليه " عادي " ،

ويقسم بموقف آخر أنه ذهب بابنه بالصف الثاني متوسط للمستشفى إذ لاحظ وهناً عليه فأُجري له تحليل دم فأظهرت النتيجة أن نسبة الهيموجلوبين لديه 7 فصُعِق ، فأخبره الطبيب لا تخف ؛ وعلى ابنك أن يأكل جيدا بعناصر غذائية متنوعة ، وأخذ يعدد له ماذا عليه أن يأكل .

وتابع الأب أنه استصغر نفسه أمام الطبيب وأبلغه أن ما قاله له الطبيب متوفر، وأنه وابنه في حوار دائم ونصح عن أن أكل البيت فيه الفائدة ، ولكن ابنه يصر أن يأكل شيبسات وساندويتشات ، ويسرف في تناول المشروبات الغازية ، وتعب معه ، التفت إلى ابنه قائلاً "أعجبك الآن" ستنفذ ما قاله الطبيب أو تظل مصابا بفقر الدم ، فرد عليه ابنه " عادي" ، ويقول من كثر همي عليه ورده علي بكلمة "عادي" رفعت يدي لأصفعه بـ " كف" لكن انزلتها قائلاً له لولا أرآك لا تحتمل لضربتك ، فقال له ابنه " عادي ".

فاستبدل الكف بالنصح متبسما قائلا لابنه : من الضروري من اليوم فصاعدا أن تأكل يدي بيدك ، ويكمل أنهما عادا للبيت مع وجبة الغداء ، فأخبر زوجته فانزعجت ، فطمأنها بأن ابنهما من اليوم سيتناول غداءه معهم فرحت وانطلقت تجهز سفرة الأكل فقالت لابنها الغداء فيما هو يدلف لغرفته حيث سريره لينام كرّرَت عليه قال لها " عادي" ، أخبرت والده عنه قائلة حاولت معه .. فسألها ماذا رد عليك ؟ قالت : " عادي" ؛ فقال : لا حول ولا قوة إلا بالله من يوم جاءت هذه الـ " عادي" زادت لديَّ حموضة المعدة ، والسبب " عادي".

موقف آخر ، صادف أن سرقت دراجة لطفل 11 عاما من أمام بوفيه تركها خارجا فدلف يشتري سانويتش "فلافل" وجبنة على الريحة طبعا فسعر الجبن ارتفع والبغالي يتحايل بفلافل وبطاطس مقلية بزيت يظل لأيام وإن طلب " الزبون" اضافة جبن نثر بإبهامه وسبابته دونما استخدام : جوانتي " وكأنما يضيف " كافيار" - أغلى سمك في العالم والمتوفر حصريا بمياه بحر قزوين بإيران ، لربما " أوباما " من ذويقته فها هو يُسرَّع من التطبيع مع " خاخامات قم " وأكاسرة طهران !!! .

-نعود للطفل ودراجته ونرتاح من أوباما وتردده وما لا نفهمه حتى الآن من نبوغه - خرج الطفل ولم يجد دراجته سأل بعض الصبية ممن صادفهم لأول وهلة فهو من حارة أخرى بعيدة نسبيا فلم يجيبوه بما يفيده بيدَ أن أحدهم لم يكن منهمكا باللعب وأبلغه أن من أخذها أظن من سحنته ومن قطعة قماش كانت ملفوفة على راسه ، وبجيب بنطلونه زجاجة من تلك التي تحتوي على سائل لمسح الزجاج أنه من أحد أولئك الصبية الذين يجوبون الأسواق ،ويقفون بالتقاطعات حيث إشارات المرور بالشوارع الرئيسية ؛يمسحون زجاج سيارات العابرين حين توقفهم ،فحسب أنها له .

وصادف أن توقفت بإحدى " العصاري " أمام مطب اصطناعي وقبل المطب حفرة تختزن مياهاً آسنة ؛ وبعد المطب حفرة أصغر حجما وبوسطها زجاجات مكسرة ؛ وبعدها صبية يلعبون كرة قدم فتوقفت اجباريا بعد ان اجتزت المطب وسمعت سؤاله للصبية وجواب الصبي على صاحبنا الذي رمى دراجته وكأنما بينهما عداوة ، فكان رد فعله " عادي" ورددوا معه " عادي " ، فقلت له تعال اقترب مني فأشرت عليه قائلاً : " الحق واسأل لعلك تجده أو تبلغ والدك ليبلغ الشرطة "، هزَّ رأسه قائلا : " عادي " .!!!

 0  0  850
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:37 صباحًا الثلاثاء 22 أكتوبر 2019.