• ×

03:49 صباحًا , الإثنين 9 ديسمبر 2019

صورة للكاتبات
سما يوسف

قصة قصيرة ( قادم من الماضي )

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ارتشفت هالة رشفة واحدة من فنجان قهوتها دون أن تحس بمذاقها ، وقد وضعت رجلها اليمنى على اليسري ،تحرك يمناها لا اراديا ، تبحلق بعينين تسمرتا نحو شاشة تلفزيون تشاهد فيلما شدها لحبكته الدرامية ،ارتخت يدها اليمني ومن شرودها كاد فنجان القهوة أن يندلق على لباس نومها .

ومع نهاية الفيلم شعرت ببرودة الجو من نسمات باردة تسللت عبر فتحات نافذة كانت مشرعة , فأحست بقشعريرة غزت جسمها النحيل , نهضت لتغلق النافذة ودخلت الى غرفة نومها بسيقان مثقلة بالكاد تجرها بخطوات مثقلة إلى غرفة النوم , ألقت بجسدها وتمددت على السرير ، دون أن تتمكن من تغيير لباسها ، ولكنها لم تتمكن من إغماض جفنيها ، وبركان يجول في صدرها كاد أن ينفجر ليخترق صمتها الطويل الذي تصبرت عليه لسنوات ، وهي في انتظار أن يصحو على صوتها الدافيء ،أن يشعر بها ويفهم لغة حرمانها ، تتمنى أن يترجم لغة عيونها ودوامة حزنها ويمنحها مايطفيء لهيب أنثى ، بينما شريك حياتها ماهر ينام في سبات عميق يطلق زفرات الشخير فنادته ماهر أرجوك أن تسحب المخدة من تحت رأسك فأدار لها ظهره .

بينما هالة لم تخلد للنوم بل جافاها النوم إلى أن اسدل الفجر على عتبات الظلمة ، وأشرقت الشمس وأخذت أشعتها تتسلل من حوافي الستارة ، تحرك الأواني فتصدر أصواتا تماهت الى مسامعها , وصوت ابنها يتهامس مع الخادمة ككل صباح ، التي استيقظت كعادتها كل صباح لتعد افطار زوجها ماهر وابنها , استيقظ الزوج بعد سماع صوت الجرس وأخذ يرتدي ملابسه ، وتناول طعام الإفطار ونادي يا هالة .. تحركت هالة من السرير وارتدت روباً من الحرير يلف جسدها الابيض الممشوق , فيما عينيها المتعبتين من السهر تكاد أن تنفجر , واكتفت بكوب من عصير الفراولة , وعند الإنتهاء من إحتساء كوب العصير همست لماهر : "نحن الليلة مدعوان لتناول طعام العشاء في دار عمي بمناسبة تخرج زهير وعودته لأرض الوطن ، فرد عليها هذه الليلة بالذات أنا مشغول ، اذهبي أنتِ ياحبيبتي مع إبنك وأبلغيه السلام والتهنئة وفي الأيام القادمة سوف أزوره ..!

في المساء أرتدت هالة فستانا كحليا وتزينت بعقد من اللؤلوء وقرط وخاتم ,سرحت شعرها البني بطريقة بسيطة منسدلة على كتفيها ,حملت حقيبتها , وتعطرت بعطرها المعتاد , وغادرت المنزل مع السايق الى دار عمها ، استقبلها افراد الاسرة في بهو الفيلا الأنيقة بمقاعدها الوثيرة ، جالت بنظها بيد أن زهير لم تره ، وأثناء حديثها مع أحد بنات عمها دخل زهير وتقدم نحوها ، معلقاً : هالة الانيقة البسيطة في اناقتها لم يغيرها الزمن ، إلا أنه سلب منها ابتسامتها وضحكتها الرقيقة فتمغر وجهها خجلاً ، وتلعثمت في الرد عليه ،مالبث زهير أن اتجه صوبها ، واخذ مكانه بالقرب منها ، حاولت أن تبدد حالة الارتباك التي تقمصتها ؛ بادرها قائلاً : هالة كأني بك تغيرت ؟؟ بببديهة حاضرة , أجابته : كل شيء في الدنيا قابل للتغيير حتى أنت تغيرت في ملامحك , وأشاحت بوجهها عنه حتى لا يفضح مايغور في عينيها .

بحسبانها وكأن زهيرا يستعيد أياما كانا يلهوان في فناء الدار , ويجتر أياما كان هو المدافع عنها من ابناء عمومتها إذا ما أغضبها أحدهم أو سلب لعبتها أو ضربها ، وأخذ يذكرها ويحكي لها عن حياته في الغربة ، متباهيا بقصائده التي كتبها ، وترجمها الى الفرنسية حيث يدرس جراحة التجميل , بعد حديثه القصير والتاريخي ، نهض من مقعده ,وماهي الا هنيهة حتى أحضر نسخة باللغة العربية , وكتب عليها إهداء : غاليني هالة .. تأكدي أن هذا القلم المخنوق بين أصابعي لا يكتب إلاّ لك .. ياملهمتي ..
وسألها : هالة أما زلتِ تحبيني ؟

تمتمت بكلمات دون أن تحرك شفتيها ؛ أيقظ زهير حبا مدفونا بين أضلعها , وعواطف مكبوتة لم ترَ النور منذ أن تزوجت وغادر هو الى فرنسا ، في حين كانت تصارع إهمالا وفراغا عاطفيا نغص عليها حياتها , وئد حلمها ، زوجها ماهر لم يهتم سوى بتجارته ، أخبار البورصة ، وأرصدته بالبنوك ، خرجت من بيت عمها مسرعة بعد تناول العشاء الى دارها ، وماهر في انتظارها ، ولم يتوقع عودتها بهذه السرعة ، لاحظ عليها الارتباك وسألها :لمَ عدت باكراً ؟ فتملصت وناورته بإجابة مهذَّبة بصداع اقلق راحتها ..

جلست على أريكة وأخذت الريموت تقلب في القنوات الفضائية لعلها تجد ما يهديء ضجيجا يثور في داخلها ، جلس ماهر بجانبها وأخذ يمتدح تسريحتها وفستانها الذي لم يره عليها من قبل ، وبادرها قائلاً : حبيبتي هالة اعرف أنك متعبة نفسياً لانشغالي عنك تماماً فما رأيك بالسفر الى أي جهة تختاري فأنا طوع أمرك ، وسأدع ابننا عند جدته ؛ أمي .

اتفقا على أن يسافرا إلى فرنسا ، وتأملت في محياه وعاجلته تسأله : ماهر أما زلت تحبني ؟؟ إني محتاجة إلى حبك !! محتاجة أن أجد الدفء في حضنك إلى عواطفك فتبسم إبتسامة باهتة وقال: نعم نعم أحبك ونهض واقفاً بقامته السامقه وجسمه الممشوق متجها الى غرفة النوم بينما هي جالسة تتابع أحداث الفيلم ، وفي ذاكرتها شريط من الذكريات ، تجتر ذكرياتها مع زهير حين كانا صغيرين ، حيث اعتاد زهير أن يستقطع من مصروفه اليومي ليشتري لها هدية في عيد ميلادها !! هل حقاً أنه يحبني ؟؟ .تحدث نفسها قائلة : عدت يازهير وفجرت في داخلي فيضا من الوجدان في زمن أموت فيه من سوط الحرمان .. لماذ عدت بعد هذه السنين .
وفي الصباح رن الهاتف وإذا بضربات قلبها تزداد سرعاتها >

رفعت السماعة وردت بصوت مثقل فإذا به زهير صباح الحب ياعمري : هالة البارح كتبت فيك قصيدة سأقرأها لك :
حبيبتي أنتِ الصباح **وأنت المساء وأنتِ ملهمتي كتبتُ فيك ِ اشعاري .. استسلمت جوارحها ، فعلَّقت : كلمات جميلة وإهداء رائع وتنهدت تنهيدة شقت جدار الصمت الذي حدث بينهما .. زهير أرجوك لا تعذبني أكثر أنا متزوجة ولدي طفل ولا أريد أن اكون زوجة خائنة زهير أنت ابن عمي في رتبة أخي الأكبر وأحبك أن تكون اخي لا أن تدمر حياتي !
1

 2  0  804
التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    01-30-2014 01:10 مساءً حسن العواجي :
    عندما تأملت تلك السطور أبحرت معها لا شعورياً وأخذتني أمواج بحر
    الكاتبة المتألقة الى عالم بعيد الى سماء صافية ونجوم مضيئة كنت أتأملها عندما كنت في تلك القرية الصغيرة المتواضعة . ليتنا ما كبرنا,.

    من كلماتي المتواضعة,,,
    ــ عشرين عام وفوقها خمسة أعوام,,
    ليلي سهر وهموم يا نور عيني ,,, أطرد سراب وأتبع احلام وأوهام,,.,

    أقول يمكن طيف خلي يجيني ,,,...ــــ تمنياتي لك بالتوفيق استاذة سما ,,, ولا تحرمينا من كتاباتك المتميزة ..........
    ،،،،، وفقك الله ،،،،،
  • #2
    01-31-2014 03:09 صباحًا د عبد الله الجنيل :
    القصة رائعة جداً في سلاسة الموضوع والأحداث وهي تعالج واقع في المجتمع ، الرجل يلهث وراء الماديات لسعادة الأسرة ناسيا أهم شيء في الموضوع وهو التجاهل بمشاعر الزوجة ويحدث الطلاق العاطفي
    سما كاتبة رائعة في تحريك الأحداث برشاقة
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:49 صباحًا الإثنين 9 ديسمبر 2019.