• ×

07:08 مساءً , السبت 24 أغسطس 2019

الحسن بن ثابت
الحسن بن ثابت

الغرامة أفضل أم السجن

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

تعد العقوبة هي الجزاء الذي يتبع تجريم سلوك معين يمنع الأفراد من إتيانه، وهي بذلك جزء هام من نظام قانوني متكامل ينطلق من الرغبة الجماعية في إضفاء الحماية للأفراد بمنع سلوكات معينة وترتيب جزاءات للأفراد الذين يخالفون هذا المنع، هذه العقوبة التي تختلف باختلاف نوع الجريمة التي ارتكبت، وقد كانت العقوبة في العصور القديمة تقتصر فقط على العقوبات البدنية تأتي في مقدمتها عقوبة الإعدام، أو الشنق، او بتر أحد الأعضاء، إلا انه وبتطور المجتمعات ظهرت إلى الوجود العقوبات السالبة للحرية والعقوبات المالية كالغرامة والمصادرة وغيرها من العقوبات الأخرى، وكان الهدف من تطبيق العقوبة السالبة للحرية هو تحقيق الإيلام او بالأحرى الإنتقام من المجرم.
إلاّ أنه تم استبعاد فكرة الإنتقام و التي تعد وليدة للسلوك الإنساني البدائي الجاهل متمثلة في عدة صور كالرمي في النهر أو الشنق او الضرب حتى الموت، حيث اتسمت بالطابع الوحشي، ثم تطورت العقوبة لتصبح وسيلة لتهذيب المجرم وإصلاحه و تأهيله دور المؤسسة العقابية في ظل السياسة العقابية الجديدة .

إن إصلاح السجون يستدعي توجه جديد يقضي أن يقوم على قاعدة، في الوقت الذي يعاقب فيه المخطئ على خطيئته يتم تربيته من أجل أن يكون مواطنًا صالحا.إن المتأمل في عقوبة السجن يجد أن لها سلبيات كثيرة قد تفوق في أحيان كثيرة الإيجابيات التي شُرعت من أجلها هذه العقوبة ومن أبرز هذه السلبيات.
أولًا: ضياع أسرة السجين, وذلك بغياب ولي أمرهم عنهم الذي يتكفل بحفظهم والإنفاق عليهم والدفاع عنهم؛ وذلك يعرضهم للفساد ويفتح لهم أبواب الانفلات، حيث غاب الرقيب واشتدت الحاجة، وفي هذا العصر الذي يعظم واجب التربية وتشتد مسئولياته على الوالدين يظهر أثر ذلك واضحًا في العيان.
ثانيًا: قتل الشعور بالمسئولية, كثيرًا من السجناء يتبلد إحساسهم بطول مكثهم ويألفون السجن ومن فيه من الرفقة السيئة، ويجدون فيه مأوى ضمنت فيه الأسباب الضرورية للحياة من المطعم والملبس والعلاج، فتألف أنفسهم الكسولة ذلك ويزيدهم قناعة به ما يعرفون من قلة الفرص المتاحة لهم في العمل خارج السجن.
ثالثًا: تعلم الجرائم, فإن السجن يضم مجرمين محترفين، كما يضم فئات كثيرة من البسطاء والمغفلين ممن عثرت بهم الأرجل واستزلهم الشيطان، فيتعلم هؤلاء من أولئك ويشرحون لهم عن وسائل كثيرة من الإجرام يقضون بها حاجاتهم ويشبعون بها غرائزهم المسعورة، فيتخرج بعض هؤلاء البسطاء على أيدي أولئك المحترفين في مدرسة السجن وتكون النتيجة زيادة الإجرام وتعدد وسائله.
رابعًا: كثرة النفقات العامة التي تثقل كاهل الدولة, حيث تزداد مصروفات مرفق السجون لما يصرف له من أموال من توفير الخدمات الضرورية للسجناء، وقيام المرافق الخاصة بهم، وازدياد الموظفين المكلفين بحفظهم ورعايتهم ومتابعة معاملاتهم، وكل ذلك يمكن أن يستفاد به في جهات أخرى أنفع لعامة الأمة من هذا المجال الذي يمكن الاستغناء عن أكثره
والمتأمل في مقاصد الشريعة الإسلامية -حين شرعت العقوبات التعزيرية- يجد أنها تهتم بالمصالح التي تحفظ الضروريات الخمس من الدين والنفس والعقل والعرض والمال وتدرأ عنها المفاسد، وتلزم المجتهد بالنظر المتعمق في معاني الأحكام بعد معرفة عللها؛ لتكون الأحكام التي يتوصل إليها المجتهد من خلال اجتهاد متناسقة في النتيجة مع السنن العام الذي مضى عليه الشارع في تشريعه من مراعاة جلب المصالح التي تنفع العباد ودرء المفاسد عنهم؛ ولهذا رأى الشاطبي - رحمه اللّه - أن من الإسراف المذموم العمل بالظواهر على تتبع وتغال بعيدًا عن مقصود الشارع، كما أن إهمال الظواهر إسراف أيضًا، وعليه فإن عقوبة السجن شرعت لمقاصد نبيلة، من أهمها:إصلاح الجناة ودفع شرهم عن المجتمع فإذ نتج عن تطبيقها ما يزيد الإجرام ويفسد الجناة فلا بد من إعادة النظر في تطبيق ذلك؛ رعاية للمصالح التي قصدها الشارع في هذه العقوبة؛ لأن العقوبات الشرعية كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : شُرعت رحمة من اللّه لعباده فهي صادرة عن رحمة اللّه وإرادة الإحسان إليهم؛ ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على الذنوب أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة بهم، كما يقصد الوالد تأديب ولده وكما يقصد الطبيب معالجة المريض.

وبعد ما ذكر لماذا لأ تحل عقوبة الغرامة المالية" الغرامة النقدية" محل عقوبة السجن لمتعاطي نبتة القات, حيث تشدّد وتخفف على حسب الكمية أو تكرار التعاطي, وذلك لتفرد الحق العام بها العقوبة كونها لا تعني ولا تتعرض لحق الخاص, ولتكون كعقوبة بديلة بأخذ بعين الاعتبار.
وقد نصت بعض الأنظمة التعزيرية المقننة في بعض البلاد على عقوبة الغرامة المالية مثل أنظمة الرشوة والتزوير والاختلاس من المال العام وجرائم الشيكات والمخالفات المرورية وغيرها.
إنّ التوجه لتطبيق عقوبة الغرامة لمتعاطي القات هي أحد أهم الحلول التي لزم المشرع النظر إليها بعين المسئولية, حيث أن مثل هذا النوع من العقوبات يأتي خدمة للمجتمع, كأحد أهم الحلول الناجحة التي تأتي للحد من مشكلة الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي تقع بعد حبس متعاطيه, والتي تؤثر سلبًا على أُسرته ومجتمعه ومصدر رزقه.
ومن خلال تعاطيّ للأنظمة بطبيعة تخصصي أرى أنها أحد أهم الركائز الاجتماعي في أي مجتمع، لأن الأصل من وضعها يعني بتقويم وتعديل لسلوك الأفراد من خلال موادها التي تفرض سلوكًا معينًا يوحد الإيقاع السلوكي للأفراد فيتم إنقاذ المجتمع من أية نشازات سلوكية تؤثر سلبًا على السلوك الاجتماعي وبالتالي تحافظ على وحدة المجتمع وحقوق الأفراد فيه ،وبما أن الأصل في العقوبة كما يرى فقهاء القانون هو إصلاح الجاني للحيلولة دون عودته إلى الإجرام, ومهما كان نوع العقوبة فهي لا تهدف إلى كسر إنسانية الإنسان أو النيل منها, بل هي عملية تهذيب لإنسانية، كما أنها إلى ردع الآخرين وتكون لهم خير نذير.
ومعلوم أن الغرامة لا تهدف إلى مكاسب اقتصادية للجهات ذات الاختصاص, بل هي نوع آخر من عمليات الضغط على الجناة والمخالفين والخارجين على النظام, وهي أخف أنواع العقوبات, وتكون كعقوبة أساسية لمتعاطي نبتة القات..
1

 0  0  994
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:08 مساءً السبت 24 أغسطس 2019.