• ×

07:30 صباحًا , الإثنين 19 أغسطس 2019

أحمد المسعودي
أحمد المسعودي

تغريدة وتعليق: ولد المصري وولدنا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
من حق كل شخص أن يكتب ومن حقه أن يتفاعل مع مجتمعه ومع ثقافته التي تسكنه، فيعد جزءًا منها، غير أن البعض قد لا يعترض على من يكتب وماذا يكتب بقدر ما يعترض على جمالية الكتابة، وما من شك أن الجمالية مطلب محبب للقارئ، لكن الثقافة في صورتها العامة تتكون في النهاية من المجتمع بأطيافه المتباينة، ممن يكتب بنخبوية، وممن يكتب بشعبوية، خصوصًا في أيامنا هذه أيام التويتر والفيس بوك وما كان نظيرًا لهما، بل إن الأمر قد يعدو حد التساوي بين الفئتين إلى ما يصفه (الغذامي) بـ "بسقوط النخبة وبروز الشعبي"، فخطاب التفاعل لم يعد مقصورًا على أدوات مؤسسية، أو أفراد مخصوصين، ففي التوتير مدار مقالنا أصبح في مقدور أي فرد إنشاء خطابه الذي قد يحقق انتشارًا وإشهارًا لا بسبب جماليته النصية، ولكن لقدرته على التفاعل مع ثقافة المجتمع تشخيصًا أو تجاوزًا في كلمات محدودة، كما هو الحال في تغريدة اليوم التي تعتمد في بنائها على عنصر الاستظراف والإطراف من خلال السخرية من دونية الذات مقابل تفوق الآخر، تلك الدونية تصبح مستضرفة؛ لأنها دونية في مجال العلم المنهجي وتحصيله، وليست دونية في المحظورات الأخرى مثل (الدين، وشرف النسب والحسب، وصفات الكرم أو الشجاعة ..
وغير ذلك من مواضعات الثقافة السائدة في المجتمع)، فلو كانت التغريدة في شيء منها لما أصبحت طرفة ولما تناقلها أفراد الثقافة نفسها، فهي ليست منقصة في وعي الثقافة الساخرة في تلك التغريدة من نفسها على الرغم من تظاهرها بذلك.
إن القراءة الأولى للتغريدة تشير إلى وجود طرفين، أحدهما متفوق في تحصيل العلم ترعاه أسرة تنتمي إلى ثقافة تمجد التفاني في طلب العلم مما يدفع ابنها(ولد المصري) إلى تخويفهم -من باب التشويق لمعرفة نتيجته في الدراسة والتحصيل- بعرض شهادة (ولد السعودي) التي تكفي رؤيتهم لها بإثارة رعبهم من شدة إخفاق صاحبها الممثل للطرف الآخر. هذا المعطى الدلالي الأولي والمباشر قد يتجاوزه البعض في قراءته للتغريدة إلى أنه نقد مبطن لواقع التعليم لدينا، وأنه (جلد للذات)، أودعوة لتغيير ثقافة الناس إلى منحى ذي خصوصية تقدمية معينة، وهذه القراءة قراءة مقبولة إلا أنها في نظري- إذا ما أخذنا بنظريات تعدد القراءة، وعدم نهائيتها- لا تكشف مخبوء الأنساق التي يحملها النص، ولتوضيح أكثر نتساءل؛ فنقول: لو كان التفوق للطرف الآخر في هذه التغريدة في أمر من أمور الحسب، أو النسب، أو في بعض الصفات العميقة التي يتفاخر بها (أبناء ثقافتنا) منذ القدم وحتى الآن، هل كانت تلك التغريدة ستصبح مستضرفة تقبلها الذات بكل أريحية، وتسلِّم فيها للآخر بكل سهولة ؟ أشك في ذلك!!.
ألم تتناقل الصحافة على مدى أيام وبدون تململ من التكرار ما كان من أمر مشاركة رجل أعمال (مصري) في مزايين الإبل؟! حيث قام حراس الثقافة ولم يسلِّموا بالتفوق، أو حتى محاولة التنافس في أمر ليس بذي بال-منطقيًّا- مقارنة بالمنافسة العلمية، فتفوق (ولد المصري) في العلم أمر تقبله الذات ولا يعيبها (حسب شروط الثقافة الموقعة بمداد الوعي في ذاكرة أجيالها)، بينما التفوق في مزايين الإبل أمر مهين؛ لأنه يشكل انتهاكًا لخصوصية للذات، وتهديدًا لما تراه جزءًا أساسيًّا منها يلزم كل فرد من أفرادها التدخل لإبعاد كل ما هو خارج عن دائرة الذات.

image

 0  0  950
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:30 صباحًا الإثنين 19 أغسطس 2019.