• ×

09:29 مساءً , الإثنين 19 أغسطس 2019

محمد بن علي حكمي
محمد بن علي حكمي

حوار الأغبياء ... عنزٌ و لو طارت ..!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط



المسرحية العربية الشهيرة العيال كبرت حوت مشاهد فكاهيةً يصور حال الأغبياء حين تحاورهم .

يحاول العيال في المشهد اكتشاف شخصية المرأة التي تريد تقويض بنائهم الأسري ؛ وذلك بزواجها من أبيهم .

فيدور بين الأغبياء حوارٌ هو التالي :

أحمد زكي وهو المثقف : من هي الست- يعني المرأة - التي ستهرب مع أبوكم ؟

ليرد يونس شلبي و هو الولد الغبي : يمكن يهرب مع عمتك ؟؟؟!!!

يصرخ سعيد صالح و هو الفتى الصايع : يهرب مع عمتك إزاي ,
وهي متزوجة ..!!!

ليرد المثقف أحمد زكي : يعني لو ما كانت متزوجة ممكنة تهرب معاه ..؟؟

يعود يونس شلبي فيؤكد : أيوه ممكن ..!!

و يختتم المشهد بينهم بالعراك .

و قفلة حوار الأغبياء بالعراك دائما , صورةٌ ذهنيةٌ صحيحةٌ و موثقةٌ أيضا في قصص التراث , و الجميع يعلم قصة الأحمقين حين قال أحدهما للآخر : تمنى.

فقال الأحمق الثاني : أتمنى أيكون لي وادياً من الغنم .

فقال الأول من فوره : أما أنا فأتمنى وادياً من الذئاب لتأكل غنمك ..!

و حينئذ بدأ العراك كنتيجة طبيعية لحوار الأغبياء , وبقية القصة معروفة حين تدخل أحمقٌ ثالثٌ هو صاحبُ العسلِ المهراق .

للحوار في أي شأن أسس و شروط و أساليب و آداب بين المتحاورين , من أبسطها أن يكون لدى المتحاورين شيء من متطلبات العلم بالأمر المختلف فيه حتى لا يكون جدالا عقيما .

فالحوار لغة راقية لأنه يهدف لكشف الأسباب التي جعلتنا نتبنى هذا الرأي أو ذاك , و المناظرة الملزمة لغة أرقى لأنها تهدف لبيان خطأ الدليل أو التصور الذي بنينا عليه رأياً بعينه , بأسلوب علمي رصين بعيد عن التجريح و التعصب .

و ثمة مسألةٌ أخرى و هي عبارة الرأي يجب أن يُحترم .

و هي عبارة صحيحة و لكن ليست دائماً فلكي يُحترم الرأي لا بد أن يفحص و يمحص بآلة العقل و النقل وإلا لما استقام للناس قاعدة و لا أصل .

خذ مثلا : يروى أن أحد الصحابة و هو قدامة بن مظعون رضي الله عنه
و معه جماعة في الشام شربوا الخمر ففتنوا الناس فطلبهم عمر و حين وصلوا المدينة دار بين عمر و قدامة حوارٌ و لكنه حوارُ الأتقياءِ الأذكياءِ و ليس حوارَ الأغبياء .

إذ قال له عمر : ما حملك على ما فعلت ؟

فقال : قرأت قوله تعالى ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) و نحن ممن آمن
و أتقى فلا جناح علينا إن شربنا الخمر .

فقال له عمر بن الخطاب: أخطأت استك الحفرة، أما إنك لو كنت اتقيت و آمنت لما شربت الخمر.

ثم قال لمن حوله من القضاة: سلوهم فإن شربوها مستحلين كفروا، وإن شربوها متأولين جلدوا.

وعلم قدامة بن مظعون رضي الله عنه وأرضاه بعد ذلك أنه قد أخطأ وعصى الله ورسوله، فمكث دهراً وهو يبكي على نفسه حتى وصل به الحد إلى أن يئس من رحمة الله، متعجباً كيف به وهو صاحب رسول الله أن يفهم هذا الفهم الذي أوقعه في هذه الكبيرة العظيمة؟ .

فجاء به عمر رضي الله عنه مرة أخرى، ثم قال له:

لا أدري أي ذنبيك أعظم استحلالك الخمر؟ أم يأسك من رحمة الله؟ وتلا عليه أول سورة غافر) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ).

فلم يقل له عمر رضي الله عنه في تأوله جواز شرب الخمر للمتقي ؛ رأيك يستحق التقدير و وجهة نظرك جيدة , و هذا قولٌ يستحق التأمل و الإحترام , ومن هذا الكلام المنمق المزوق المبني علي الجهل المركب .

ثم إن قدامة رضي الله عنه حين عرف الحق لم يقل :

لا تصادر رأيي , فهذا إجتهاد خاص بي ,و أنت لا تملك الحقيقة المطلقة , و هذا الأمر من ضروريات المرحلة وبدهيات الحضارة .

خاتمة القول أيها القارئ الكريم أن الواقع اليوم يعج بآراء و أقوال قد عرفنا سخفها و مخالفتها و لكن أصحابها يطالبونك بإحترامها باسم حرية الجهل المركب .

و لكن شرعك و عقلك يطالبانك بإطراحها بل وتسخيفها و تسفيهها
و أصحابِها .

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ ) (13) /من سورة البقرة.

(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) ( (155) /الاعراف.
1

 0  0  1271
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:29 مساءً الإثنين 19 أغسطس 2019.