• ×

11:50 صباحًا , الإثنين 23 سبتمبر 2019

علي أبو شملة الحكمي
علي أبو شملة الحكمي

أزمة لغة ..!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
اللغة إحدى أدوات التعبير كالرسم والنحت والإشارات إلخ .. وتعد من أفضل الأدوات من حيث الثراء والمرونة .. فمن خلالها تستطيع إيصال أفكار كثيرة بصورة أدق وأوضح , لذلك يجب تعلمها على أسسها وقوانينها المتعارف عليها ولا بأس من تطويرها بالتدرج والأناة والعقل لتستوعب الحياة .. لأن الخلل والعبث بها يؤدي إلى اختلال مفاهيم كثيرة للأمة التي تتحدث بها ما لم تكن تلك الأمة تريد الانسلاخ من هويتها رغبة وطواعية - كما فعلت كثير من الأمم بأن ذابت في لغات أمم أخرى بل وأصبحت محافظة على قواعد تلك الأمم أكثر من أهلها .. ليقينها أن من لا لغة له لا هوية له .

ولا يعني هذا أن نتجمد تحت اللغة إلى درجة الصفر فالأفكار الوافدة والمكتسبة من هذا الكون الفسيح لها تأثير على اللغة فيجب أن تستوعبها مع المحافظة على تلك الأسس للغة حتى لا تذوب نهائيا .

ولا أشد خطرا على اللغة من أولئك الذين أجادوها وتعمقوا فيها وهم لا يمتلكون ثقافة العصر فتجدهم يقتلونها ويحنطونها حتى تصبح إرثا قديما ميتا لا روح فيها .. وهؤلاء مثلهم مثل من لا يعرفها ولا يعرف قواعدها وهم يمتلكون ثقافة عصرية حديثة فتجدهم يعبرون عن ثقافتهم بلغة ليست هي اللغة فأضاعوها وضاع معها نقل تلك الثقافة إذ لا يمكن أن نفهم العلوم والمعارف بصورة صحيحة وهي تصاغ - تلك العلوم - بلغة هجينة فلو تمّ نقلها بلغتها الأم لكان أفضل بكثير على الأقل حفاظا على العلوم والمعارف بدلا من تشويهها هي الأخرى .

ويبدو أن أزمتنا الثقافية أننا واقعون بين هاتين المشكلتين : علماء باللغة لا يعون ولا يدركون بل وغير مهتمين بثقافة العصر .. ومثقفون أو أشباههم لا يعون قواعد وأسس اللغة .. فلا غرابة أن نجد تخبطا وصراعا في كل شيء !
عندما تقرأ أغلب كتابات الناطقين باللغة الإنجليزية مثلا - في وسائل الاتصال الاجتماعية تشعر بالأسى وأنت تراهم يكتبون بلغة مشرقة صافية ملتزمين بقواعدها الصارمة حتى على مستوى العامة منهم .. وما أن تقرأ لأهلنا الناطقين باللغة العربية حتى تجد استهتارا بأبسط قواعدها لدرجة أن أصبح ذلك مستساغا وبات الأمر الغريب المستهجن أن تتحدث بلغة صافية نظيفة واضحة .

إننا ننزل بلغتنا إلى الحضيض بل ولدينا تذلل لدرجة عجيبة فنحن نحدث البنغالي أو أية جنسية أخرى بلهجته ولغته المكسرة في حين أنه غير راض عنا ويريد أن يسمع منا لغتنا العربية الحقيقية ليتعلمها لأنه يدرك أنها عظيمة ولغة أناس كانوا عظماء ذات يوم .

لا ألوم العامة على استمراء هذا الأسلوب ولا ألوم أحدا لكن الأمر يحتاج لتأمل وبحث عن الأسباب الكامنة وراء هذا .. لا شك أن الجهل هو السبب الرئيس .. كما أن لدينا مشكلة إن لم تكن حالة نفسية مرضية وهي أن التعالم وادعاء المعرفة والثقافة والقفز على سلم التدرج اللغوي والمعرفي والعلمي والتفاخر بذلك هو سبب آخر أدى لهذا النزول والهبوط في اللغة وتبع ذلك هبوط على كل المستويات .

إذ لا يمكن أن نتعلم ونستفيد ونحن ننكر جهلنا وفوق ذلك ندّعي العلم والمعرفة فالتواضع وعدم الجدل للجدل هو مصيبتنا في أزمتنا التي هي أزمة لغة وأزمة أمة وأزمة ثقافة وأزمة علم وأزمة أخلاق .. ولن نخرج من هذه الغمّة إلا إذا تيقنا تماما أن العلم ليس فخرا وتفاخرا بل هو شقاء وجهد مضن يقدم عليه كل من سخّر وقته وجهده لخدمة أمته وعالمه والبشرية كلها وكل هذا على حساب راحته وحياته ومتعه في هذه الدنيا .

- - - - - - - - - - - - - - - - -
تم إضافة المرفق التالي :
11.jpg

 0  0  590
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:50 صباحًا الإثنين 23 سبتمبر 2019.