• ×

12:02 مساءً , الأربعاء 23 سبتمبر 2020

أحمد الحربي
أحمد الحربي

أحشفاً وسوءَ كِيلة؟!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
على خلفية الأسئلة التي أثارت جدلاً واسعاً بين فئات المجتمع على اختلاف ثقافاتهم، تلك الأسئلة وخياراتها المستفزة من قِبل عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود -لا أعرف اسمه- التي أثارت حنقاً على الجامعة وهيئة التدريس والمنهج المقرر.

لا أدري من أي الأبواب أدخل؟ ولا أعلم من أي النوافذ أستنشق عبيراً نقياً لأدلف إلى الموضوع الذي عنونت له بمثل مشهور، لأنني في حالة أقل ما يُقال عنها حالة توتر، ليس لقلة حيلتي، ولا لضعف قوتي، ولكن لسوء ما سمعت عن فعل أكاديمي في جامعة الإمام، تلك الجامعة التي تبوّأت مكانة عالية في فترة تأسيس التعليم الأكاديمي، فقد تخرّج فيها مجموعة من العلماء والقضاة والمعلمين، وهؤلاء أخذوا على عاتقهم بناء الإدارة والتعليم والقضاء في مراحل بناء الدولة تعليمياً وثقافياً، فعلى مدى نصف قرن وخريجو جامعة الإمام يؤدون واجبهم تجاه دينهم ووطنهم وأمّتهم، ومازال بعضهم على رأس العمل حتى اليوم، وبالتأكيد كان جيلي ومازال يسعد بالاستماع إلى قصص الجيل الأول الذين كابدوا وتعلموا وتخرجوا وشقوا طريقهم في الحياة بجدهم ومثابرتهم، وخدموا وأنتجوا.

لكن المؤلم حقاً أن يكون بيننا من منسوبي الجامعة نفسها من يعيش في ضلال قديم ترسخ في عقله الباطن، ووجد الفرصة لتكريس هذا الفكر العنصري في عقول طلابه، والأدهى أن ذلك يحصل في رحاب جامعة تكرّس منهجها الإسلامي في الداخل والخارج، لكن ما حصل بعيد عن تعاليم الإسلام، ولا ندري ما رأي الجامعة في ذلك، وأيضاً لا نعلم ما رأي وزارة التعليم العالي؟

كنت أعتقد أننا تجاوزنا كثيراً من العقبات، وكثيراً من الحفر والمطبات، وكثيراً من الظلام المعرش في الصدور، باتجاه اللحمة الوطنية، ولكننا نصطدم أحياناً بمثل هذه العقليات الصغيرة التي لا نستطيع أن نصنفها تحت أي فئة لأن وصفها معجز جداً، ففي الوقت الذي تنادي فيه القيادة الحكيمة بالاتحاد الخليجي بكامل حدوده وأطيافه، نجد بيننا من لم يستطِع التعامل مع الوحدة الوطنية الداخلية، ومن لم تتحقق لديه الوحدة الوطنية، فكيف سيكون وضعه أمام الاتحاد الخليجي بكل معطياته الثقافية والسياسية والاجتماعية والأطياف الدينية؟!

مع الأسف، هذا الأكاديمي لم يقرأ التاريخ جيداً، وإلا سيعرف عن علماء الجنوب، وسيعلم أن القرعاوي لم يأتِ للجنوب بدعوة إصلاحية، بل جاء موظفاً افتتح عدداً من المدارس والمعاهد، بأمر من الشيخ محمد بن إبراهيم، عطفاً على تعليمات الملك عبدالعزيز رحمهما الله، وأدارها باقتدار، وله فضل كبير في تعليم أبناء الجنوب تعليماً منظماً، أو لنا أن نقول: في عهده بدأ التعليم النظامي في الجنوب، وكان مسمى وظيفته (مدير مدارس الجنوب)، ولدي صور خطابات موجهة إلى والدي -رحمه الله- بهذا الخصوص، وقد ضمّنتها كتابي المخطوط (القرفي) التاريخ والناس..

ثم لا أدري من أين استقى المعلومات التي بنى عليها أسئلته؟ فجميع الذين كتبوا عن القرعاوي هم طلابه، وللحق لم نجد أحداً منهم جاء على ذكر ما ورد في الأسئلة، ولم يقل أحد إن الشيخ وصل الجنوب والناس لا تقيم الصلاة ولا تصوم رمضان ولا تؤدي الزكاة ولا تحج، فلم نجد كتاباً ذكر هذا!
فكيف سمح لنفسه أن يتهم قطاعاً كاملاً من خارطة الجزيرة العربية بالكفر؟ وكيف يبث مثل هذه المعلومات المزوّرة في صالات الدرس لطلابه، دون أن يتثبت من معلوماته ومن مصادرها إذا كانت هناك مصادر يستند إليها؟!

لا أحد ينفي أن الجزيرة العربية مرّت بفترة خيّم عليها فيها الجهل وانتشرت فيها البدع والخرافات، وكثرت فيها الشركيات والمعتقدات الباطلة، وهذا ينطبق على الجزيرة العربية كلها، وما الدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلا من أجل تصحيح ذلك، وإن كان الأمر يختلف حين نتحدث عن الجنوب عند وصول القرعاوي، فقد وجد المساجد في كثير من القرى والمدن تعجّ بحلقات العلم الشرعي (القرآن والتفسير والحديث والتوحيد والفرائض وغيرها)، ووجد كثيراً من الفقهاء المجتهدين يؤدون رسائل علمية مكلفين بها أنفسهم دون مقابل، لا يرجون من وراء ذلك إلا الأجر والثواب من رب العباد، وهذا يسوقنا إلى أن أهل الجنوب يفقهون أمور دينهم قبل مجيء القرعاوي، بل قبل توحيد المملكة، ولدي وثائق وخطابات منه لهؤلاء المعلمين تثبت هذا.

فأين الأمانة العلمية؟ وما الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها من وراء هذه الأكاذيب والافتراءات والمغالطات التي يضلل بها الأجيال ويغسل بها عقول الطلاب، ويكرسها في وجدانهم؟
بالتأكيد الجامعة لا يرضيها ما حصل؟ ولا وزارة التعليم العالي يسرّها ذلك، وها نحن نضع الملف برمته بين أيديهم، لإحقاق الحق وإعادة الأمور إلى نصابها، فنحن نعلم مدى إنصافهم، ولن يمر الأمر من أمامهم مرور الكرام، والله من وراء القصد.


نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٠٩) صفحة (٢٣) بتاريخ (١٦-٠١-٢٠١٣)

بواسطة : أحمد الحربي
 0  0  854
التعليقات ( 0 )