• ×

06:16 مساءً , الأربعاء 23 سبتمبر 2020

د . قيس عمر  العجارمة
د . قيس عمر العجارمة

ما خفي وما بان في مسلك الإخوان

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لاشك أن الربيع العربي وانقلاب الشعوب على حكامها لم يكن وليد الصدفة، إنما هو نتاج لثورة فكرية تراكمت مفرداتها على مدى الخمسين سنة الفائتة، كان من ابرز هذه المفردات وأخطرها الاستبداد وعدم الإيمان بالمشاركة السياسية مع الشعوب، ومن الثابت بحكم التجربة أن ممارسة النهج الاستبدادي في العمل السياسي مقتل لأي سلطة أو حزب أو جماعة، إلا انه ومن الواضح أن نهم الإخوان للسلطة يعمي أبصارهم عن هذه الحقيقة!!!!!!
لقد ساعدت الظروف في أن يكون للإخوان المسلمين في كل الدول العربية التي اجتاحها الربيع الشأن الأعظم في الشارع، والسبب أنهم الأقدم تنظيما من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والاهم من ذلك أنهم التنظيم العربي الوحيد بعد الأنظمة الرسمية الذي له اتصالات وعلاقات قديمة مع الغرب، وهذا ما أهّلهم للاستفادة من المكاسب السياسية التي أفرزتها الثورات، واستطاع الإخوان المسلمون جني ثمار الربيع العربي في مصر وتونس وليبيا، لكنهم لم ينجحوا في اليمن بسبب قوة النفوذ السعودي لدى الغرب، والذي صرعهم في لعبة التوازنات الدولية، وكانت السعودية أكثر إقناعا للغرب منهم في الشأن اليمني.
أما باقي الدول العربية والتي تضائل فيها اثر الربيع، ولم يصل إلى مستوى الثورة، لأسباب متعددة منها استقرار الأنظمة الملكية في كل من الأردن والمغرب، أما الخليج فمعلوم أن حركة الإخوان المسلمون ليس لها حضور شعبي، ولم تتمكن من زرع قواعد لها في تلك الدول لأسباب متعددة أهمها؛ طبيعة التركيبة الاجتماعية التي تحكمها قيم القبيلة، وسيطرة المنهج السلفي إضافة إلى أن الغرب لم يمنح حركة الإخوان رخصة في التمدد والانتشار في دول الخليج، مع ضرورة التنويه إلى أن الغرب له حكمة في تأخير دعم الإخوان في باقي الدول حتى يتأكد من التزامهم بمصالحه وحسن سيرتهم وسلوكهم في الحكم ليمنحهم شهادة ضمان !!!!!!
أما في الساحة الأردنية فمنذ بداية الربيع الأردني مارس إخوان الأردن التجارة بكل بضاعتهم السياسية؛ مظاهرات واعتصامات، مؤامرات ومكائد، ولم يفوتوا فرصة إلا واستغلوها على أمل تكرار مشهد ميدان التحرير، والكل يذكر مهزلة 24 آذار 2011 وكيف أنهم صبوا كل جهودهم في لعبة حقيرة ومكشوفة، ولا زلت اذكر وغيري كثيرون كيف صحح علي أبو السكر معلومة الجزيرة حول عدد شهداء دوار الداخلية، لكنهم فشلوا ولله الحمد ولم يتمكنوا من حشد الشارع وتأليبه بالدرجة أو الصورة التي تداعب طموحهم الأسود لأسباب عديدة لا بد من استعراضها:

أولا: خلو السجل الأمني والسياسي لنظام الحكم الأردني من أي جرائم أو انتهاكات صارخة منذ إنشاء الإمارة وحتى يومنا هذا، ويعلم القاصي والداني أن التسامح في كثير من الظروف كان يعد مأخذا على الحكم الهاشمي يتحفظ عليه الكثير من أبناء الأردن ويرونه جزءا من مؤامرة، بينما رآه بعض الطامعين ضعفا، لكن الأيام أثبتت انه خلقٌ أصيل ونهجٌ قويم تفرّد به الهاشميون، وترفده جينات سيد الخلق وأشرفهم محمد صلى الله عليه وسلم.
ثانيا: العلاقة التاريخية المميزة بين الشعب من شتى أصوله ومنابته وبين القيادة الهاشمية التي تمكنت من مزج الألوان المختلفة للتركيبة الشعبية سواء من حيث الأصل أو العقيدة أو العرق ليكون بلون واحد ربما تختلف درجاته بيت الفاتح والغامق، إلا أنها في النهاية لها لون واحد وهو الأردن الهاشمي.
ثالثا: ساعدت الأحداث المريرة التي عاشها الأردن منذ احتلال فلسطين عام 1948 مرورا باحتلال الضفة عام 1967 وأحداث عام 1970 وحتى يومنا هذا إلى إكساب الأردنيين ثقافة سياسية عالية وغنية بالخبرة والتجربة مكنتهم من التمييز المبكر بين الغث والسمين وقطع الطريق دائما على الانتهازيين والوصوليين،
وفي ظل هذه المعطيات التي أدت إلى فشل الحركة وابتعادها عن النهج السياسي المتعقل الذي عرفت به تاريخيا، إضافة إلى أن مؤسساتها يسيطر عليها قادة مجددون تغلب عليهم المراهقة السياسية والرعونة وحب الأضواء فاتخذوا نهجا متخبطا كاد أن يدخل البلاد فيما لا تحمد عقباه، وكانت ابرز مظاهر التخبط والرعونة ما يلي:

1- محاولات الالتفاف على التركيبة المستقرة للشارع الأردني وتقسيمها لكسب جزء كبير منه من خلال تسليط الضوء على تباين درجات اللون الأردني تحت عناوين متعددة منها موضوع قانون الانتخابات ومراعاة الكثافة السكانية، وهذا هو الوجه الآخر لنغمة الحقوق المنقوصة والعزف على قيثارة شرق أردني وغرب أردني، إلا أنها فشلت أيضا فشلا ذريعا كشفه رصيدها المفلس في المخيمات ولدى الأردنيين من أصول فلسطينية، وأوجست العشائر الأردنية في نفسها خيفة من مخططهم، وهذا ما دعا العشائر إلى مواجهة هذه الحركة والوقوف في وجهها.
2- حاولت الحركة تشتيت الوعي والثقافة السياسية لدى الشعب من خلال تضعيف إيمانه بالمواطنة اعتمادا على ضرب الثقة العامة بالدولة ونظام الحكم، بتعظيم وتهويل حجم الفساد وبث الإشاعة الهدّامة، ووضع الدولة في موقف دفاع مستمر.
3- استخدمت الحركة التدخل الخارجي من خلال إخوان مصر الذين استغلوا موضوع الغاز لجعله ورقة سياسية في يد إخوان الأردن، وخلق أزمة اقتصادية يستغلونها شر استغلال، ولا زلنا نعيش في أجواء رفع الدعم التي تشكل فرصة لازال الإخوان يمارسون من خلالها شتى صنوف الانتهازية وأبشع صورها.
وأخيراً - وأتمنى أن يكون آخراً -فقد توّج الإخوان فشلهم ونهجهم المتخبط الأعمى في الأحداث الأمنية الأخيرة، حينما استغلوا أعمال الإجرام والتخريب ليجعلوا منها ورقة في لعبة السياسة القذرة، وساوموا الوطن مساومة رخيصة كشفت زيفهم وأظهرت انتهازيتهم ولهثهم المسعور وراء السلطة، ولن ينسى أبناء الأردن تخلف الاخوان المسلمون عن الوطن يوم دعاهم لحفظ أمنه واستقراره، فالأمن لا يخص الدولة والنظام فقط وإنما هو مطلب حيوي للشعب قبل خبزه ورغيفه.

 0  0  861
التعليقات ( 0 )