• ×

07:04 مساءً , الإثنين 21 سبتمبر 2020

الحسن بن ثابت
الحسن بن ثابت

الآثار الاقتصادية وأمننا القومي ...إلى أين ؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

من المعروف أن الفقر والغنى هما من الحالات الخاصة , تصيب الفرد بذاته , وأما التقلبات الاقتصادية فإنها عادة ما تخلق وضعاً عاماً يتأثر به كثير من الناس .
والتقلبات تحدث فقراً مفاجئاً أو تحدث غناً مفاجئاً , أو تحدث الأمرين معاً في آن واحد , إذ تصاب طائفة من الناس بفقر مدقع وطائفة أخرى بغناً فاحش , وكل ذلك له آثاره على جملة التصرفات والأفعال الصادرة من الطائفتين , وسبق وأن تحدث العلماء في هذا الشأن على مظهرين من مظاهر التقلبات الاقتصادية أوجزها لكم بشقين وهما: تقلبات الأسعار , وتقلبات الدخول .

فعند تقلبات الأسعار قد تتعرض أسعار بعض السلع والخدمات ( خاصة الأساسية منها ) لتغير مفاجئ , سواء بالزيادة أو النقصان , فيترتب على ذلك بالضرورة آثار واضحة في المستوى المعيشي لطائفة كبيرة من الناس تؤدي إلى نتائج هامة في مجال الاتجاهات السلوكية أهمها :

إصابة طائفة من الناس بفقر مفاجئ , أو بعجز عن تحقيق الإشباع الذي كانوا يتمتعون به من قبل , وقد يكون لهذه النتيجة من آثار أمنية ما يفوق كثيراً من أثر الفقر الدائم الذي يكون الشخص قد تعود عليه ورتب أُموره على أساسه , إذ أن الفقر أو العجز المفاجئ يجعل صاحبه شديد القلق كثير الاضطراب , وقد يدفعه ذلك إلى سلوك سبيل الجريمة لسد الحاجة وتضييق الهوة بين واقعه , وبين وضعه السابق , وخاصة إذا كان له زوجة أو أولاد لا يستطيعون الصبر على الوضع الجديد

ارتفاع بعض السلع والخدمات يؤدي إلى قلة الطلب عليها نظراً لعجز كثير من الناس على شرائها , فيؤدي ذلك إلى كسادها وازدياد المخزون منها , وهذا يقلل أرباح الصانع أو التاجر , فيضطر إلى تقليل إنتاجه منها , وبالطبع هذا سيقلل أرباح الصانع والتاجر وفي ذلك الوقت وقد يترتب على ذلك الاستغناء عن عدد من العمال العاملين في إنتاجها أو تسويقها ومن الطبع سينتج عن ذلك قلة الدخل إذ يضر الصانع والتاجر إلى خفض رواتب من بقي منهم وسحب سجادة الامتياز عنهم شيئاً فشيئاً , وبعدها ستكون النتيجة لان يكون في سلوك سبيل الجريمة مخرجاً لهم لسد حاجاتهم الضرورية .

وقد تنشأ عن الفقر المفاجئ حالات من القلق الاضطراب النفسي والعصبي , ربما تكون سبباً في ارتكاب جرائم عنف ضد الأشخاص , كالقتل والإيذاء الجسدي .
ومن ناحية أخرى فإن تقلبات الأسعار قد تؤدي إلى نتائج معاكسة للنتائج السابق ذكرها , إذ تؤدي إلى انخفاض كبير في أسعار كثير من السلع والخدمات , فتزيد نسبة الإشباع الذي يحصل عليه الأشخاص , فتزداد مدخراتهم وتفيض فجأة , وربما يدفع ذلك إلى البحث عن طرق جديدة للمتعة والراحة , وقد تكون تلك الطرق محرمة , شرعاً وقانوناً أي أنها تكون جرائم , إلا أنها هُنا جرائم غنى بدلاً من جرائم الفقر .

بالنسبة لتقلبات الدخول هُنا قد لا يحدث لأسعار السلع أو الخدمات أي تغير , ولكن التغيير يصيب ما يحصل عليه الفرد من الدخل , سواء بالزيادة أو النقصان , وهذا الوضع يحدث آثار ظاهر على الحالة المعيشية والسلوكية والنفسية للشخص الذي تغير مقدار دخله , وربما يكون سبباً في الانحراف نحو الجريمة ومن أبرز حالات التقلبات في الدخل حالتين هما : حالة البطالة المفاجأة , وحالة الغنى المُفاجئ وحالة البطالة المفاجأة ؛ فالبطالة من منظورها العام تعني توقف الشخص عن العمل نتيجة مرض بدني أو نفسي أو عقلي , أو نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية التي تؤدي إلى قلة أو ندرة فرص العمل , أو نتيجة عجز عن العمل بسبب الحبس أو الطرد أو الفصل من العمل بسبب مخالفة أو جريمة أو لأي سبب آخر , وهذا الوضع يحدث ذات الآثار التي يحدثها الفقر المفاجئ , ولكن بصورة بصورة أكثر حدة , إذ تبدو هذه الآثار من ناحيتين هما شدّة الفقر والحاجة لانقطاع مورد الرزق المعتاد , وطول ساعات الفراغ نظراً لعدم وجود العمل الذي يشغل به الشخص وقت فراغه ويشغل عن التفكير في الجريمة .

وليس بمستغرب أن يتضافر هذان الأمران حتى يخرج شخصية غير سوية , ولذلك فإن احتمالات الانحراف نحو أنماط من السلوك المنحرف الإجرامي في هذه الحالة يكون أكبر ويعرض الأمن للخطر , لأن الشخص العاطل عن العمل يجد في سلوك مسار الجريمة وسُبلها السبيل الوحيد الممكنة لسد الحاجة وسد الفراغ , فيرتكب الجرائم الواقعة ضد الأموال , وربما يرتكب جرائم ضد الأشخاص من قتل وإيذاء وسطو مسلح , أو جرائم ضد الأعراض , حتى أنه يبيع عرضه عياذاً بالله أو أعراض أهله وكل ذلك من أجل توفير مستلزمات الحياة المعيشية .

أما عن حالة الغنى المُفاجئ , في هذا الحالة قد يرتفع دخل الشخص فجأة , سواء كان ذلك الارتفاع دائماً أو مؤقتاً , فتزيد النقود في يده , ويزداد إشباعه لحاجاته على نحو قد يكون متجاوزاً به حدود الاعتدال , وقد يكون ذلك سبباً في انحرافه إن لم يكن محصناً بوازع ديني يضبط سلوكه , ولا شك أن هذا الوضع يحدث آثاراً أشد قوة وحدة من الآثار التي يحدثها الغنى الطبيعي التدريجي , إذ أن الغنى المفاجئ ربما يؤدي إلى انقلاب هائل في حياة الشخص وفي علاقاته بالآخرين , وفي تصرفاته وسلوكه , وقد يكون ذلك سبباً في وقوع انحرافات سلوكية اشد مما سبق ذكره وهُنا أيضاً يتعرض الأمن للخطر .


1

 8  0  1599
التعليقات ( 8 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    10-31-2012 02:46 مساءً sami :
    موضوع يستحقق القراءة لأكثر من مرة بتمعن وذلك لقوة موضوعية وضلاعة تنقيبه المختصر
  • #2
    11-01-2012 12:59 صباحًا امواج :
    لا فض فوك ولا تربت يداك ولا جف قلمك موضوع مختصر وملم بالظواهر المنتشرة في واقعنا الحاضر نتيجة التدهور الإقتصادي
  • #3
    11-01-2012 07:30 مساءً د/ حمد آل سلطان :
    الحال الأقتصادي العام يلعب دورا مهما في استتباب الأمن الأخلاقي والاجتماعي والسلوكي والصحي والنفسي ...
    ولا غرابة في ذلك .

    أنا من المعجبين والمتابعين لقلمك المستنير .
    لا فض الله فوك ولا أجف حبر قلمك الراسخ
  • #4
    11-01-2012 11:02 مساءً معتز :
    اوجزت واصبت ان شاء الله وجزاك الله خير
  • #5
    11-01-2012 11:35 مساءً النميري :
    استاذي/ الحسن. موضوع مفيد يستحق الثناء لاهميته امنيآ. وبالفعل هذا مايحدث عند حصول الانقلابات السياسيه . نسأل الله ان يديك علينا الأمن والأمان
  • #6
    11-02-2012 04:08 صباحًا دموع جيزان :
    صح لسانك اخ الحسن
  • #7
    03-03-2013 07:31 صباحًا سبحان مقلب القلوب والابدان :
    مقال مميز وتطرق لموضوع قليل التطريق اليه في المجتمع، لكن فعلا تصير حالات كثيره كذا ويمكن التجار اكثر الناس معرفه بهذا الحال
  • #8
    06-05-2013 02:34 مساءً muna amin :
    موضوع جميل و مفيد و مميز ويستحق القراءه ... سلمت ﻻنامل .