• ×

12:14 صباحًا , الثلاثاء 10 ديسمبر 2019

محمد المنصور الحازمي
محمد المنصور الحازمي

أضحانا ترف , وأجسادهم أضحياتهم .

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

صباحكم ومساؤكم رضا من رب العباد , وأنفاسكم تعبق بالخير ومحياكم مشرق ووضاء وأحوالكم بأحسن حال بهدأة بواكير صبح , لا زلنا نعده من بقايا مساء ، صباح نقص فيه حكايا ليال , وليال نعدها فتكون أكثر من صباحاتنا , وهمسات نكتنزها لينثرها شروق شمس , ونسائم صبح نجترها فتطغى عتمة على ضياء يتربص بنا نهار ليئد ما بقي من جد ؛ مللنا كل شيء لأن المتاح لدينا منعدم عند سوانا , أصبحنا نتغنى بالليل نستبشر بالصباح , بينما سوانا لا يعرف النوم لجفنيه سبيلا ؛ يصعب عليه الظفر بلقيمات يسد بها جوع مستديم , نهاره تحت أزيز الطائرات ودوي القذائف و أطفالهم وعيد يأتي وهم لا يفكرون بثوب جديد أو شراء عطور أو التسوق لأجل التسوق والفسحة.

بينما نحن لا أحد يفكر ماذا يأكل فذلك مضمون , نشكو من الأرق ومن ضوضاء الأبواق و المفحطين , ترف ما بعده ترف , خواء أمعاء يقابله خواء فكر ودلال اكتفاء , في حين نبالغ بالأضاحي وأناس هناك ليسوا ببعيد لكنهم لا عيد لهم , يخشون أن يصيروا هم الأضاحي بمدية شبيح أو برصاصة غادرة ؛ فيما نحن نخشى على أطفالنا من عبث ألعاب نارية بلا معنى , ومن جولات واهية على الأرصفة والشواطئ , بينما هنالك أناس ينتظرهم الموت بكل لحظة يتحفزون للتسابق نحو هواية الذهاب لموت مجاني بساحة تفحيط , أو بشاطئ بحر غادر , أو مع شلة تجرف شابا وديعا لمهاوي الخسران ؛من فيض ملاءة جيوب , وهنالك بالشام من يبحث عن مكان آمن كي لا يفوته تعليمه , ومفقود لم يجد من يرشده عن والده الثاوي بأحد زنازين الطاغية ؛ لنحمد الله ولا ننسى عذابات الآخرين ؛"فإذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم".

لنسترجع تاريخ لبنان من عقود مضت ؛ قبل حرب أهلية استمرت خمسة عشر عاما ؛ بوفيهات وزوايا شاع الحمراء الذي لا ينام استبدل لب الخبز منديلَ ورق يمسح به بائعو الشطائر والساندويتشات بشارع الحمراء ظاهر أحذيتهم , فبات الاسكافيُّ على الطوى , وبخضم تلك الحرب الأهلية المجنونة أضحوا يبحثون عن خبز ناشف بمقالب النفايات , بينما الاسكافي رمى صندوق عدته وانخرط مع الزعران برشاشه ؛يرابط على الخط الأخضر الذي قسم بيروت إلى قسمين ؛ فهل من متعظ لن يستمر الحال فدوام الحال من المحال , الدنيا هكذا سلف ودين فهل من متعظ , فنصف ما نشتريه ونعده على موائدنا يُكَبُّ في مرمى النفايات .

لا أخال أحدا يجزم أن يدوم الحال مع الغفلة والامعان في بطر النعمة , فمع الفاقة يعرف المرء كيف يأكل يابس الخبز وعكر الماء , وأتذكر حين جيء بأسرى من جيش الغزو الصدامي بالآلاف إبان حرب تحرير الكويت جياعا عراة بائسون , أُطعموا أُكِرموا أُحتفيَ بهم فلا ناقة لهم ولا جمل باحتلال دولة جارة وشقيقة , سحنات متشابهة لكنات متماثلة حين دفعهم طاغية مضى حيث أراد الله عقابه بالدنيا بمشهد يوم عيد أضحى كان فيه الضحية الفريدة , وجدوا المأكل و الشراب ونفيس اللباس فاكتفوا ؛ لقد وجدوا ما كانوا يحلمون به وأنَّى لهم أن يحلموا لولا من غرر بهم صيَّرهم بؤساء في بلد الأنهار , وخصب الحقول , وعراقة التاريخ , و حضارة تمتد لآلاف السنين.

وحين امتلأت بطونهم , وأشرقت وجوههم التي كانت كالحة ؛ تمادى بعضهم بعد أن ودع الجوع و الضمأ والخوف ووجد ما يبتغيه من أجود الأصناف , والأمن الوارف نسي جوعة ومصغبته وتمنى بل طالب من مضيفيه ما يسكره بحسبانه يده بمضافات بلاد الحرمين ، لم يعد يفكر بملء معدته فذلك الأمر أصبح متاحا بأي وقت اشتهى أكلا وشرابا مباحا , وامسى يريد أن يشرب ما يعيده لخانات وزوايا مدن بلاده , فكان الجواب سريعا , أعيدوهم لبلدهم , طلباتهم سيجدونها هناك , هذا إن أبقاهم الطاغية على قيد الحياة ثم أعيدوا سالمين , وقد بدأت بوادر البطر ونزوات الفجور والعهر تنتاب بعضهم حين شبعهم .

هكذا هم بعض البشر حين يكون المرء سادرا بعد شيع , مطواعا منقادا حال جوعه وعوزه على حال وحين يتبدل حاله ويتنعم ينسى ما كان عليه , ويمد عنقه إلى ما وراء معدته ؛نسأل الله ألا تنتابنا نوائب أو تصهرنا مواجع تنسينا قيمنا وكل عام وبلادي وأمتي بخير , ما شمرت سواعد و استقر مزاج , وألا يكون بيننا شقيا ولا محروما ,أو مفقودا , فهل نعوي وندرك أننا بخير ولا ننسى عذابات الآخرين ؟, نتيقن أن لو كنا كماهم عليه من البؤس والعوز واليتم لما كنا نفكر سوى بوجبة تسد رمقا وشربة ماء أيا كانت , ومكان يؤينا , لن تجد حينها أحدا يفكر بما وراء المعقول أو يناطح الصخر ليكون أو لا يكون , لنفكر ونقارن بين أضحانا واضحى من يُضحى بهم فأ ضحانا غدا ترفا بلا حمد.


.

 0  0  1104
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:14 صباحًا الثلاثاء 10 ديسمبر 2019.