• ×

03:14 مساءً , الثلاثاء 20 أكتوبر 2020

محمد المنصور الحازمي
محمد المنصور الحازمي

التقريب بين المذاهب ضرورة أمة وأمن أوطان

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ا
منذ فتح العرب المسلمون بلاد فارس , وزوال حكم الأكاسرة , جرس الانذار بات يدق لاستنهاض الفرس ليس باستعادة سيطرتهم على العرب واستعبادهم , فذلك بات مستحيلا ومغامرة محكوم عليها بالفشل , لعدة أسباب منها , أن العرب المسلمين الفاتحين لم يكونوا بوارد استلاب حكم ولا إقامة دولة عظمى بالمفهوم الكسروي أو القيصري , بل لم تشن حروب من قبل المسلمين إلا بعد أن نكل حكام الامبراطوريتين الغربية "القيصرية و الشرقية "الكسروية , فكانت تصل للخليفة الاستغاثات من الأقليات الاسلامية التي دخلت الاسلام .

وبعد أن سمعت ورأت بام عينها كيف نقل الاسلام العرب من عبادة الأوثان والأصنام لعبادة الله الواحد الأحد و وكيف ساوى الاسلام بين السادة والأشراف والعبيد , فأضحى لا فرق بين اي منهم إلا بالتقوى , فلما عاد منهم من عاد من رحلاتهم التجارية , بالبلدان التي دخلت الاسلام , تعرضوا عند عودتهم للتنكيل والعذاب , فوصلت أنباؤهم لحاضرة الاسلام .

من جانب آخر ارتدت قبائل عن الاسلام بالجزيرة العربية , فصمم الصديق ؛ أبو بكر رضي الله عنه أن يدفعوا زكاة أموالهم , بعد أن امتنعوا عن إخراجها مع أنهم دخلوا الاسلام , فارتد زعماء تلك البلدان عن الاسلام وتحالفوا مع غير المسلمين , وانتهت الأمور بأن رفرفت راية الاسلام وتم وأد فتنة المرتدين وإلى الأبد .

جاءت الأنباء للفاروق عمر أن مسلمين ببلاد فارس ينكل بهم ليس إلا أنهم أسلموا وكانوا من بسطاء الناس ومن العرب الذين كانوا تحت سلطان فارس ونفوذها , وأرسلت لهم البعوث والرسل , فما استجابوا , ولا الجزية ارتضوا , فم اكان إلا حماية المسلمين بزوال حكم عبدة النار , ليكون الأمر كله لله.
تأملوا معي عداوة الفرس لسيدنا عمر بن الخطاب , فمن اغتاله كان مجوسيا فارسيا , كان يعيش بأرض الاسلام عند مولاه المغيرة بن شعبة ولم يكرهه أحد على الاسلام .

تدور عجلة الزمن ويخلف عثمان رضي الله عنه عمراً, وجاءت بأواخر خلافته بواكير الفتنة , بحجة أن عمرا لم يشأ ان يسمي عليا رضي الله عنه خليفة بعده , وباعتقادهم أن عمرا هو من أجبر عليا على مبايعة أبو كر الصديق , فوجدوا من ضعاف النفوس ومن المنافقين الذين ترعرعوا بخراسان والبصرة والكوفة , وقتلوا عثمان رضي الله عنه ,لتنتقل الخلافة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه , وحصل ماحصل بينه وبين معاوية بحجة أن قتلة عثمان لاذوا بجيش علي , فكان معاوية رضي الله عنه من قرابة عثمان وهو واليه على الشام , كما كان بعهد عمر رضي الله عنه , فرفض البيعة لعلي قبل أن يسلم قتلة عثمان , فانقسمت الأمة لفريقين أو فئتين ,

وكان هذا قدر أراده الله , ومع هذا لم يكفر أحد أحدا , واعتبر الأمر أن طائفة بغت على طائف ولكن عدو الله عبدالله بن سبأ الفارسي الذي أسلم بعد أن كان يهوديا ,وماكان إسلامه إلا ليجمع حولة حثالة من المراهقين والأدعياء وشراذم من المندسين للكيد للإسلام , فكان الوقود فارسيا , والمخطط كسرويا , فاستمالوا معهم بعض أبناء الصحابة , وفشلوا باستنهاض البصريين والكوفيين , فاتجهوا صوب مصر بخلافة عثمان وبثوا الدعايات المغرضة عن ذي النورين .


و بخلافة علي رضي الله عنه , ضاق ذرعا بابن سبأ لأنه كان يحرض على سب معاوية رضي الله عنه ,كان يبث الأخبار الكاذبة ليذكي روح العداء , بعد أن كادت بوادر الصلح بين الفريقين وشيكة , كان علي رضي الله عنه قد توعد ابن سبأ بالقصاص كونه مفسدا في الأرض , ووصله النبأ ففر لبلاد فارس , وظل يتحين الفرصة للايقاع بين الفريقين مرة أخرى , فلما فشلت خططه , أوعز للخوارج الذين كانت لهم هواجس أنه بصلح الفريقين بداية النهاية لأطماعهم ولنشر فتنهم بإضعاف شوكة المسلمين , فجندوا ثلاثة من أتباعهم ووعدوهم بوعود مغرية , وكانت امرأة تقود جناحا كان علي رضي الله عنه قد كسر شوكتهم , فحثته على قتل علي رضي الله عنه انتقاما لمقتل أقارب لها من الخوارج ومنهم زوجها , وتم تجنيد اثنين آخرين لقتل معاوية رضي الله عنه وعمرو بن العاص رضي الله عنه .
انظروا لاختياراتهم الخبيثة , فعلي يحكم العراق والحجاز واليمن والجزيرة العربية ,معاوية لايزال يحكم الشام , وعمرو بن العاص يحكم مصر , وتم الاتفاق على توقيت واحد وضربة ثلاثية بوقت واحد , فشل من أوكل به قتل معاوية , إذ كانت الضربة من سيف الخارجي بإليته , وعمروا بن العاص كان مريضا فأناب عنه رجلا آخر يؤم الناس بمسجد عمرو بن العاص بالفسطاط , فقتل نائبه , وشاءت إرادة الله ان ينجح عبدالرحمن بن ملجم الخارجي بقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفة المسلمين رضي اله عنه .
جاء من بعد علي الحسن رضي الله عنه ورأى أن مجاميع العراق ان حقد الفرس كان وما يزال يجري في دمائهم , فحاسبوه عن سجادة فرشها بدار الخلافة , وكانوا يؤلبونه على قتال معاوية , بينما كادت جهود الصلح تثمر قبيل استشهاد والده علي بن ابي طالب رضي الله عنه , لكن مع مقتل علي سعى الحسن رضي الله عنه لإتمام الاتفاق من منطلق أن من غير صالح المسلمين أن تظل لهم رايتين واحدة بالشام والأخرى بالعراق , كان الحسن بن علي رضي الله عنه رجلا حكيما , خَبر أن أتباعه بالعراق لايعول عليهم , وقد كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ماثلا أمامه بأن الحسن سيكتب الله على يديه حقن دماء فئتين من المسلمين , فلما تأكد أن أتباعه أو من يدعون أنهم أتباعه لا يمكن أن تقوم على خورهم دولة , فقال كلمته الشهيرة والله أن رجلا واحد من جيش معاوية يعدل عشرة منكم , تتكلمون وتدعون بالمحبة والنصرة , ولكنكم حين ينادي داعي الجهاد تتوارون عن الأشهاد , والله لأني زاهد بالحكم وأن معاوية سيحفظ حوزة الدين ويوحد الأمة , فكان الصلح وتنازل الحسن رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية وسمي ذلك العام "عام الجماعة", وتم حقن دماء المسلمين , وتم الصلح على أن من يخلف معاوية هو مايتفق عليه المسلمون من بعده ,عاد الحسن للمدينة , وتوفي معاوية , وأشار على ابنه يزيد بولاية العهد وهذا كان اجتهاد منه حتى لاتعود الخلافات وقدر الله وما شاء فعل , واصبح يزيد أميراً للمؤمنين .
أرسل أهل الكوفة أن يحضر اليهم الحسين بن علي رضي الله عنه ويبايعوه , وذلك لإذكاء الفتن , وما قدره الله يكون , فحاول الحسن ين علي أن يثني أخاه الحسين رضي الله عنه , وكان الحسن يقول للحسين لقد خذلوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه , والله إنهم لخاذلوك , فمضى الحسين بأهله ومن معه للكوفة , وناجزه والي العراق واستشهد الحسين رضي الله عنه , بعد أن قام والي العراق باجتذاب كثير من معارضي معاوية وأغراهم بالمال و سجن من سجن منهم حتى لا تقوم حرب أو يعود الحسين ,وخذلوه وبقي يحارب بمعركة غير متكافئة , وتحقق ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الحسين سيموت شهيدا .
تلقف المغرضون الفرس والذين اغتنموا الفرصة , لإذكاء نار الفتنة بين المسلمين وجددوا العهد لأهل البيت باعتبارهم هو من يجب أن يكونوا الخلفاء وأمراء المؤمنين , ولكن غالبية أهل الحل والعقد ومن استوطن الإيمان قلوبهم أنكروا ذلك حماية لبيضة الاسلام وتدعيما لحقن الدماء لم يجيبوا دعواتهم , ومن كان جل اهتمامهم بالآخرة لا بالدنيا .
فقرر شيعة فارس ومن معهم من المغرضين إعلان ولائهم فقط لأهل البيت وكفروا من يعارضهم , قوبل ذلك برد فعل وتطرفت فئة من خارجهم ونازعوا دولة الاسلام بعصبيات جاهلية وتبرؤا من الفريقين .

ومنذ ذلك التاريخ والشحن العاطفي والبكاء على أهل البيت مناحتهم , عندها لم تكن هنالك اختلافات دينية بين عامة الناس هنا وهناك , ولكن الشحن العاطفي والغوغائي نجح باستقطاب فئات , لتلبس الحداد إلى يوم الدين على استشهاد الحسين , ومن الطبيعي لا يمكن لخليفة أن يسمح بقيام سلطانين , فجاء العباسيون وأنهوا حكم الأمويين , وتوجسوا خيفة من آل علي بن ابي طالب, واستمرت الخلافة العباسية بقوتها إلى أن كاد الفرس بين الأمين والمأمون , وتفرغوا للاحتفال بمجيء المأمون ابن هارون الرشيد من أم فارسية , فنسوا ماك انوا يدعون إليه لآل علي بن أبي طالب , حيث سبق أن أوغر صدور ألبرامكة الرشيد بهم فتمت تصفيتهم ومطاردتهم , وأرسل الفضل بن يحي البرمكي بيحيى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب مكبلا بالأغلال والأصفاد من خراسان , ليثبت ولاءه للرشيد .
اتسعت رقعة الدولة الاسلامية في عصره وازدهرت , أدرك أن بخراسان من يؤلب الطالبيين على دولته , وبنفس الوقت وشووا به , وأدرك بفطنته أن البرامكة في طريقهم للاستيلاء على السلطة وتحقيق أحلامهم باستعادة حكمهم بشتى الوسائل , حتى أضحى الناس بعاصمة الخلافة بغداد وبسائر أمصار العراق يأتون ليحي بن خالد يمدحونه ويتسامرون بمجلس ابنه جعفر , والفضل كان واليا مفوضا على خراسان , وتخلص منهم , وتتوالى محاولاتهم وأيقنوا أن دولة الفرس لا يمكن أن تقوم لها قائمة وأن عليهم البحث عن طرق أكثر خبثا وأقل تكلفة بزرع المكائد والدسائس لشق عصا المسلمين لفريقين شيعة وسنة , وأصبح الشيعة يقولون للسنة نواصب , ومن تم رفضهم من نفر من المسلمين سموا روافض , وهنا عندما أكرر كلمة مجوس لاعتقادي أن من دخل الاسلام من الفرس لا أعتقد أن يُستثار من ذلك , فلا يستوي أن يكون مسلما ويحن للمجوسية ومن الطبيعي أن يمقت المجوسية , لا أن يتحسس منها ويراها غمزا بحقه .

من أدق الأخبار عن مكرهم أن كان مسؤول بريد الرشيد فارسيا , وكان ظاهره التقى والورع وقيام الليل كله وتلاوة القرآن الكريم , وكان يرسل برسائل الخليفة للأمصار , ويدس بينها أحاديث وضعها هو بينم اكان يُظن أنخه يبيت راكعا ساجدا "ولكنه النفاق لاشك , فكانت عيون الرشيد بخراسان ترسل له بالأخبار أن أحاديث مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم تداولها بفارس وخراسان , فقرر الرشيد أن يُفَتَّش البريد المتجه لخراسان فكانت المفاجأة , أن تلك الأحاديث ترسل مع بريد الخليفة , فتم اعتقال آمر البريد , وحقق معه , واعترف ومما قاله : "نظرت إلى القرآن وقد استحال تحريفه وربكم حافظه , و أن أبث الفتنة والحروب بين العرب , فتلك موجودة لديكم ولا تحتاج لجهد ولكن بعدلك وقوة دولتك لن نتمكن من ذلك , فرأيت أيسر السبل تشكيك المسلمين بأحاديث الرسول , فكنت أنا من اكتبها وأرسلها , فسأله الرشيد ألم نعهدك قائما بالليل تاليا لكتاب الله , قال لم نعتنق دين العرب إلا كوسيلة لاستعادة ملكنا ولم كن لنا القوة والعدة لاستعادته إلا بإضعافكم ", فقال له :" اكمل يا عدو الله فقال : "ألم تجعلوا أشرافنا عبيدا لديكم ولولا الاسلام ما تمكنتم من تسخيرنا لخدمتكم , وردد أننا نحقد عليكم أيها العرب , فبعد أن كنا نستعبدكم ونحكمكم أصبحتم أسيادا ونحن عبيدا ", فقال الرشيد :" لم نُكره أحدا على الاسلام , والاسلام جاء للعالمين كلهم ليس للعرب وحدهم , جاء ليخرج الناس عربهم وعجمهم من عبادة الفرد إلى عبادة خالق الكون ومن تأليه النار وعبادة الأصنام إلى عبادة إله واحد ", فحكم عليه بالقصاص .

لذلك تم توظيف تلك الاختلافات التي هي بالأساس سياسية إلى اختلافات مذهبية عقائدية ,وبرزت عقيدة شيعية ببدايتها لم تكن على ماهي عليه الآن بإيران "الاثني عشرية" هنالك شيعة آخرون ليسوا بهكذا تطرف أو استغلال التشيع واستجرار ماض بحقد دفين , هنالك فرق؛ و مع مجيئ الخميني رفضت جماعات من الشيعة ولاية الفقيه , منهم من هاجر الى الغرب , وهنالك مثلاً بلبنان شيعة يتبرؤون مما عليه شيعة انضووا تحت عمائم ملالي قم وطهران والنجف وكربلاء من الاثني عشرية ولكنهم يمقتون ولاية الفقيه .

بالمقابل ولكل فعل رد فعل , فظهر من بعض السنة فئات امتهنت التكفير حتى لمن يعارض أفكارهم المتشددة من السنة ويسموهم الرويبضة , الانبطاحيين , وعلماء السلطة , ومنهم من تمادى أكثر فانضوى تحت الفكر القاعدي الذي يشبه ما كان يقوم به الخوارج من تكفير وتجهيل وشتم كل من يخالفهم .

سعى الحكم الصفوي لتقارب بين السن والشيعة واستمرت اجتماعاتهم طويلا أثمرت عن توحيد الصلاة في المساجد فلا يكن هنالك مساجد للسنة وأخرى للشيعة ,وكان اتفاقهم أن يصلي بالناس سني , ويخطب شيعي و تم توقعي الاتفاق بالبصرة , واتفقوا على نبذ سب الصحابة.

وبخطبة الجمعة حيث تقرر أن يخطب إمام شيعي أن يقول بالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم و الترضي عن خلفائه الأربعة أبي بكرٍ وعمَر وعثمان وعلي بخطبة الجمعة , فارتاح المسلمون حين سمعوا وشاهدوا التغير وبحسبانهم أن صفحة مظلمة بدأت بالتلاشي .

وبعد الخطبتين أمَّ المصلين الامام السني وبعد الصلاة , تعانق المسلمون وانتفت الحزازات, هكذا حسب العامة لأن فصلا مظلما أضحى من الماضي لن يعود . ومع الفراغ الصلاة , عاتب الامام السني على انفراد الخطيب الشيعي قائلا له: لم تكسر راء عمر وهي منصوبة , فالعرب تقول أن كسر المنصوب يعني الاستخفاف به أو إهانته , حيث قال الخطيب وعمرِ, ألا تخاف الله فلم يعقِّب ولم تستمر تلك المصالحة سوى شهور معدودة .

قبل عقود من الزمن حاول الملك الحسن الثاني يرحمه الله أن تعقد حوارات للتقريب بين المذاهب دون شروط مسبقة على أن تنحى الجوانب الخلافية , ويتم بحث الجوانب المتوافق عليها , بعد تزرع الثقة بدلا عن أن يبدأ الحوار بالمسائل الخلافية وتتعرض للفشل كسابقاتها من الحوارات , فاشترط الشيعة أولا أن يقر السنة أن عليا رضي الله عنه كان هو الأحق بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأن أبابكر وعمر هما من حرماه من تنفيذ وصية يزعمون أن الرسول صلى الله ليه وسلم بأن يخلفه علي ؛ فكان رد الملك الحسن هذا تاريخ وزمن مضى لننظر للم شمل المسلمين والجميع صحابة رسول الله والأربعة الخلفاء كانوا يحترمون بعضهم وصاهر عمر عليا , فرفضوا أن يتم الحوار إلا بهذا الشرط .
مع دعوة خادم الحرمين الشريفين لمؤتمر حواري بين المذاهب للتقريب بينها كون ذلك يضمن عدم اختراق الصف الاسلامي ويوفر قوة للمسلمين , الملك عبدالله هو من دعا للحوار بين الأديان , ولا يستغرب أن يدعو لحوار للتقريب بين المذاهب الاسلامية ولا أعتقد أنه ما كان ليدعو لذلك إلا وقد أجرى اتصالات معمقة مع زعماء تلك المذاهب وأئمتها .

ولا يعقل أن تأتي هكذا دعوة دون هامش معين يكسبها تحقيق ما يترتب عليه انفراجة حقيقية تخفف من الشحن الطائفي والعقدي والمذهبي , حيث تحولت تلك الاختلافات الفكرية بين شتى المذاهب إلى خلافات سياسية واستراتيجية , فالغالب والمغلوب كلاهما خاسر يستفيد منها بلا شك من يذكي الصراعات بين السنة والشيعة , وبالمقابل نشأ جيل ما سمي بالصحوة منهم من تمادى فما وفر سنة ولا شيعة بل لا يرون سواهم على الاسلام , فانتشرت شرائط الكاسيت تذم شتى المذاهب وتفسق الحكام وتؤلب على عصيان ولاة الأمر إلى وصل بهم السخف والجهل لانتهاك حرمة المسجد الحرام .

بالمقابل منذ ثورة الخميني ازداد الشحن المذهبي والتف حوله كثير من شيعة العرب والعالم بحسبانه يعمل لإنقاذهم ممن يزعمون باستئثار السنة بحكمهم ومضايقتهم وهذا فيه تجنٍ فلا أحد يقول بذلك بل هي ارهاصات تم الهمس بها والترويج لها ثم إعلانها متناسين أنهم ينتمون لأوطانهم ولا أحد باستطاعتهم أن يجولهم لمذهب السنة , ومع احتلال العراق , حين تفتقت عقلية حاكم أميركا على العراق برايمر بأن الشيعة هم الأغلبية السكانية وتمت المحاصصة , وتلك التي قام بها بريمر نتيجة لتوافق أميركي إيراني لتسديد فاتورة أميركية للمراجع الذين دعوا إلى تجريم من يقاوم الأميركيين , بالعصر الحديث ما كانت تلك النعرات مستعرة بين سنة وشيعة العراق , ولا شيعة الخليج والأنظمة الحاكمة , لكنها استثيرت منذ مجيئ الخميني وتوطدت مع الاحتلال الأميركي للعراق وتطويب أتباع إيران قديسين وحكموا العراق , بمقاربة مفادها أن صداما كان سنيا وهو من الأقلية السنية بالرغم أن كوادر حزب البعث ينتسب إليه من الشيعة اكثر من السنة , وبالسلطة شيعة وسنة , وبالبيت العراقي الواحد تجد العربي السني والعربي الشيعي والكردي السني والتركماني السني , وهنالك أقلية شيعية كردية , خليط فسيفسائي كان متآلفاً .

ووصل الأمر أثناء الاحتلال وبعده مع أوج المواجهات بين جيش المهدي وفيلق القدس ووجود القاعدة وجماعات سنية متشددة بالجانب الآخر فانتشرت التفجيرات والقتل على الهوية المذهبية أن بعض سائقي سيارات الأجرة من السنة يعلقون على سيارتهم شعارات تسترضي الشيعة وجيش المهدي وشبيحة فيلق القدس خوفا من طوابير القتل على الهوية المذهبية , وحتى البعض غيروا اسماءهم لأسماء يختص بها الشيعة بهوياتهم كجعفر , كاظم والحسن والحسين , حتى لا ينتقم منهم كونهم من التكفيريين السنة الذين يدعمون القاعدة الذين يقاومون الأميركيين ويوقعون الضحايا دون تمييز بتفخيخ سيارات وتفجير بنايات مع أن السنة بغالبيتهم العظمى بالعراق منهم براء .
يتضح من ذلك أن الاختلافات المذهبية لم تنحسر بإطارها الفكري , بل أصبحت تأخذ طابعا سياسيا وهذا هومكمن خطورة الوضع الحالي بين السنة والشيعة , جراء الاستقطابات السياسية بحسب المذهب لتأييد دولة أو دول لهذا الفريق أو ذاك , ومالم تكن هنالك شفافية واعتراف بالأخطاء في الممارسات , وبأنه لا يجوز أن تتدخل أي دولة حت أي مبرر لدعم أتباع مذهب تعتمده بدولة أخرى لأن ذلك لا يمكن ان يحقق الأمن والاستقرار بالمنطقة ولن يكسب منه الشعوب سوى المزيد من الانقسامات وإنهاك مقومات تلك الدول ومكتسباتها وتداعي اقتصادها.

لذلك نسال الله أن تكلل دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله الذي يحظى باحترام وتقدير واسع لدى مختلف شعوب العالم الاسلامي بالنجاح , ان توفق جهودالعلماء والحكماء للوصول لصيغة تحقق التوافق على الحد الأدنى الذي بدوره لابد أن توافق عليه كل الدول وتضمن دساتيرها تجريم التجريح المتبادل , فالجميع يعيش بأوطان واحدة تستوعب كل الناس لهم حقوق متساوية وعليهم واجبات متساوية تجمعهم الوطنية كهوية , ويشملهم دين واحد هو الاسلام .

فهل سيأتي يوم لانسمع أو نقرأ تينك المفردتين سنة وشيعة , وكذلك لا نجد من ينعت الآخر بالباطني أو صوفي أو اشعري أو إمامي أو ظاهري أو زيدي أو إسماعيلي ,أو وهابي وتضل تلك المسميات ضمن الثقافة العامة يدرسها أهل التخصص بالدراسات العليا بهدف ونقدها نقدا بناء لا أن يتم التشنيع عليها ومهاجمتها عبر الاعلام فلن تستطيع تلك السلوكيات أن تلغيها أو أن يتخلى عنها أتباعها , وتبقى التسميات المتداولة كما كانت تسمياتهم بصدر الاسلام وحكم الخلفاء الراشدين وخلافة الأمويين وشطر من حكم العباسيين , تجمعهم كلمة وهوية اسلامية واحدة , (مسلم) ؛ بلا تصنيفات على مستوى كل دولة , وأعلم أنه من المستحيل أن تنصهر كل المذاهب والطرق بلمسة سحرية , لكن يحظر على الاعلام المقروء والمرئي والمسموع وخطب الجمعة والمناهج الدراسية والمحاضرات والندوات ألَّا تأتي إلى ما يعيد إذكاء الأحقاد والحزازيات , والافتئات على كل مذهب أو الاساءة لأي رمز من رموز الاسلام , والا تنشأ اختلافات سياسية مصدرها التعصب المذهبي, وتنتهي الاستقطابات تحت ذرائع مذهبية أو عقدية .

وتبقى كل طائفة أو مذهب تتداول فقه مذاهبها فيما بينها وعدم التطرق لما يسبب الشحن المذهبي باستدرار عواطف العامة على أتباعها مع الابتعاد عن التأليب على أتباع المذاهب الأخرى والكف عن اجترار الماضي لإذكاء شعلة الخلافات وبث الفرقة والانقسام .ولن يتأتى ذلك إلا بميثاق شرف يقوم على احترام خصائص كل مذهب , وما توافق عليه وتم التقريب بشأنه يتم التوقيع عليه والزام الدول بتطبيقه كل على قنواتها الاعلامية المختلفة وسحب كل ما
يؤجج ويزرع الفتن من المناهج الدراسية بدءا من الروضة إلى الجامعة .أمنية هل تتحقق ولو بالحد الأدنى , نعم لو صلحت الأنفس وحَسٌنَت النيات . وأرى بهذه المناسبة أن تتم الدعوة بداخل كل دولة لحوار يفضي للتقريب بين المذاهب , وستسهم لتكون نموذجاً يمكن البناء عليه , وتعرض النماذج الناجحة كورقة عمل , لاجتماع جامع يتم بين مسلمي الأمة.


 4  0  1903
التعليقات ( 4 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    09-06-2012 03:32 مساءً د . منذر العلي :
    مقال شامل وضع النقاط على الحروف , ولكن العرب ماداموا مشتتون غير آبهين بأخطار إيران وتمددها لن يزين إيران إلا مضيا ببث الفتن بالمنطقة .. تحياتي لك ولقلمك الرصين ووفكرك الذي يستشرف مستقبل الأمة
  • #2
    09-06-2012 10:28 مساءً محمود الخالدي :
    مقال قيم وسرد تاريخي , لكن باعتقادي لن يتم تقارب الا بمعجزة بظل الشحن الاعلامي , لكن ندعوا الله أن يصلح أمور المسلمين ونعول على علمائنا ومشائخنا النظر للمصلحة الوطنية لكل بلد وتوجيه الشباب بكلا الفرق الدينية أن يهتموا بمستقبلهم كأبناء وطن بكل بلد عربي واسلامي العالم يتطور ونحن في خلافات ليست مفيدة ولتسكت الحملات من فريق على فريق ولايحشروا الدين ويسيسوه وأن يعامل كل مواطن ببلداننا العربية والاسلامية سواسية بغض النظر عن مذهبه ومعتقده يُبنى على مواطنته واحترامه لأنظمة كل بلد وقوانينها يتساوون في الواجبات والحقوق بلاتمييز ولكن ستظل أيادي خارجية لاتريد للبلدان الاسلامية والعربية الوئام والتقدم والنماء والتطور وباستطاعة حكام أوطاننا أن يقطعوا أي حجة يستغلها أعداء الاسلام ومنهم للأسف من جوار بلاد العرب
    شكرا لك أستاذ محمد ونصاعة فكرك وقلمك الكبير
    .
  • #3
    09-06-2012 10:35 مساءً ليليان جرجس :
    ليس من الستحيل يتوصلوا لاتفاق لان السياسة افسدت كل شيء يمكن يوقفوا الحملات الاعلامية , كمسيحية ارى انه لافوارق كبيرة بين مذاهب المسلمين وبالمسيحية كثير من الفرق لكن كل يحترم الاخر ولايتدخل بمعتقده مع أن اختلافاتهم وطقوسهم كثيرة عن مابين فرق المسلمين , تشكر أستاذ محمد الحازمي على وعيك وفكرك .
  • #4
    09-07-2012 01:45 صباحًا احمد دماس مذكور :
    رائع القلم سوي الفكر صدوق الحرف والكلمة


    ان من اهم اسس السلام في هذا الزمن هو التقريب ليس بين المذاهب فحسب
    وانما حتى على مستوى الاديان فبذلك سيسود السلام

    شكرا لنوو فكرك ودماثة قلمك